مــنــتــديــات مــغــربــيــة
أهلا و سهلا بكم بمنتدى مغربي

اهلا بكم في جبال الأطلس الشامخة وبحر البغاز والشمس المشرقة

وكرم الضيافة

مــنــتــديــات مــغــربــيــة

المنتدى به كل ما يهم المرأة و الرجل من وصفات ناجحة 100 % به أقسام جديدة اخبار دولية و محلية ليس كاروتين الذي بالمنتديات الاخرى به اقسام للرجل و الطفل و الأم
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
أطلق لقلمك العنان فأنت الفارس و الربان عبر عن نفسك فهناك من يسمعك أكتب ولو طال الزمان فلسوف يأتي قارئ لا تخشى أن تمحى الخطوط فالخطوط مرفئ شرطنا الوحيد أن تكون مشاركتك من وحي أقلام منتديات مغربية
المواضيع الأخيرة
» المغرب يتهم أجهزة مخابرات أجنبية بالوقوف وراء شريط القاعدة
الأحد سبتمبر 22, 2013 12:24 pm من طرف غــــريــــب

» أكمل دراستك الآن وحقق حلمك وانت فى بيتك
الثلاثاء يناير 29, 2013 4:05 am من طرف هارف

» جامعة هارف الدولية للتعليم المعتمد
الأحد ديسمبر 09, 2012 3:35 am من طرف هارف

» مستحضرات البحر الميت لعلاج البشرة والتجميل
الخميس نوفمبر 22, 2012 1:15 am من طرف mellem.face@gmail.com

» ماهو مصير السوق البلدي لمدينة ورزازات بعد الحريق
الثلاثاء أكتوبر 30, 2012 4:37 am من طرف ورززية

» استضافة مواقع
الخميس أكتوبر 18, 2012 5:30 am من طرف ورززية

» الجنوب الشرقي الجز الاكثر تهميشا بالمغرب
الأربعاء سبتمبر 26, 2012 2:58 am من طرف ورززية

» MASEN : مركز الطاقة الشمسية بمدينة ورزازات
الإثنين سبتمبر 24, 2012 12:07 am من طرف ورززية

» بالصور شوفوا عزومة أوباما وشوفوا عزومة ولي عهد قطر حسبي الله و نعم الوكيل
السبت سبتمبر 08, 2012 11:06 am من طرف غــــريــــب

» مشروع نفق تيشكا، حلم بعيد المنال أم أولوية حيوية ؟
الثلاثاء يوليو 03, 2012 2:10 pm من طرف غــــريــــب

»  أشكالنا عام 3000 ميلادي
الإثنين يونيو 11, 2012 1:21 pm من طرف غــــريــــب

» إضحك مع الكاريكاتير
الإثنين يونيو 11, 2012 12:52 pm من طرف غــــريــــب

» إصدار مجلة الكترونية جديد بالجنوب الشرقي للمغرب www.almaouja.com
السبت يونيو 09, 2012 7:50 am من طرف غــــريــــب

» أغرب5 حالات وفاة في التاريخ.. ؟؟؟
الخميس يونيو 07, 2012 6:36 pm من طرف غــــريــــب

» الفراق آآآه منك يالفراق......
الخميس يونيو 07, 2012 6:27 pm من طرف غــــريــــب

» اغرب المعلومات
الخميس يونيو 07, 2012 6:06 pm من طرف غــــريــــب

» دع الأيام تفعل ما تشاء للشافعي
الخميس يونيو 07, 2012 5:57 pm من طرف غــــريــــب

» كيف تعلم أنك أحببت؟
الخميس يونيو 07, 2012 5:48 pm من طرف غــــريــــب

» طــــرائــــف
الخميس يونيو 07, 2012 5:41 pm من طرف غــــريــــب

» ما الفرق بين القرآن و الفرقان ؟
الخميس يونيو 07, 2012 5:25 pm من طرف غــــريــــب

» فاكهه نأكلها والاسلآم حرمها !!
الأربعاء يونيو 06, 2012 11:23 am من طرف غــــريــــب

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 0 عُضو متصل حالياً 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 0 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 54 بتاريخ الأحد فبراير 13, 2011 7:15 am
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأكثر نشاطاً
تفسير القرآن الكريم سورة البقرة
وصفات مغربية مصورة من القناة التانية
الموسوعه العلميه للحمل والولاده
الفقه الإسلامي
حقيقة الدنيا
الأربعين النووية
بيدي وكوزينتي شلاضة بشكل جدييد+ مايونييز
الــســيــرة الــنــبــويــة
أعــمــال الــحــج
صور ترحيب , فواصل, بسملة , السلام عليكم , تهانى كل ماتحتاجة لموضوعك
المواضيع الأكثر شعبية
موضوع متكامل عن أمراض القلب و الجهاز الدوري
موضوع شامل على الحيوانات
موضوع عن السجن
موضوع عن الجريمة
الموسوعه العلميه للحمل والولاده
تفاصيل المشاجرة بين علاء وجمال مبارك
فضائح جنسية غريبة لأثرياء الخليج بالمغرب
قـبـائـل بـدائـيـة
من هو أحمد شفيق رئيس الحكومة المصرية الجديدة؟
الجمهورية التونسية العربية
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
غــــريــــب
 
simo
 
سارة
 
monatibou
 
salma198
 
هبة السماء
 
مدام ميمي
 
إشراقة فجر
 
سميرة غزالي
 
حفيظ الشتاوي
 
أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع
أفضل 10 أعضاء في هذا الشهر
التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني



شاطر | 
 

 الفقه الإسلامي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
غــــريــــب
الــمــديــر الــعــام


عدد المساهمات: 2566
نقاط: 7147
تاريخ التسجيل: 01/10/2010
الموقع: الــمــغــرب

مُساهمةموضوع: الفقه الإسلامي   الثلاثاء أكتوبر 12, 2010 5:13 am

بسم الله الرحمن الرحيم

الــطــهــارة و الــصــلاة
الــزكــاة
الــزكــاة سؤال و جواب
أحــكــام الــنــكــاح
كــتــاب الــبــيــوع
الــصــيــام
الــصــيــام سؤال و جواب


الــطــهــارة و الــصــلاة
الطهارة

الإستنجاء

الوضوء

التيمم

الحيض، النفاس، الاستحاضة، الجنابه

الصّلاة


تعريف الطهارة:
الطهارة في اللغة: النظافة.

وفي الشرع: هي عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة بصفة مخصوصة.



تقسيم الطهارة:

الطهارة تنقسم إلى قسمين: طهارة من الحدث، وطهارة من النجس، أي: حكمية وحقيقية.

فالحدث هو: الحالة الناقضة للطهارة شرعاً، بمعنى أن الحدث إن صادف طهارة نقضها، وإن لم يصادف طهارة فمن شأنه أن يكون كذلك.

وينقسم إلى قسمين: الأكبر والأصغر، أما الأكبر فهو: الجنابة والحيض والنفاس، وأما الأصغر فمنه: البول والغائط والريح والمذي والودي وخروج المنى بغير لذة، والهادي وهو: الماء الذي يخرج من فرج المرأة عند ولادتها.

وأما النجس: فهو عبارة عن النجاسة القائمة بالشخص أو الثوب أو المكان. ويعبر عنه بالخبث أيضاً.وشرعت الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذين آمنُوا إذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فَاغْسِلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6].

ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تقبل صلاة بغير طهور" رواه مسلم.

وشرعت طهارة الخبث -وهي طهارة الجسد والثوب والمكان الذي يصلى عليه من النجس- بقوله تعالى: {وثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4] وقوله تعالى: {وعَهِدْنَا إِلى إبْراهِيمَ وإِسْماعيلَ أن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والْعَاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُود}[البقرة: 125].

وبقوله عليه الصلاة والسلام: "اغسلي عنك الدم وصلي" متفق عليه.

والطهارة من ذلك كله من شروط صحة الصلاة.

شروط الطهارة الحقيقية:

ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يشترط لصحة الصلاة طهارة بدن المصلي وثوبه ومكانه من النجاسة.

ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابي: "صُبّوا عليه ذَنوباً من ماء" رواه أبو داود.

وقال المالكية: إنها واجبة مع الذكر والقدرة، وسنة مع النسيان وعدم القدرة.

والمعتمد في المذهب: أن من صلى بالنجاسة متعمداً عالماً بحكمها، أو جاهلاً وهو قادر على إزالتها يعيد صلاته أبداً، ومن صلى بها ناسياً أو غير عالم بها أو عاجزاً عن إزالتها يعيد في الوقت.

وأيضاً تشترط الطهارة الحقيقية لصلاة الجنازة، وهي شرط في الميت بالإضافة إلى المصلي.

وتشترط الطهارة الحقيقية كذلك في سجدة التلاوة.

واختلف الفقهاء في اشتراط الطهارة الحقيقية في الطواف.

فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى اشتراطها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الطواف بالبيت بمنزلة الصلاة إلا أن الله قد أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير".

وذهب الحنفية إلى عدم اشتراط الطهارة الحقيقية في الطواف.

والأكثر على أنها سنة مؤكدة.

وذهب الشافعية -على خلاف غيرهم- إلى اشتراط الطهارة الحقيقية في خطبة الجمعة.

تطهير النجاسات:

النجاسات العينية لا تطهر بحال، إذ أن ذاتها نجسة، بخلاف الأعيان المتنجسة، وهي التي كانت طاهرة في الأصل وطرأت عليها النجاسة، فإنه يمكن تطهيرها.

والأعيان منها ما اتفق الفقهاء على نجاسته، ومنها ما اختلفوا فيه.

فممّا اتفق الفقهاء على نجاسته: الدم المسفوح، والميته، والبول، والعذرة من الآدمي.

ومما اختلف الفقهاء فيه: الكلب والخنزير.

ذهب الشافعية والحنابلة إلى القول بنجاسة الخنزير والكلب.

وقال الحنفية في الأصح: إن الكلب ليس بنجس العين، وإنما لحمه نجس.

النية في التطهير من النجاسات:

اتفق الفقهاء على أن التطهير من النجاسة لا يحتاج إلى نية، فليست النية بشرط في طهارة الخبث، ويطهر محل النجاسة بغسله بلا نية.

المُطَهِّرات

اتفق الفقهاء على أن الماء المطلق رافع للحدث مزيل للخبث، لقول الله تعالى:

{وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّركُم بِه} [الأنفال: 11].

وذهب أبو حنفية إلى أنه يجوز تطهير النجاسة بالماء المطلق، وبكل مائع طاهر قالع، كالخل وماء الورد ونحوه مما إذا عصر انعصر، لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت:

(ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها، فقصعته بظفرها) أي حكته. رواه البخاري.

واتفق الفقهاء على طهارة الخمر بالاستحالة، فإذا انقلبت الخمر خلاًّ بنفسها فإنها تطهر، لأن نجاستها لشدتها المسكرة الحادثة لها، وقد زال ذلك من غير نجاسة خلفتها، فوجب أن تطهر، كالماء الذي تنجس بالتغير إذا زال تغيره بنفسه.

وذهب الحنفية والشافعية إلى أن جلد الميتة يطهر بالدباغة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم "إذا دبغ الإهاب فقد طهر"رواه مسلم.

وقال المالكية والحنابلة بعدم طهارة جلد الميتة بالدباغ.

وعدّ الحنفية من المطهرات: الدلك، والفرك، والمسح، واليبس، وانقلاب العين، فيطهر الخف والنعل إذا تنجس بذي جرم بالدلك، والمني اليابس بالفرك، ويطهر الصقيل كالسيف والمرآة بالمسح، والأرض المتنجسة باليبس، والخنزير والحمار بانقلاب العين، كما لو وقعا في المملحة فصارا ملحاً.

المياه التي يجوز التطهير بها، والتي لا يجوز:

قسم الفقهاء الماء من حيث جواز التطهير به ورفعه للحدث والخبث، أو عدم

ذلك، إلى عدة أقسام:

القسم الأول:

ماء طاهر مطهّر غير مكروه، وهو الماء المطلق، وهو الماء الباقي على

خلقته، أو هو الذي لم يخالطه ما يصير به مقيداً.

والماء المطلق يرفع الحدث والخبث باتفاق الفقهاء. ويلحق به عند جمهور الفقهاء ما

تغير بطول مكثه، أو بما هو متولد منه كالطحلب.

القسم الثاني:

ماء طاهر مطهّر مكروه، وخص كل مذهب هذا القسم بنوع من

المياه: قال الحنفية: إن الماء الذي شرب منه حيوان مثل الهرة الأهلية والدجاجة المخلاة وسباع الطير والحية والفأرة، وكان قليلاً، الكراهة تنزيهية على الأصح، ثم إن الكراهة إنما هي عند وجود المطلق، وإلا فلا كراهة أصلاً.

وقال المالكية: إن الماء إذا استعمل في رفع حدث أو في إزالة حكم خبث فإنه يكره استعماله بعد ذلك في طهارة حدث كوضوء أو اغتسال مندوب لا في إزالة حكم خبث، والكراهة مقيدة بأمرين: أن يكون ذلك الماء المستعمل قليلاً كآنية الوضوء والغسل، وأن يوجد غيره، وإلا فلا كراهة، كما يكره عندهم الماء اليسير -وهو ما كان قدر آنية الوضوء أو الغسل فما دونها- إذا حلت فيه نجاسة قليلة كالقطرة ولم تغيره، والكراهة مقيدة بقيود سبعة: أن يكون الماء الذي حلت فيه النجاسة يسيراً، وأن تكون النجاسة التي حلت فيه قطرة فما فوقها، وأن لا تغيره، وأن يوجد غيره، وأن لا يكون له مادة كبئر، وأن لا يكون جارياً، وأن يراد استعماله فيما يتوقف على طهوره، كرفع حدث وحكم خبث ووضوء أو غسل مندوب، فإن انتفى قيد منها فلا كراهة.

ومن المكروه أيضاً: الماء اليسير الذي ولغ فيه كلب ولو تحققت سلامة فيه من النجاسة، وسؤر شارب الخمر.

وذهب الشافعية إلى أنَّ الماء المكروه ثمانية أنواع:

المشمس، وشديد الحرارة، وشديد البرودة، وماء ديار ثمود إلا بئر الناقة، وماء ديار قوم لوط، وماء بئر برهوت، وماء أرض بابل، وماء بئر ذروان.

وذهب الحنابلة إلى أن المكروه: الماء المتغير بغير ممازج، كدهن وقطران وقطع كافور، أو ماء سخن بمغصوب أو بنجاسة، أو الماء الذي اشتد حره أو برده، والكراهة مقيدة بعدم الاحتياج إليه، فإن احتيج إليه تعين وزالت الكراهة.

وكذا يكره استعمال ماء البئر الذي في المقبرة، وماء في بئر موضع غصب، وما ظن تنجسه، كما نصوا على كراهية استعمال ماء زمزم في إزالة النجاسة دون طهارة الحدث تشريفاً له.

القسم الثالث:

- ماء طاهر في نفسه غير مطهر. ذهب الحنفية إلى أن الماء الطاهر في نفسه غير المطهر لغيره، هو الماء المستعمل وهو: ما أزيل به حدث أو استعمل في البدن على وجه القربة، ولا يجوز استعماله في طهارة الأحداث، بخلاف الخبث، ويصير مستعملاً عندهم بمجرد انفصاله عن الجسد ولو لم يستقر بمحل.

وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه الماء المتغير طعمه أو لونه أو ريحه بما خالطه من الأعيان الطاهرة تغيراً يمنع إطلاق اسم الماء عليه، وهو كذلك عند الشافعية: الماء المستعمل في فرض الطهارة ونفلها على الجديد.

وصرح المالكية والشافعية والحنابلة بأن هذا النوع لا يرفع حكم الخبث أيضاً، وعند الحنفية يرفع حكم الخبث.

القسم الرابع:

ماء نجس، وهو: الماء الذي وقعت فيه نجاسة وكان قليلاً، أو كان كثيراً وغيّرته، وهذا لا يرفع الحدث ولا النجس بالاتفاق.

القسم الخامس:

ماء مشكوك في طهوريته، وانفرد بهذا القسم الحنفية، وهو عندهم: ما شرب منه بغل أو حمار.

القسم السادس:

ماء محرم لا تصح الطهارة به، وانفرد به الحنابلة، وهو عندهم: ماء آبار ديار ثمود-غير بئر الناقة- والماء المغصوب، وماء ثمنه المعين حرام.

تطهير محل النجاسة:

اختلف الفقهاء في ما يحصل به طهارة محل النجاسة:

فذهب الحنفية إلى التفريق بين النجاسة المرئية وغير المرئية.

فإذا كانت النجاسة مرئية فإنه يطهر المحل المتنجس بها بزوال عينها ولو بغسله واحدة على الصحيح ولو كانت النجاسة غليظة. ولا يشترط تكرار الغسل، لأن النجاسة فيه باعتبار، فتزول بزوالها.

وهذا الحكم فيما إذا صب الماء على النجاسة، أو غسلها في إجّانة كطست فيطهر بالثلاث إذا عصر في كل مرة.

وإذا كانت النجاسة غير مرئية فإنه يطهر المحل بغسلها ثلاثاً وجوباً، والعصر كل مرة في ظاهر الرواية، تقديراً لغلبة الظن في استخراجها.

ويبالغ في المرة الثالثة حتى ينقطع التقاطر، والمعتبر قوة كل عاصر دون غيره، فلو كان بحيث لو عصر غيره قطر طهر بالنسبة إليه دون ذلك الغير.

أما إذا غمسه في ماء جار حتى جرى عليه الماء أو صب عليه ماء كثير، بحيث يخرج ما أصابه من الماء ويخلف غيره ثلاثا، فقد طهر مطلقا بلا اشتراط عصر وتكرار غمس.

ويقصد بالنجاسة المرئية عندهم: ما يرى بعد الجفاف، وغير المرئية: ما لا يرى بعده.

وذهب المالكية إلى أنه يطهر محل النجاسة بغسله من غير تحديد عدد، بشرط زوال طعم النجاسة ولو عسر، لأن بقاء الطعم دليل على تمكن النجاسة من المحل فيشترك زواله، وكذلك يشترط زوال اللون والريح إن تيسر ذلك، بخلاف ما إذا تعسر.

وذهب الشافعية إلى التفريق بين أن تكون النجاسة عيناً أو ليست بعين.

فإن كانت النجاسة عينا فإنه يجب إزالة الطعم، ومحاولة إزالة اللون والريح، فإن لم يزل بحتّ أو قرص ثلاث مرات عفي عنه ما دام العسر، ويجب إزالته إذا قدر، ولا يضر بقاء لون أو ريح عسر زواله فعفي عنه، فإن بقيا معاً ضر على الصحيح، لقوة دلالتهما على بقاء عين النجاسة.

وإن لم تكن النجاسة عيناً -وهي ما لا يدرك لها عين ولا وصف، وسواء أكان عدم الإدراك لخفاء أثرها بالجفاف، كبول جفَّ فذهب عينه ولا أثر له ولا ريح، فذهب وصفه، أم لا، لكون المخل صقيلاً لا تثبت عليه النجاسة كالمرآة والسيف- فإنه يكفي جريان الماء عليه مرة، وإن لم يكن بفعل فاعل كمطر.

وذهب الحنابلة إلى أنه تطهر المتنجسات بسبع غسلات منقية، لقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: "أمرنا أن نغسل الأنجاس سبعاً" وقد أمرنا به في نجاسة الكلب، فيلحق به سائر النجاسات، لأنها في معناها، والحكم لا يختص بمورد النص، بدليل إلحاق البدن والثوب به.

وفي قول عند الحنابلة: إنه لا يجب فيه عدد، اعتماداً على أنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، لا في قوله ولا في فعله.

ويضر عندهم بقاء الطعم، لدلالته على بقاء العين ولسهولة إزالته ويضر كذلك بقاء اللون أو الريح أوهما معا إن تيسر إزالتهما، فإن عسر ذلك لم يضر.

وهذا في غير نجاسة الكلب والخنزير.

تطهير ما تصيبه الغسالة قبل طهارة المغسول:

الغسالة المتغيرة بأحد أوصاف النجاسة نجسة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه ولونه وطعمه" رواه ابن ماجه.

قال المالكية: سواء كان تغيرها بالطعم أو اللون والريح ولو المتعسرين، ومن ثم ينجس المحل الذي تصيبه الغسالة المتغيرة، ويكون تطهيره كتطهير أي محل متنجس عند الجمهور.

وذهب الحنابلة إلى أنه لا يطهر المحل المتنجس إلا بغسله سبعاً، فيغسل عندهم ما نجس ببعض الغسلات بعدد ما بقي بعد تلك الغسلة، فلو تنجس بالغسلة الرابعة مثلاً غسل ثلاث غسلات لأنها نجاسة تطهر في محلها بما بقي من الغسلات، فطهرت به في مثله.

وذهب المالكية إلى أنَّ الغسالة غير المتغيرة طاهرة، فلو غسلت قطرة بول مثلاً في جسد أو ثوب وسالت غير متغيرة في سائره ولم تنفصل عنه كان طاهرا.

وقالت الشافعية: الغسالة غير المتغيرة إن كانت قلتين فطاهرة، وإن كانت دونهما فثلاثة أقوال عند الشافعية، أظهرها: أن حكمها حكم المحل بعد الغسل، إن كان نجساً بعد فنجسة، وإلا فطاهرة غير مطهرة، وهو مذهب الشافعي الجديد.

تطهير الآبار:

ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا تنجس ماء البئر، فإن تطهيره يكون بالتكثير إلى أن يزول التغير، ويكون التكثير بالترك حتى يزيد الماء ويصل إلى حد الكثرة، أو بصب ماء طاهر فيه حتى يصل هذا الحد.

كما ذهب المالكية والحنابلة إلى اعتبار النزح طريقاً للتطهير أيضاً.

وذهب الحنفية إلى أنه إذا تنجس ماء البئر فإن تطهيره يكون بالنزح فقط.

الوضوء والاغتسال في موضع نجس:

لا خلاف بين الفقهاء في أن الوضوء والاغتسال في موضع نجس مكروه خشية أن يتنجس به المتوضىء أو المغتسل، وتوقي ذلك كله أولى، ولأنه يورث الوسوسة.

تطهير الجامدات والمائعات:

ذهب الفقهاء إلى أنه إذا وقعت النجاسة في جامد، كالسمن الجامد ونحوه، فإن تطهيره يكون برفع النجاسة وتقوير ما حولها وطرحه، ويكون الباقي طاهراً، لما روت ميمونة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة سقطت في سمن فقال: " ألقوها، وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم".

وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا وقعت النجاسة في مائع فإنه ينجس، ولا يطهر. ويراق، لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال: "إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه" وفي رواية "وإن كان مائعاً فأريقوه" رواه أحمد.

وذهب الحنفية إلى إمكان تطهيره بالغلي، ذلك بأن يوضع في ماء ويغلى، فيعلو الدهن الماء، فيرفع بشيء، وهكذا ثلاث مرات.

تطهير ما كان أملس السطح:

ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا أصابت النجاسة شيئاً صقيلاً -كالسيف والمرآة- فإنه لا يطهر بالمسح، ولا بد من غسله، لعموم الأمر بغسل الأنجاس، والمسح ليس غسلاً.

ذهب الحنفية إلى أن ما كان أملس السطح، كالسيف والمرآة ونحوهما، إن أصابه نجس فإن تطهيره يكون بالمسح بحيث يزول أثر النجاسة، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقتلون الكفار بسيوفهم ثم يمسحونها ويصلون وهم يحملونها، ولأنه لا يتشرب النجاسة، وما على ظاهره يزول بالمسح.

فإن كان بالصقيل صدأ يتشرب معه النجاسة، أو كان ذا مسام تتشربها، فإنه لا يطهر إلا بالماء.

وذهب المالكية إلى أن ما كان صلباً صقيلاً، وكان يخشى فساده بالغسل كالسيف ونحوه، فإنه يعفى عما أصابه من الدم المباح ولو كان كثيراً، خوفاً من إفساد الغسل له.

المراد بالمباح غير المحرم، فيدخل فيه دم مكروه الأكل إذا ذكاه بالسيف، والمراد. المباح أصالة، فلا يضر حرمته لعارض كقتل مرتد به، وقتل زان أحصن بغير إذن الإمام.

كما قيدوا العفو بأن يكون السيف مصقولاً لا خربشة فيه، وإلا فلا عفو.

تطهير الثوب والبدن من المني

-اختلف الفقهاء في نجاسة المنى.

فذهب الحنفية والمالكية إلى نجاسته.

وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه طاهر.

واختلف الحنفية والمالكية في كيفية تطهيره:

فذهب الحنفية إلى أن تطهيره محل المني يكون بغسله إن كان رطباً، وفركه إن كان يابساً، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "كنت أفرك المنى من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يابساً، وأغسله إذا كان رطباً".

ولا فرق في طهارة محله بفركه يابساً وغسله طرياً بين مني الرجل ومني المرأة،كما أنه لا فرق في ذلك بين الثوب والبدن على الظاهر من المذهب.

وذهب المالكية إلى أن تطهير محل المني يكون بالغسل لا غير.

طهارة الأرض بالماء:

قال جمهور الفقهاء: إذا تنجست الأرض بنجاسة مائعة- كالبول والخمر وغيرهما- فتطهيرها أن تغمر بالماء بحيث يذهب لون النجاسة وريحها، وما انفصل عنها غير متغير بها فهو طاهر.

وذلك لما رواه أنس رضي الله عنه قال: "جاء أعرابي فبال في طائفة (ناحية) من المسجد، فزجره الناس فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضي بوله أمر بذَنوب من ماء فأهريق عليه" وفي لفظ فدعاه فقال: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، وإنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن" وأمر رجلاً فجاء بدلو من ماء فشنه عليه [متفق عليه].

وإنما أمر بالذنوب لأن ذلك يغمر البول، ويستهلك فيه البول وإن أصاب الأرض ماء المطهر أو السيول فغمرها وجرى عليها فهو كما لو صب عليها، لأن تطهير النجاسة لا تعتبر فيه نيَّة ولا فعل، فاستوى ما صبَّه الآدمي وما جرى بغير صبّه.

ولا تطهر الأرض حتى يذهب لون النجاسة ورائحتها، ولأن بقاءهما دليل على بقاء النجاسة، فإن كانت مما لا يزول لونها إلا بمشقة سقط عنه إزالتها كالثوب، كذا الحكم في الرائحة.

ويقول الحنفية: إذا أصابت النجاسة أرضاً رخوة فيصب عليها الماء فتطهر، لأنها تنشف الماء، فيطهر وجه الأرض، وإن كانت صلبة يصب الماء عليها، ثم تكبس الحفيرة التي اجتمعت فيها الغسالة.

ما تطهر به الأرض سوى المياه:

ذهب جمهور الحنفية إلى أن الأرض إذا أصابها نجس، فجفت بالشمس أو الهواء أو غيرهما وذهب أثره طهرت وجازت الصلاة عليها.

وذهب المالكية والحنابلة، والشافعية في الأصح عندهم، إلى أنها لا تطهر بغير الماء، لأمره صلى الله عليه وسلم أن يصب على بول الأعرابي ذنوب ماء، وقوله صلى الله عليه وسلم: "أهريقوا على بوله ذنوبا من ماء، أو سجلا من ماء" [رواه البخاري]. والأمر يقتضى الوجوب، لأنه محل نجس فلم يطهر بغير الغسل.

طهارة النجاسة بالاستحالة:

- اتفق الفقهاء على طهارة الخمر بالاستحالة، فإذا انقلبت الخمر خلا صارت طاهرة.

واختلف الفقهاء فيما عدا الخمر من نجس العين هل يطهر الاستحالة أم لا؟ فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يطهر نجس العين بالاستحالة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن أكل الجلالة وألبانها" لأكلها النجاسة، ولو طهرت بالاستحالة لم ينه عنه.

وذهب الحنفية والمالكية إلى أن نجس العين يطهر بالاستحالة.

ونظيره في الشرع النطفة نجسة، وتصير علقة وهي نجسة، وتصير مضغة فتطهر، والعصير طاهر فيصير خمراً فينجس، ويصير خلاً فيطهر، فعرفنا أن استحالة العين تستتبع زوال الوصف المرتب عليها.

ونص الحنفية على أن ما استحالت به النجاسة بالنار، أو زال أثرها بها يطهر.كما تطهر النجاسة عندهم بانقلاب العين.

فلو وقع إنسان أو كلب في قدر الصابون فصار صابوناً يكون طاهراً لتبدل الحقيقة.

ونص المالكية على أن الخمر إذا تحجرت فإنها تطهر، لزوال الإسكار منها، وأن رماد النجس طاهر، لأن النار تطهر.

ما يطهر من الجلود بالدباغة:

اتفق الفقهاء على نجاسة جلود ميتة الحيوانات قبل الدباغ، واختلفوا في طهارة جلود الميتة بالدباغة.

تطهير الخف من النجاسة:

ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا أصابت أسفل الخف أو النعل نجاسة فإن تطهيره يكون بغسله، ولا يجزىء لو دلكه كالثوب والبدن، ولا فرق في ذلك بين أن تكون النجاسة رطبة أو جافة.

وعند الشافعية قولان في العفو عن النجاسة الجافة إذا دلكت، أصحها: القول الجديد للشافعي، وهو أنه لا يجوز حتى يغسله، ولا تصح الصلاة به، والثاني: يجوز لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه، وليصل فيهما".

وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا أصاب الخف نجاسة لها جرم، كالروث والعذرة، فجفت، فدلكه الأرض جاز، والرطب وما لا جرم له كالخمر والبول لا يجوز فيه إلا الغسل، وقال أبو يوسف: يجزىء المسح فيهما إلا البول والخمر، قال محمد: لا يجوز فيهما إلا الغسل كالثوب.

وعلى قول أبي يوسف أكثر المشايخ، وهو المختار لعموم البلوى.

وفرق المالكية بين أرواث الدواب وأبوالها وبين غيرها من النجاسات، فإذا أصاب الخف شيء من روث الدواب وأبوالها فإنه يعفى عنه إن دلك بتراب أو حجر أو نحوه حتى زالت العين، وكذا إن جفت النجاسة بحيث لم يبق شيء يخرجه الغسل سوى الحكم.

وقيد بعضهم العفو بأن تكون إصابة الخف أو النعل بالنجاسة بموضع يطرقه الدواب كثيراً -كالطرق- لمشقة الاحتراز عنه.

تطهير ما تصيبه النجاسة من ملابس النساء في الطرق:

ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا تنجس ذيل ثوب المرأة فإنه يجب غسله كالبدن، ولا يطهره ما بعده من الأرض.

وذهب المالكية إلى أنه يعفى عما يصيب ذيل المرأة اليابس من النجاسة إذا مرت بعد الإصابة على موضع طاهر يابس، سواء كان أرضاً أو غيره.

وقيدوا هذا العفو بعدة قيود هي:

1. أن يكون الذيل يابساً وقد أطالته للستر، لا للزينة والخيلاء.

2. وأن تكون النجاسة التي أصابت ذيل الثوب مخففة جافة، فإن كانت رطبة فإنه يجب الغسل، إلا أن يكون معفوا عنه كالطين.

جـ- وأن يكون الموضع الذي تمر عليه بعد الإصابة طاهراً يابساً.

التطهير من البول الغلام وبول الجارية:

ذهب الحنفية والمالكية إلى أن التطهير من بول الغلام وبول الجارية الصغيرين أكلاً أولا، يكون بغسله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "استنزهوا من البول".

وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يجزىء في التطهير من بول الغلام الذي لم يطعم الطعام النضج، ويكون برش الماء على المكان المصاب وغمره به بلا سيلان، فقد روت أم قيس بنت محصن رضي الله عنها أنها "أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله" أما بول الجارية الصغيرة فلا يجزىء في تطهيره النضح، ولا بد فيه من الغسل، لخبر الترمذي "ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية".

تطهير أواني الخمر:

الأصل في تطهير أواني الخمر هو غسلها.

يقول الحنفية: تطهر بغسلها ثلاثاً بحيث لا تبقى فيها رائحة الخمر ولا أثرها، فإن بقيت رائحتها لا يجوز أن يجعل فيها من المائعات سوى الخل، لأنه بجعله فيها تطهر وإن لم تغسل، لأن ما فيها من الخمر يتخلل بالخل.

ويقول الشافعية: تطهر بغسلها مرة واحدة إذا زال أثر النجاسة، ويندب غسلها ثلاث مرات، لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده".

فندب إلى الثلاث للشك في النجاسة، فدل على أن ذلك يستحب إذا تيقن، ويجوز الاقتصار على الغسل مرة واحدة.

والغسل الواجب في ذلك: أن يكاثر بالماء حتى تستهلك النجاسة.

وعند المالكية طهارة الفخار من نجس غواص كالخمر قولان.

ويقول الحنابلة: إذا كان في الإناء خمر يتشربها الإناء، ثم متى جعل فيه مائع، سواء ظهر فيه طعم الخمر أو لونه، لم يطهر بالغسل، لأن الغسل لا يستأصل أجزاءه من جسم الإناء.

تطهير آنية الكفار وملابسهم:

يقول الحنفية في آنية الكفار: إنها طاهرة لأن سؤرهم طاهر، لأن المختلط به اللعاب، وقد تولد من لحم طاهر، فيكون طاهراً، فمتى تنجست أوانيهم فإنه يجري عليها ما يجري على ما تنجس من أواني المسلمين من غسل وغيره، إذ لهم ما لنا وعليهم ما علينا وثيابهم طاهرة، ولا يكره منها إلا السراويل المتصلة بأبدانهم لاستحلالهم الخمر، ولا يتقونها كما لا يتوقون النجاسة والتنزه عنها، فلو أمن ذلك بالنسبة لها وكان التأكد من طهارتها قائماً، فإنه يباح لبسها، وإذا تنجست جرى عليها ما يجري على تطهير ملابس المسلمين عندما تصيبها نجاسة، سواء بالغسل أو غيره.

وذهب الشافعية إلى كراهية استعمال أوانيهم وثيابهم.

فإن توضأ من أوانيهم نظرت: فإن كانوا ممن لا يتدينون باستعمال النجاسة صح الوضوء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم "توضأ من مزادة مشركة" وتوضأ عمر رضي الله عنه من جرة نصراني، ولأن الأصل في أوانيهم الطهارة.

وإن كانوا ممن يتدينون باستعمال النجاسة ففيه وجهان: أحدهما: أنه يصح الوضوء لأن الأصل في أوانيهم الطهارة، والثاني: لا يصح لأنهم يتدينون باستعمال النجاسة كما يتدين المسلمون بالماء الطاهر فالظاهر من أوانيهم وثيابهم النجاسة.

وأجاز المالكية استعمال أوانيهم إلا إذا تيقن عدم طهارتها، وصرح القرافي في "الفروق" بأن جميع ما يصنعه أهل الكتاب والمسلمون الذين لا يصلون ولا يستنجون ولا يتحرزون من النجاسات من الأطعمة وغيرها محمول على الطهارة، وإن كان الغالب عليه النجاسة،فإذا تنجست أوانيهم فإنها تطهر بزوال تلك النجاسة بالغسل بالماء أو بغيره مما له صفة الطهورية.

وكذلك الحال بالنسبة لملابسهم، فإن الأصل فيها الطهارة ما لم يصبها النجس، ولذا لا يصلى في ملابسهم أي ما يلبسونه، لأن الغالب نجاستها، فحمل عليها عند الشك: أما إن علمت أو ظنت طهارتها فإنه يجوز أن يصلى فيها.

ويقول الحنابلة في ثيابهم وأوانيهم: إنها طاهرة مباحة الاستعمال ما لم تعلم نجاستها، وأضافوا: إن الكفار على ضربين -أهل الكتاب وغيرهم- فأما أهل الكتاب فيباح أكل طعامهم وشرابهم واستعمال آنيتهم ما لم تعلم نجاستها.

وأما غير أهل الكتاب -وهم المجوس وعبدة الأوثان ونحوهم -ومن يأكل لحم الخنزير من أهل الكتاب في موضع يمكنهم أكله، أو يأكل الميتة، أو يذبح بالسن والظفر فحكم ثيابهم حكم ثياب أهل الذمة عملاً بالأصل، وأما أوانيهم حكمها حكم أواني أهل الكتاب، يباح استعمالها ما لم يتحقق نجاستها، ولأن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك.

وفي قول: هي نجسة، لا يستعمل ما استعملوه منها إلا بعد غسله، ولأن أوانيهم لا تخلو من أطعمتهم، وذبائحهم ميتة، فتتنجس بها وهذا ظاهر كلام أحمد، فإنه قال في المجوس: لا يؤكل من طعامهم إلا الفاكهة، لأن الظاهر نجاسة آنيتهم المستعملة في أطعمتم، ومتى شك في الإناء هل استعملوه أم لا؟ فهو طاهر، لأن الأصل طهارته.

تطهير المصبوغ بنجس:

لا خلاف بين الفقهاء في أن المصبوغ بنجس يطهر بغسله.

قال الحنفية: يغسل حتى يصير الماء صافياً، وقيل: يغسل بعد ذلك ثلاث مرات.

وقال المالكية: يطهر بغسله حتى يزول طعمه فقد طهر ولو بقي شيء من لونه وريحه.

وقال الشافعية: يغسل حتى ينفصل النجس منه ولم يزد المصبوغ وزنا بعد الغسل على وزنه قبل الصبغ، وإن بقي اللون لعسر زواله، فإن زاد وزنه ضر، فإن لم ينفصل عنه لتعقده به لم يطهر، لبقاء النجاسة فيه.

وقال الحنابلة: يطهر بغسله وإن بقي اللون لقوله عليه الصلاة والسلام في الدم: "ولا يضرك أثره".

رماد النجس المحترق بالنار:

المعتمد عند المالكية والمختار للفتوى، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية وبه يفتى، والحنابلة في غير الظاهر: أن رماد النجس المحترق بالنار طاهر، فيطهر بالنار الوقود المتنجس والسرقين والعذرة تحترق فتصير رماداً تطهر، ويطهر ما تخلف عنها.

تطهير ما يتشرب النجاسة:

اختلف الفقهاء في اللحم الذي طبخ بنجس، هل يطهر أم لا؟

فذهب الحنفية -عدا أبي يوسف- والحنابلة إلى أن اللحم الذي طبخ بنجس لا يمكن تطهيره.

ذهب المالكية إلى أن اللحم الذي طبخ بنجس من ماء، أو وقعت فيه نجاسة حال طبخه قبل نضجه، فإنه لا يقبل التطهير، أما إن وقعت فيه نجاسة بعد نضجه فإنه يقبل التطهير، وذلك بأن يغسل ما تعلق به من المرق.

وذهب الشافعية إلى أن اللحم الذي طبخ بنجس يمكن تطهيره، وفي كيفية طهارته وجهان: أحدهما: يغسل ثم يعصر كالبساط، والثاني: يشترط أن يغلى بماء طهور.

تطهير الفخار:

فذهب المالكية والحنابلة ومحمد من الحنفية إلى أن الفخار الذي يتشرب النجاسة لا يطهر.

وذهب أبو يوسف من الحنفية إلى أنه يمكن تطهير الخزف الذي يتشرب النجاسة، وذلك بأن ينقع في الماء ثلاثاً، ويجفف كل مرة.

وذهب الحنابلة إلى أنه لا يطهر باطن جِبٍ تشرب النجاسة.


عدل سابقا من قبل غــــريــــب في الإثنين نوفمبر 01, 2010 9:53 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://pontera.yoo7.com
غــــريــــب
الــمــديــر الــعــام


عدد المساهمات: 2566
نقاط: 7147
تاريخ التسجيل: 01/10/2010
الموقع: الــمــغــرب

مُساهمةموضوع: رد: الفقه الإسلامي   الثلاثاء أكتوبر 12, 2010 5:15 am

االإســتــنــجــاء


التعريف اللغوي:

من معاني الاستنجاء: الخلاص من الشيء، يقال: استنجى حاجته منه، أي خلصها.

التعريف الشرعي:

وقد اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف الاستنجاء اصطلاحا، وكلها تلتقي على أن الاستنجاء إزالة ما يخرج من السبيلين، سواء بالغسل أو المسح بالحجارة ونحوها عن موضع الخروج وما قرب منه.

وليس غسل النجاسة عن البدن أو عن الثوب استنجاء.



حكم الاستنجاء:

للفقهاء رأيان:

الرأي الأول: أنه واجب إذا وجد سببه، وهو الخارج، وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة. واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاث أحجار، يستطيب بهن، فإنها تجزي عنه" [أخرجه أبو داود] وقوله: "لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار" [رواه مسلم].

الرأي الثاني: أنه مسنون وليس بواجب. وهو قول الحنفية، ورواية عن مالك.

واحتج الحنفية بما في سنن أبي داود من قول النبي صلى الله عليه وسلم "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" واحتجوا أيضاً بأنه نجاسة قليلة، والنجاسة القليلة عفو.

ثم هو عند الحنفية سنة مؤكدة لمواظبته صلى الله عليه وسلم.

وقت وجوب الاستنجاء عند القائلين بوجوبه:

إن جوب الاستنجاء إنما هو لصحة الصلاة.

علاقة الاستنجاء بالوضوء، والترتيب بينهما: ذهب الحنفية والشافعية والمعتمد عند الحنابلة إلى أن الاستنجاء من سنن الوضوء قبله، ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه لو أخره عنه جاز وفاتته السنية، لأنه إزالة نجاسة، فلم تشترط لصحة الطهارة، ما لو كانت على غير الفرج.

وصرح المالكية بأنه لا يعد من سنن الوضوء، وإن استحبوا تقديمه عليه.

أما الرواية الأخرى عند الحنابلة: فالاستنجاء قبل الوضوء -إذا وجد سببه- شرط في صحة الصلاة. فلو توضأ قبل الاستنجاء لم يصح.

حكم استنجاء من به حدث دائم وهو المعذور:

من كان به حدث دائم، كمن به سلس البول ونحوه، يخفف في شأنه حكم الاستنجاء، كما يخفف حكم الوضوء.

ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يستنجي ويتحفظ، ثم يتوضأ لكل صلاة بعد دخول الوقت. فإذا فعل ذلك وخرج منه شيء لم يلزمه إعادة الاستنجاء والوضوء بسبب السلس ونحوه، ما لم يخرج الوقت على مذهب الحنفية والشافعية، وهو أحد قولي الحنابلة. أو إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى على المعتمد من قولي الحنابلة.

وذهب المالكية إلى أنه لا يلزم من به السلس التوضؤ منه لكل صلاة، بل يستحب ذلك ما لم يشق، فعندهم أن ما يخرج من الحدث إذا كان مستنكحاً -أي كثيراً يلازم الزمن أوجله، بأن يأتي كل يوم مرة فأكثر- فإنه يعفى عنه، ولا يلزمه غسل ما أصاب منه ولا يسن، وإن نقض الوضوء وأبطل الصلاة في بعض الأحوال، سواء أكان غائطاً، أم بولاً، أم مذياً، أم غير ذلك.

ما يستنجى منه:

أجمع الفقهاء على أن الخارج من السبيلين المعتاد النجس الملوث يستنجى منه حسبما تقدم. أما ما عداه ففيه خلاف، وتفصيل بيانه فيما يلي:

الاستنجاء من الخارج غير المعتاد:

الخارج غير المعتاد كالحصى والدود والشعر، لا يستنجى منه إذا خرج جافاً، طاهراً كان أو نجساً. ذهب الحنفية والمالكية وقول عند الشافعية وقول عند الحنابلة إلى أنه:

إذا كان به بلة ولوّث المحل فيستنجى منها، فإن لم يلوث المحل فلا يستنجى منه.

وفي قول آخر عند كل من الشافعية والحنابلة يستنجى من كل ما خرج من السبيلين غير الريح.

الاستنجاء من الدم والقيح وشبههما من غير المعتاد:

إن خرج الدم أو القيح من أحد السبيلين ففيه قولان للفقهاء:

القول الأول: أنه لا بد من غسله كسائر النجاسات، ولا يكفي فيه الاستجمار. وهذا قول عند كل من المالكية والشافعية، لأن الأصل في النجاسة الغسل، وترك ذلك في البول والغائط للضرورة، ولا ضرورة هنا، لندرة هذا النوع من الخارج.

والقول الثاني: أنه يجزىء فيه الاستجمار، وهو رأي الحنفية والحنابلة، وقول لكل من المالكية والشافعية، وهذا إن لم يختلط ببول أو غائط.

الاستنجاء مما خرج من مخرج بديل عن السبيلين:

ذهب المالكية إلى أنه إذا انفتح مخرج للحدث، وصار معتاداً، استجمر منه عند المالكية، ولا يلحق بالجسد، لأنه أصبح معتادا بالنسبة إلى ذلك الشخص المعين.

وذهب الحنابلة إلى أنه: إذا انسد المخرج المعتاد وانفتح آخر، لم يجزئه الاستجمار فيه، ولا بد من غسله، لأنه غير السبيل المعتاد. وفي قول لهم: يجزىء.

ولم يعثر على قول الحنفية والشافعية في هذه المسألة.

الاستنجاء من المذي:

المذي نجس عند الحنفية، فهو مما يستنجى منه كغيره، بالماء أو بالأحجار. ويجزىء الاستجمار أو الاستنجاء بالماء منه. وكذلك عند المالكية في قول هو خلاف المشهور عندهم، وهو الأظهر عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة.

أما في المشهور عند المالكية، وهي الرواية الأخرى عند الحنابلة، فيتعين فيه الماء ولا يجزىء الحجر، لقول عليٍّ رضي الله عنه: " كنت رجلاً مذّاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ. وفي لفظ "يغسل ذكره ويتوضأ" [متفق عليه].

وإنما يتعين فيه الغسل عند المالكية إذا خرج بلذة معتادة، أما إن خرج بلا لذة أصلا فإنه يكفي فيه الحجر، ما لم يكن يأتي كل يوم على وجه السلس، فلا يطلب في إزالته ماء ولا حجر، بل يعفى عنه.

الاستنجاء من الودي:

الودي خارج نجس، ويجزىء فيه الاستنجاء بالماء أو بالأحجار عند فقهاء المذاهب الأربعة.

الاستنجاء من الريح:

لا استنجاء من الريح. صرح بذلك فقهاء المذاهب الأربعة.

الاستنجاء بالماء:

يستحب باتفاق المذاهب الأربعة الاستنجاء بالماء.

الاستنجاء بغير الماء من المائعات: ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجزىء الاستنجاء بغير الماء من المائعات.

وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يمكن أن يتم الاستنجاء -كما في إزالة النجاسة- بكل مائع طاهر مزيل، كالخل وماء الورد، دون ما لا يزيل كالزيت، لأن المقصود قد تحقق، وهو إزالة النجاسة.

أفضلية الغسل بالماء على الاستجمار:

إن غسل المحل بالماء أفضل من الاستجمار، لأنه أبلغ في الإنقاء، ولإزالته عين النجاسة وأثرها. وفي رواية عن أحمد: الأحجار أفضل. وإذا جمع بينها بأن استجمر ثم غسل كان أفضل من الكل بالاتفاق.

ما يستجمر به:

الاستجمار يكون بكل جامد إلا ما منع منه، وهذا قول جمهور العلماء، ومنهم الإمام أحمد في الرواية المعتمدة عنه، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة.

وفي رواية عن أحمد: لا يجزىء في الاستجمار شيء من الجوامد من خشب وخرق إلا الأحجار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأحجار، وأمره يقتضي الوجوب، ولأنه موضع رخصة ورد فيها الشرع بآلة مخصوصة، فوجب الاقتصار عليها، كالتراب في التيمم.

الاستجمار هل هو مطهر للمحل؟

اختلف الفقهاء في هذا على قولين:

القول الأول: أن المحل يصير طاهراً بالاستجمار، وهو قول عند كل من الحنفية والمالكية والحنابلة.

والقول الثاني: هو القول الآخر لكل من الحنفية والمالكية، وقول المتأخرين من الحنابلة: أن المحل يكون نجساً معفوا عنه للمشقة.

وجمهور الفقهاء على أن الرطوبة إذا أصابت المحل بعد الاستجمار يعفى عنها.

المواضع التي لا يجزىء فيها الاستجمار:

أ-النجاسة الواردة على المخرج من خارجه:

ذهب الحنفية في المشهور إلى أنه إن كان النجس طارئاً على المحل من خارج أجزأ فيه الاستجمار. وقال الشافعية والحنابلة بأن الحجر لا يجزىء فيه، بل لا بد من غسله بالماء. وهو قول آخر للحنفية. ومثله عند الشافعية، ما لو طرأ على المحل المتنجس بالخارج طاهر رطب، أو يختلط بالخارج كالتراب. ومثله ما لو استجمر بحجر مبتل، لأن بلل الحجر يتنجس بنجاسة المحل ثم ينجسه.

وكذا لو انتقلت النجاسة عن المحل الذي أصابته عند الخروج، فلا بد عندهم من غسل المحل في كل تلك الصور.

ب- ما انتشر من النجاسة وجاوز المخرج:

اتفقت المذاهب الأربعة على أن الخارج إن جاوز المخرج وانتشر كثيراً لا يجزىء فيه الاستجمار، بل لا بد من غسله. ووجه ذلك أن الاستجمار رخصة لعموم البلوى، فتختص بما تعم به البلوى، ويبقى الزائد على الأصل في إزالة النجاسة بالغسل.

لكنهم اختلفوا في تحديد الكثير، فذهب المالكية والحنابلة والشافعية إلى أن الكثير من الغائط هو ما جاوز المخرج، وانتهى إلى الألية، والكثير من البول ما عم الحشفة.

وانفرد المالكية في حال الكثرة بأنه يجب غسل الكل لا الزائد وحده.

وذهب الحنفية إلى أن الكثير هو ما زاد عن قدر الدرهم، ومع اقتصار الوجوب على الزائد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافاً لمحمد، حيث وافق المالكية في وجوب غسل الكل.

جـ-استجمار المرأة:

يجزىء المرأة الاستجمار من الغائط بالاتفاق، وهذا واضح.

أما من البول فعند المالكية لا يجزىء الاستجمار في بول المرأة، بكراً كانت أو ثيبا. قالوا: لأنه يجاوز المخرج غالباً.

وعند الشافعية: يكفي في بول المرأة -إن كانت بكراً- ما يزيل عين النجاسة خرقاً أو غيرها، أما الثيب فإن تحققت نزول البول إلى ظاهر المهبل، كما هو الغالب، لم يكف الاستجمار، وإلا كفى. ويستحب الغسل حينئذ.

أما عند الحنابلة ففي الثيب قولان الأول: أنه يكفيها الاستجمار. والثاني: أنه يجب غسله. وعلى كلا القولين لا يجب على المرأة غسل الداخل من نجاسة وجنابة وحيض، بل تغسل ما ظهر، ويستحب لغير الصائمة غسله.

ومقتضى قواعد مذهب الحنفية أنه إذا لم يجاوز الخارج المخرج كان الاستنجاء سنة. وإن جاوز المخرج لا يجوز الاستجمار، بل لا بد من المائع أو الماء لإزالة النجاسة.

ولم يتعرضوا لكيفية استجمار المرأة.

ما لا يستجمر به:

اشترط الحنفية والمالكية فيما يستجمر به خمسة شروط:

(1) أن يكون يابساً، وعبر غيرهم بدل اليابس بالجامد.

(2) طاهراً

(3) منقيا.

(4) غير مؤذ.

(5) ولا محترم.

وعلى هذا فما لا يستنجى به عندهم خمسة أنواع:

(1) ما ليس يابسا.

(2) الأنجاس.

(3) غير المنقى، كالأملس من القصب ونحوه.

(4) المؤذي، ومنه المحدد كالسكين ونحوه.

(5) المحترم وهو عندهم ثلاثة أصناف:

أ- المحترم لكونه مطعوما.

ب- المحترم لحق الغير.

جـ-المحترم لشرفه.

وهذه الأمور تذكر في كتب المالكية أيضاً، إلا أنهم لا يذكرون في الشروط عدم الإيذاء، وإن كان يفهم المنع منه بمقتضى القواعد العامة للشريعة.

هل يجزىء الاستنجاء بما حرم الاستنجاء به:

إذا ارتكب النهي واستنجى بالمحرم وأنقى، فعند الحنفية والمالكية، كما في الفروع: يصح الاستنجاء مع التحريم.

أما عند الشافعية فلا يجزىء الاستنجاء بما حرم لكرامته من طعام أو كتب علم، وكذلك النجس.

أما عند الحنابلة فلا يجزىء الاستجمار بم حرم مطلقاً، لأن الاستجمار رخصة فلا تباح بمحرم.

وفرقوا بينه وبين الاستجمار باليمين -فإنه يجزىء الاستجمار بها مع ورود النهي- بأن النهي في العظم ونحوه لمعنى في شرط الفعل، فمنع صحته كالوضوء بالماء النجس. أما باليمين فالنهي لمعنى في آلة الشرط، فلم يمنع، كالوضوء من إناء محرم. وسووا في ذلك بين ما ورد النهي عن الاستجمار به كالعظم، وبين ما كان استعماله بصفة عامة محرما كالمغصوب.

قالوا: ولو استجمر بعد المحرم بمباح لم يجزئه ووجب الماء، وكذا لو استنجى بمائع غير الماء. وإن استجمر بغير منق كالقصب أجزأ الاستجمار بعده بمنق. وفي المغني: يحتمل أن يجزئه الاستجمار بالطاهر بعد الاستجمار بالنجس، لأن هذه النجاسة تابعة لنجاسة المحل فزالت بزوالها.

كيفية الاستنجاء وآدابه:

أولاً: الاستنجاء بالشمال:

ورد في الحديث عن أصحاب الكتب الستة عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه".

فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء باليمين، وحمل الفقهاء هذا النهي على الكراهة، وهي كراهة تحريم عند الحنفية.

وكل هذا في غير حالة الضرورة أو الحاجة، للقاعدة المعروفة: الضرورات تبيح المحظورات.

فلو أنّ يسراه مقطوعة أو شلاء، أو بها جراحة جاز الاستنجاء باليمين من غير كراهة، إلا أنه يجوز الاستعانة باليمين في صب الماء، وليس هذا استنجاء باليمين، بل المقصود منه مجرد إعانة اليسار، وهي المقصودة بالاستعمال.

ثانياً: الاستتار عند الاستنجاء:

الاستنجاء يقتضي كشف العورة، وكشفها أمام الناس محرم في الاستنجاء وغيره، فلا يرتكب لإقامة سنة الاستنجاء، ويحتال لإزالة النجاسة من غير كشف للعورة عند من يراه.

فإن لم يكن بحضرة الناس، فعند الحنفية: من الآداب أن يستر عورته حين يفرغ من الاستنجاء والتجفيف، لأن الكشف كان لضرورة وقد زالت.

وعند الحنابلة في التكشف لغير حاجة روايتان: الكراهة، والحرمة.

وعليه فينبغي أن يكون ستر العورة بعد الفراغ من الاستنجاء مستحبا على الأقل.

ثالثا: الانتقال عن موضع التخلي:

إذا قضى حاجته فلا يستنجي حيث قضى حاجته. كذا عند الشافعيه والحنابلة -قال الشافعية: إذا كان استنجاؤه بالماء- بل ينتقل عنه، لئلا يعود الرشاش إليه فينجسه. واستثنوا الأخلية المعدة لذلك، فلا ينتقل فيها. وإذا كان استنجاؤه بالحجر فقط فلا ينتقل من مكانه، لئلا ينتقل الغائط من مكانه فيمتنع عليه الاستجمار.

أما عند الحنابلة، فينبغي أن يتحول من مكانه الذي قضى فيه حاجته للاستجمار بالحجارة أيضاً، كما يتحول للاستنجاء بالماء، وهذا إن خشي التلوث.

رابعاً: عدم استقبال القبلة حال الاستنجاء:

من آداب الاستنجاء عند الحنفية: أن يجلس له إلى يمين القبلة، أو يسارها كيلا يستقبل القبلة أو يستدبرها حال كشف العورة. فاستقبال القبلة أو استدبارها حالة الاستنجاء ترك أدب، وهو مكروه كراهة تنزيه، كما في مد الرجل إليها.

وعند الشافعية: يجوز الاستنجاء مع الاستنجاء مع الاتجاه إلى القبلة من غير كراهة، لأن النهي ورد في استقبالها واستدبارها ببول أو غائط، وهذا لم يفعله.

خامساً: الانتضاح وقطع الوسوسة:

ذكر الحنفية والشافعية والحنابلة: أنه إذا فرغ من الاستنجاء بالماء استحب له أن ينضح فرجه أو سراويله بشيء من الماء، قطعاً للوسواس، حتى إذا شك حمل البلل على ذلك النضح، ما لم يتيقن خلافه.

وهذا ذكره الحنفية أنه يفعل ذلك إن كان الشيطان يريبه كثيراً.

ومن ظن خروج شيء بعد الاستنجاء فقد قال أحمد بن حنبل: لا تلتفت حتى تتيقن، وَالْهُ عنه فإنه من الشيطان، فإنه يذهب إن شاء الله.





الاستنزاه

التعريف:

1- الاستنزاه: استفعال من التنزه وأصلة التباعد. والاسم النزهة، ففلان يتنزه من الأقذار وينزه نفسه عنها: أي يباعد نفسه عنها.

وفي حديث المعذب في قبره "كان لا يستنزه من البول" أي لا يستبرىء ولا يتطهر، ولا يبتعد منه.

والفقهاء يعبرون بالاستنزاه والتنزه عند الكلام عن الاحتراز عن البول أو الغائط.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://pontera.yoo7.com
غــــريــــب
الــمــديــر الــعــام


عدد المساهمات: 2566
نقاط: 7147
تاريخ التسجيل: 01/10/2010
الموقع: الــمــغــرب

مُساهمةموضوع: رد: الفقه الإسلامي   الثلاثاء أكتوبر 12, 2010 5:17 am

الــوضــوء


تعريف:

تعريف:الوضوء في اللغة بضم الواو: هو اسم للفعل أي استعمال الماء في أعضاء مخصوصة، وهو المراد هنا، مأخوذ من الوضاءة والحسن والنظافة، يقال: وضوء وأما بفتح الواو فيطلق على الماء الذي يتوضأ به.

تعريف الوضوء شرعاً: نظافة مخصوصة، أو هو أفعال مخصوصة مفتتحة بالنية. وهو غسل الوجه واليدين والرجلين، ومسح الرأس. وأوضح تعريف له هو: أنه استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة (أي السابقة) على صفة مخصوصة في الشرع. وحكمه الأصلي أي المقصود أصالة للصلاة: هو الفرضية، لأنه شرط لصحة الصلاة، بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] وبقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" متفق عليه وبإجماع الأمة على وجوبه.

وفرض الوضوء بالمدينة كما أوضح المحققون. والحكمة من غسل هذه الأعضاء هو كثرة تعرضها للأقذار والغبار.

وقد يعرض للوضوء أوصاف أخرى فتجعله مندوباً، أو واجباً بتعبير الحنفية، أو ممنوعاً، لهذا قسمه الفقهاء أنواعاً، وذكروا له أوصافاً.

فقال الحنفية: الوضوء خمسة أنواع:

الأول- فرض:

أ- على المحدث إذا أراد القيام للصلاة فرضاً كانت أو نفلاً، كاملة، أو غير كاملة كصلاة الجنازة وسجدة التلاوة، للآية السابقة: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ...} [المائدة: 6] ولقوله عليه الصلاة والسلام : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" متفق عليه، ولقوله أيضاً: "لا يقبل الله صلاة بغير طُهور، ولا صدقة من غُلُول". رواه مسلم

ب- ولأجل لمس القرآن، ولو آية مكتوبة على ورق أو حائط، أو نقود، لقوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يمس القرآن إلا طاهر". رواه الحاكم والبيهقي ومالك.

الثاني- واجب:

للطواف حول الكعبة، وقال الجمهور غير الحنفية. إنه فرض، لقوله صلى الله عليه وسلم: " الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله قد أحل فيه النطق، فمن نطق فيه، فلا ينطق إلا بخير". رواه الترمذي وابن حبان والحاكم.

قال الحنفية: ولما لم يكن الطواف صلاة حقيقية، لم تتوقف صحته على الطهارة، فيجب، بتركه دم في الواجب، وبَدَنة في الفرض للجنابة، وصدقة في النفل بترك الوضوء.

الثالث- مندوب: في أحوال كثيرة منها ما يأتي:

أ- التوضؤ لكل صلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك" رواه أحمد، ويندب تجديد الوضوء إذا كان قد أدى بالسابق صلاة : فرضاً أو نفلاً، لأنه نور على نور، وإن لم يؤد به عملاً مقصوداً شرعاً كان إسرافاً، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، كما يندب المداومة على الوضوء لما روى ابن ماجه والحاكم وأحمد والبيهقي عن ثوبان: "استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن". رواه البخاري

ب- مس الكتب الشرعية من تفسير وحديث وعقيدة وفقه ونحوها، لكن إذا كان القرآن أكثر من التفسير، حرم المس.

جـ- للنوم على طهارة وعقب الاستيقاظ من النوم مبادرة للطهارة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت". رواه البخاري.

د- قبل غسل الجنابة، وللجنب عند الأكل والشرب والنوم ومعاودة الوطء، لورود السنة به، قالت عائشة: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنباً، فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ" رواه مسلم وقالت أيضاً: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا أراد أن ينام وهو جنب، غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة" رواه أبو داود والترمذي وقال أبو سعيد الخدري: "إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ".

هـ- بعد ثورة الغضب، لأن الوضوء يطفئه، روى أحمد في مسنده: "فإذا غضب أحدكم فليتوضأ".

و- لقراءة القرآن، ودراسة الحديث وروايته، ومطالعة كتب العلم الشرعي، اهتماماً بشأنها، وكان مالك يتوضأ ويتطهر عند إملاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعظيماً له.

ز- للأذان والإقامة وإلقاء خطبة ولو خطبة زواج، وزيارة النبي صلى الله عليه وسلم، وللوقوف بعرفة، وللسعي بين الصفا والمروة، لأنها في أماكن عبادة.

حـ- بعد ارتكاب خطيئة، من غيبة وكذب ونميمة ونحوها، لأن الحسنات تمحو السيئات، قال صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار صلاة بعد صلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط". رواه مسلم.

ط- بعد قهقهة خارج الصلاة، لأنها حدث صورة.

ي- بعد غسل ميت وحمله، لقوله صلى الله عليه وسلم : "من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ". رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان

ك- للخروج من خلاف العلماء، كما إذا لمس امرأة، أو لمس فرجه ببطن كفه، أو بعد أكل لحم الجزور، لقول بعضهم بالوضوء منه، ولتكون عبادته صحيحة بالاتفاق عليها، استبراء لدينه.

الرابع- مكروه:

كإعادة الوضوء قبل أداء صلاة بالوضوء الأول، أي أن الوضوء على الوضوء مكروه، وإن تبدل المجلس ما لم يؤد به صلاة أو نحوها.

الخامس- حرام:

كالوضوء بماء مغصوب، أو بماء يتيم. وقال الحنابلة: لا يصح الوضوء بمغصوب ونحوه لحديث : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد". رواه مسلم.

وقال المالكية أيضاً: الوضوء خمسة أنواع:

واجب، ومستحب، وسنة، ومباح، وممنوع.

فالواجب: هو الوضوء لصلاة الفرض، والتطوع، وسجود القرآن، ولصلاة الجنازة، ولمس المصحف، وللطواف. ولا يصلى عندهم إلا بالواجب، ومن توضأ لشيء من هذه الاشياء، جاز له فعل جميعها.

والسنة: وضوء الجنب للنوم.

والمستحب: الوضوء لكل صلاة، ووضوء المستحاضة وصاحب السلس لكل صلاة، وأوجبه غير المالكية لهما، والوضوء للقربات كالتلاوة والذكر والدعاء والعلم، وللمخاوف كركوب البحر، والدخول على السلطان والقوم.

والمباح: للتنظيف والتبرد.

والممنوع: التجديد قبل أن تقع به عبادة.

واتفق الشافعية والحنابلة مع الحنفية والمالكية على الحالات السابقة ونحوها التي يندب لها الوضوء، من قراءة قرآن أو حديث، ودراسة العلم، ودخول مسجد وجلوس أو مرور فيه، وذكر وأذان ونوم ورفع شك في حدث أصغر، وغضب، وكلام محرم كغيبة ونحوها، وفعل مناسك الحج كوقوف ورمي جمار، وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأكل، ولكل صلاة، لحديث أبي هريرة يرفعه: "لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالوضوء عند كل صلاة". رواه أحمد.

كما يستحب الوضوء عند الشافعية من بعد الفصد والحجامة والرعاف والنعاس والنوم قاعداً ممكناً مقعدته من الأرض، والقهقهة في الصلاة، وأكل ما مسته النار، ولحم الجزور، والشك في الحدث، وزيارة القبور، ومن حمل الميت ومسه.

فرائض الوضوء:

نص القرآن الكريم على أركان أو فرائض أربعة للوضوء: وهي غسل الوجه، واليدين، والرجلين، ومسح الرأس، في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6].

وأضاف جمهور الفقهاء غير الحنفية بأدلة من السنة فرائض أخرى، اتفقوا فيها على النية، وأوجب المالكية والحنابلة الموالاة، كما أوجب الشافعية والحنابلة الترتيب، وأوجب المالكية أيضاً الدلك.

فتكون أركان الوضوء أربعة عند الحنفية هي المنصوص عليها، وسبعة عند المالكية بإضافة النية والدلك والموالاة، وستة عند الشافعية بإضافة النية والترتيب.

وسبعة عند الحنابلة والشيعة الإمامية بإضافة النية والترتيب والموالاة.

وبه يتبين أن الأركان أو الفرائض نوعان : متفق عليها، ومختلف فيها.



فرائض الوضوء المتفق عليها:

هي أربعة منصوص عليها في القرآن العظيم وهي:

أولاً- غسل الوجه:

لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] أي غسل ظاهر جميع الوجه مرة.

والغسل: إسالة الماء على العضو بحيث يتقاطر، وأقله قطرتان ولا تكفي الإسالة بدون التقاطر. والمراد بالغسل، الانغسال، سواء أكان بفعل المتوضئ أم بغيره. والفرض هو الغسل مرة، أما تكرار الغسل ثلاث مرات فهو سنة وليس فرضاً.

والوجه: ما يواجه به الإنسان. وحدُّه طولاً: ما بين منابت شعر الرأس المعتاد، إلى منتهى الذقن، أو من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن. والذقن: منبت اللحية فوق الفك السفلي أو اللَّحْيين: أي العظمين اللذين تنبت عليهما الأسنان السفلى. ومن الوجه: موضع الغمم: وهو ما ينبت عليه الشعر من الجبهة، وليس منه النزعتان: وهما بياضان يكتنفان الناصية: وهي مقدم الرأس من أعلى الجبين، وإنما النزعتان من الرأس، لأنهما في حد تدوير الرأس.

وحد الوجه عرضاً: ما بين شحمتي الأذنين. ويدخل في الوجه عند الحنفية والشافعية البياض الذي بين العذار والأذن. وقال المالكية والحنابلة: إنه من الرأس.

والصدغان من الرأس: وهما فوق الأذنين، متصلان بالعذارين، لدخولهما في تدوير الرأس، وقال الحنابلة: يستحب تعاهد موضع المفصل (وهو ما بين اللحية والأذن) بالغسل، لأنه مما يغفل الناس عنه. وقال الشافعية: ويسن غسل موضع الصلع والتحذيف والنزعتين والصدغين مع الوجه، خروجاً من الخلاف في وجوب غسلها. ويجب غسل جزء من الرأس ومن الحلق ومن تحت الحنك ومن الأذنين، كما يجب أدنى زيادة في غسل اليدين والرجلين، على الواجب فيهما، لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب.

ومن الوجه: ظاهر الشفتين ومارن الأنف وموضع الجدع من الأنف ونحوه، ولا يغسل المنضم من باطن الشفتين، ولا باطن العينين.

ويجب غسل الحاجب والهُدْب (الشعر النابت على أجفان العين) والعذار (الشعر النابت على العظم الناتئ المحاذي للأذن بين الصدغ والعارض) والشارب وشعر الخد، والعنفقة (الشعر النابت على الشفة السفلى) واللِّحية (الشعر النابت على الذقن خاصة، وهي مجمع اللَّحْيين) الخفيفة، ظاهراً وباطناً، خفيفاً كان الشعر أو كثيفاً لما روى مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم لرجل ترك موضع ظفر على قدمه: "ارجع فأحسن وضوءك".

فإن كانت اللحية كثيفة لا ترى بشرتها، فيجب فقط غسل ظاهرها، ويسن تخليل باطنها، ولا يجب إيصال الماء إلى بشرة الجلد، لعسر إيصال الماء إليه، ولما روى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه، وكانت لحيته الكريمة كثيفة، وبالغرفة الواحدة لا يصل الماء إلى ذلك غالباً.

وأما المسترسل من اللحية الخارج عن دائرة الوجه فيجب غسله عند الشافعية، وعند الحنابلة، لأنه نابت في محل الفرض، ويدخل في اسمه ظاهراً، ويفارق ذلك شعر الرأس، فإن النازل عنه لا يدخل في اسمه، ولما رواه مسلم عن عمرو بن عَبْسة: "... ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خَرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء".

ولم يوجب الحنفية والمالكية غسل المسترسل، لأنه شعر خارج عن محل الفرض، وليس من مسمى الوجه.

وأضاف الحنابلة: أن الفم والأنف من الوجه يعني أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء، لما روى أبو داود وغيره: "إذا توضأت فمضمض" ولما روى الترمذي من حديث سلمة بن قيس: "إذا توضأت فانتثر" ولحديث أبي هريرة المتفق عليه: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر" كما أوجب الحنابلة التسمية في الوضوء لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه". رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد.

ثانياً- غسل اليدين إلى المرفقين مرة واحدة :

لقوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة : 6] وللإجماع.

والمرفق: ملتقى عظم العضد والذراع.

ويجب عند جمهور العلماء منهم أئمة المذاهب الأربعة إدخال المرفقين في الغسل، لأن حرف "إلى" لانتهاء الغاية، وهي هنا بمعنى "مع" كما في قوله تعالى : {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: 52] {{وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2]، وقد أوضحت السنة النبوية المطلوب وبينت المجمل، روى مسلم عن أبي هريرة في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه توضأ فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم اليسرى حتى أشرع في العضد .." وروى الدارقطني عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: "هلمَّ أتوضأ لكم وُضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغسل وجهه ويديه حتى مسَّ أطراف العضدين .." وروى الدارقطني أيضاً عن جابر، قال : "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أمَرَّ الماء على مرفقيه".

ويجب غسل تكاميش الأنامل، وغسل ما تحت الأظافر الطويلة التي تستر رؤوس الأنامل، كما يجب عند غير الحنفية إزالة أوساخ الأظافر إن منعت وصول الماء، بأن كانت كثيرة، ويعفى عن القليل منها، ويعفى عند الحنفية عن تلك الأوساخ، سواء أكانت كثيرة أم يسيرة دفعاً للحرج. لكن يجب بالاتفاق إزالة ما يحجب الماء عن الأظافر وغيرها كدهن وطلاء.

ويجب عند المالكية تخليل أصابع اليدين، ويندب تخليل أصابع الرجلين.

ويجب غسل الإصبع الزائدة في محل الفرض مع الأصلية، لأنها نابتة فيه، كما يجب عند الحنابلة والمالكية غسل جلدة متعلقة في غير محل الفرض وتدلت إلى محل الفرض.

وقال الشافعية: إن تدلت جلدة العضد منه، لم يجب غسل شيء منها، لا المحاذي ولا غيره لأن اسم اليد لا يقع عليها، مع خروجها عن محل الفرض.

فإن قطع بعض ما يجب غسله من اليدين، وجب بالاتفاق غسل ما بقي منه، لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".

أما من قطعت يده من المرفق فيجب عليه غسل رأس عظم العضد، لأنه من المرفق.

فإن قطع ما فوق المرفق، ندب غسل باقي العضد، لئلا يخلو العضو عن طهارة.

ويجب عند الجمهور تحريك الخاتم الضيق، ولا يجب عند المالكية تحريك الخاتم المأذون فيه لرجل أو امرأة، ولو ضيقاً لا يدخل الماء تحته، ولا يعد حائلاً.

ثالثاً: مسح الرأس:

لقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} وروى مسلم " أنه صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعلى العمامة".

والمسح: هو إمرار اليد المبتلة على العضو.

والرأس: منبت الشعر المعتاد من المقدم فوق الجبهة إلى نقرة القفا. ويدخل فيه الصُدْغان مما فوق العظم الناتئ في الوجه.

واختلف الفقهاء في القدر المجزئ منه:

فقال الحنفية: الواجب مسح ربع الرأس مرة، بمقدار الناصية، فوق الأذنين لا على طرف ذؤابة (ضفيرة)، ولو بإصابة مطر أو بلل باق بعد غسل لم يؤخذ من عضو آخر.

لحديث البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة، والخفين" ولحديث داود عن أنس قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمِامة قِطْرية (من صنع قَطَر)، فأدخل يده تحت العمامة، فمسح مقدَّم رأسه، ولم ينقض العمامة".

وقال المالكية، والحنابلة: يجب مسح جميع الرأس، وليس على الماسح نقض ضفائر شعره، ولا مسح ما نزل عن الرأس من الشعر، ولا يجزئ مسحه عن الرأس، ويجزئ المسح على الشعر الذي لم ينزل عن محل الفرض. فإن فقد شعره مسح بشرته، لأنها ظاهر رأسه بالنسبة إليه.

وقال الحنابلة: بوجوب الاستيعاب للرجل، أما المرأة فيجزئها مسح مقدم رأسها، لأن عائشة كانت تمسح مقدم رأسها. ويجب أيضاً عند الحنابلة مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما، لأنهما من الرأس، لما رواه ابن ماجه: "الأذنان من الرأس".

ويكفي المسح عندهم مرة واحدة، ولا يستحب تكرار مسح رأس وأذن، قال الترمذي وأبو داود: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، لأن أكثر من وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أنه مسح رأسه واحدة، لأنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، وقالوا فيها: "ومسح برأسه" ولم يذكروا عدداً، كما ذكروا في غيره.

ودليلهم حديث عبد الله بن زيد "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما، وأدبر، بدأ بمقدِّم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قَفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه" رواه مسلم.

وقال الشافعية: الواجب مسح بعض الرأس، ولو شعرة واحدة في حدِّ الرأس، بأن لا يخرج بالمدِّ عنه من جهة نزوله.

وفي مذهب الشافعية: جواز غسله لأنه مسح وزيادة، وجواز وضع اليد على الرأس بلا مَدّ، لحصول المقصود من وصول البلل إليه.

وعند الحنابلة: أنه لا يكفي غسل الرأس من غير إمرار اليد على الرأس، فيجزئه الغسل مع الكراهة إن أمرّ يده.

رابعاً- غسل الرجلين إلى الكعبين:

لقوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة : 6] ولإجماع العلماء، ولحديث عمرو بن عَبْسة عند أحمد: "... ثم يمسح رأسه كما أمر الله، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله ولحديث عثمان عند أبي داود والدارقطني بعد أن غسل رجليه قال: "هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ" ولغيرهما من الأحاديث كحديث عبدالله بن زيد وحديث أبي هريرة.

والكعبان: هما العظمان الناتئان من الجانبين عند مفصل القدم.

والواجب غسل الكعبين أو قدرهما عند فقدهما مع الرجلين مرة واحدة، كغسل المرفقين، لدخول الغاية في المُغَيَّا أي لدخول ما بعد "إلى" فيما قبلها، ولحديث أبي هريرة السابق: "...ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ". رواه مسلم.

ويلزم أيضاً غسل القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحهما لقوله صلى الله عليه وسلم : "ويل للأعقاب من النار" متفق عليه فقد توعد على المسح، ولمداومته صلى الله عليه وسلم على غسل الرجلين، وعدم ثبوت المسح عنه ومن وجه صحيح، ولأمره بالغسل، كما ثبت في حديث جابر عند الدارقطني بلفظ "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأنا للصلاة أن نغسل أرجلنا" ولثبوت ذلك من قوله وفعله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عَبْسة وأبي هريرة وعبد الله بن زيد وعثمان السابقة التي فيها حكاية وضوء رسول الله وفيها: "فغسل قدميه"، ولقوله صلى الله عليه وسلم بعد أن توضأ وضوءاً غسل قدميه: "فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" رواه أبو داود وابن ماجه والنسائي ولا شك أن المسح بالنسبة إلى الغسل نقص، ولقوله عليه السلام للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" رواه أبو داود وأحمد ثم ذكر له صفة الوضوء، وفيها غسل الرجلين، ولإجماع الصحابة على الغسل.

ثم إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتخليل أصابع اليدين والرجلين يدل على وجوب الغسل.

والخلاصة : أن أركان الوضوء المتفق عليها أربعة: غسل الوجه واليدين والرجلين مرة واحدة، والمسح بالرأس مرة واحدة، وأما التثليث فهو سنة.

فرائض الوضوء المختلف فيها:

اختلف الفقهاء في إيجاب النية والترتيب والموالاة والدلك. فقال غير الحنفية بفرضية النية، وقال المالكية والحنابلة بوجوب الموالاة، وقال الشافعية والحنابلة بوجوب الترتيب، وانفرد المالكية بإيجاب الدلك. ونبحث الخلاف في هذه الأمور:

أولاً- النية:

النية لغة: القصد بالقلب، لا علاقة للسان بها، وشرعاً: هي أن ينوي المتطهر أداء الفرض، أو رفع حكم الحدث، أو استباحة ما تجب الطهارة له، كأن يقول المتوضئ: نويت فرائض الوضوء،أو يقول من دام حدثه كمستحاضة وسلس بول أو ريح: نويت استباحة فرض الصلاة، أو الطواف أو مس المصحف. أو يقول المتطهر مطلقاً: نويت رفع الحدث، أي إزالة المانع بين فعل يفتقر إلى الطهارة. وعرف الحنفية النية اصطلاحاً بأنها توجه القلب لإيجاد الفعل جزماً.

وقد اختلف الفقهاء في اشتراط النية للطهارة:

فقال الحنفية: يسن للمتوضئ البداية بالنية لتحصيل الثواب، ووقتها: قبل الاستنجاء ليكون جميع فعله قربة. وكيفيتها: أن ينوي رفع الحدث، أو إقامة الصلاة، أو ينوي الوضوء أو امتثال الأمر. ومحلها القلب، فإن نطق بها ليجمع بين فعل القلب واللسان، فهو مستحب عند المشايخ.

ويترتب على قولهم بعدم فرضية النية: صحة وضوء المتبرد، والمنغمس في الماء للسباحة أو للنظافة أو لإنقاذ غريق، ونحو ذلك.

قال جمهور الفقهاء: النية فرض في الوضوء. لتحقيق العبادة.

ما يتعلق بالنية: يتلخص مما سبق أمور تتعلق بالنية هي ما يأتي:

حقيقتها: لغة: القصد، وشرعاً: قصد الشيء مقترناً بفعله.

ب- حكمها: عند الجمهور: الوجوب، وعند الحنفية: الاستحباب.

جـ- المقصود بها: تمييز العبادة عن العادة، أو تمييز رتبتها أي تمييز بعض العبادات عن بعض، كالصلاة تكون فرضاً تارة، ونفلاً أخرى.

د- شرطها: إسلام الناوي وتمييزه وعلمه بالمنوي.

هـ-محلها: القلب، إذ هي عبارة عن القصد، ومحل القصد: القلب، فمتى اعتقد بقلبه أجزأه، وإن لم يتلفظ بلسانه، أما إن لم تخطر النية بقلبه، فلم يجزه الفعل الحاصل، والأولى عند المالكية ترك التلفظ بالنية، ويسن عند الشافعية والحنابلة: التلفظ بها، إلا أن المذهب عند الحنابلة أنه يستحب التلفظ بها سراً، ويكره الجهر بها وتكرارها.

و- صفتها: أن يقصد بطهارته استباحة شيء لا يستباح إلا بها، كالصلاة والطواف ومس المصحف.

فإن نوى بالطهارة: ما لا تشرع له الطهارة، كالتبرد والأكل والبيع والزواج ونحوه، ولم ينو الطهارة الشرعية، لم يرتفع حدثه، لأنه لم ينو الطهارة ولا ما يتضمن نيتها، فلم يحصل له شيء، كالذي لم يقصد شيئاً.

وإن نوى بالوضوء الصلاة وغيرها كالتبرد أو النظافة أو التعليم أو إزالة النجاسة، صحت النية وأجزأته. لكن لو أطلق النية أي لمجرد الطهارة الشاملة للحدث والخبث مثلاً، لم تصح ولم تجزئ، حتى يتحقق تمييز العبادة عن العادة. ولا يتم التمييز إلا بالنية، والطهارة قد تكون عن حدث وقد تكون عن نجس، فلم تصح بنية مطلقة.

وإن نوى المتوضئ بوضوئه ما تسن له الطهارة، كأن نوى الوضوء لقراءة وذكر وأذان ونوم وجلوس بمسجد أو تعليم علم وتعلمه أو زيارة عالم ونحو ذلك، ارتفع حدثه، وله أن يصلي ما شاء عند الحنابلة، لأنه نوى شيئاً من ضرورة صحة الطهارة.

ولا يجزئه للصلاة عند المالكية من غير أن ينوي رفع الحدث، لأن ما نواه يصح فعله مع بقاء الحدث.

كما لا يجزئه في الأصح عند الشافعية، لأنه أمر مباح مع الحدث، فلا يتضمن قصده رفع الحدث.

ولا خلاف أنه إذا توضأ لنافلة أو لما يفتقر إلى الطهارة كمس المصحف والطواف، صلى بوضوئه الفريضة، لأنه ارتفع حدثه.

وإن شك في النية في أثناء الطهارة لزمه استئنافها، لأنها عبادة شك في شرطها، وهو فيها، فلم تصح كالصلاة.

ولا يضر شكه في النية بعد فراغ الطهارة، كسائر العبادات.

وإذا وضأه غيره، اعتبرت النية من المتوضئ دون الموضئ، لأن المتوضئ هو المخاطب بالوضوء، والوضوء يحصل له بخلاف الموضئ فإنه آلة لا يخاطب ولا يحصل له.

وينوي من حدثه دائم كالمستحاضة وسلس البول ونحوه استباحة الصلاة دون رفع الحدث، لعدم إمكان رفعه.

ز- وقت النية: قال الحنفية: وقتها قبل الاستنجاء ليكون جميع فعله قربة، وقال الحنابلة: وقتها عند أول واجب وهو التسمية في الوضوء، وقال المالكية: محلها الوجه، وقيل: أول الطهارة.

وقال الشافعية: عند أول غسل جزء من الوجه، ويجب عند الشافعية قرنها بأول غسل الوجه لتقترن بأول الفرض كالصلاة. ويستحب أن ينوي قبل غسل الكفين لتشمل النية مسنون الطهارة ومفروضها، فيثاب على كل منهما. ويجوز تقديم النية على الطهارة بزمن يسير، فإن طال الزمن لم يجزه ذلك.

ويستحب استصحاب ذكر النية إلى آخر الطهارة، لتكون أفعاله مقترنة بالنية، وإن استصحب حكمها أجزأه، ومعناه: ألا ينوي قطعها.

ولا يضر عزوب النية: أي ذهابها عن خاطره وذهوله عنها، بعد أن أتى بها في أول الوضوء، لأن ما اشترطت له النية لا يبطل بعزوبها والذهول عنها كالصلاة والصيام. وذلك بخلاف الرفض: أي الإبطال في أثناء الوضوء بأن يبطل ما فعله منه، كأن يقول بقلبه: أبطلت وضوئي، فإنه يبطل.

والخلاصة: اتفق العلماء على وجوب النية في التيمم، واختلفوا في وجوبها في الطهارة عن الحدث الأكبر والأصغر على قولين.

ثانياً: الترتيب:

الترتيب: تطهير أعضاء الوضوء واحداً بعد آخر كما ورد في النص القرآني: أي غسل الوجه أولاً ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين. واختلف الفقهاء في وجوبه.

فقال الحنفية والمالكية: إنه سنة مؤكدة لا فرض، فيبدأ بما بدأ الله به.

وروي عن علي وابن عباس وابن مسعود ما يدل على عدم وجوب الترتيب، قال علي رضي الله عنه: "ما أبالي بأي أعضائي بدأت" رواه الدارقطني قال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا بأس بالبداية بالرجلين قبل اليدين" رواه الدارقطني.

وقال الشافعية والحنابلة: الترتيب فرض في الوضوء لا في الغسل. لفعل النبي صلى الله عليه وسلم المبين للوضوء المأمور به رواه مسلم، ولقوله صلى الله عليه وسلم في حجته: "ابدؤوا بما بدأ الله به". رواه النسائي.

فلو نكس الترتيب المطلوب، فبدأ برجليه، وختم بوجهه لم يصح إلا غسل وجهه، ثم يكمل ما بعده على الترتيب الشرعي.

وإن غسل أعضاءه دفعة واحدة، لم يصح وضوءه، وكذا لو وضأه أربعة في حالة واحدة، لأن الواجب الترتيب، لا عدم التنكيس، ولم يوجد الترتيب.

ولو اغتسل محدث حدثاً أصغر فقط بنية رفع الحدث أو نحوه، فالأصح عند الشافعية: أنه إن أمكن تقدير ترتيب بأن غطس مثلاً صح، ولو بلا مُكْث، لأنه يكفي ذلك لرفع أعلى الحدثين، فللأصغر أولى، ولتقدير الترتيب في لحظات معينة.

ولا يكفي ذلك عند الحنابلة، إلا إذا مكث في الماء قدراً يسع الترتيب فيخرج وجهه ثم يديه، ثم يمسح رأسه، ثم يخرج من الماء، سواء أكان الماء راكداً أم جارياً.

والترتيب مطلوب بين الفرائض، ولا يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين، وإنما هو مندوب، لأن مخرجها في القرآن واحد، قال تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ .... وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] والفقهاء يعدون اليدين عضواً، والرجلين عضوا. ولا يجب الترتيب في العضو الواحد. وهذا هو المقصود من قول علي وابن مسعود، قال أحمد: إنما عنيا به اليسرى قبل اليمنى: لأن مخرجها من الكتاب واحد.

ثالثاً- الموالاة أو الوِلاء:

هي متابعة أفعال الوضوء بحيث لا يقع بينها ما يعد فاصلاً في العرف، أو هي المتابعة بغسل الأعضاء قبل جفاف السابق، مع الاعتدال مزاجاً وزماناً ومكاناً ومناخاً. واختلف الفقهاء في وجوبها.

فقال الحنفية والشافعية: الموالاة سنة لا واجب، فإن فرق بين أعضائه تفريقاً يسيراً لم يضر، لأنه لا يمكن الاحتراز عنه. وإن فرق تفريقاً كثيراً، وهو بقدر ما يجف الماء على العضو في زمان معتدل، أجزأه، لأن الوضوء عبادة لا يبطلها التفريق القليل والكثير كتفرقة الزكاة والحج.

وقال المالكية والحنابلة: الموالاة في الوضوء لا في الغسل فرض، بدليل ما يأتي:

رابعاً- الدلك الخفيف باليد:

الدلك: هو إمرار اليد على العضو بعد صب الماء قبل جفافه. والمراد باليد: باطن الكف، فلا يكفي دلك الرِجْل بالأخرى.

واختلف الفقهاء في إيجابه.

فقال الجمهور (غير المالكية): الدلك سنة لا واجب، لأن آية الوضوء لم تأمر به، والسنة لم تثبته، فلم يذكر في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم. والثابت في صفة غسله عليه الصلاة والسلام مجرد إضافة الماء مع تخلل أصول الشعر.

وقال المالكية: الدلك واجب، ويكون في الوضوء بباطن الكف، لا بظاهر اليد، ويكفي الدلك بالرجل في الغسل، والدلك فيه: هو إمراراً العضو على العضو إمرارً متوسطاً، ويندب أن يكون خفيفاً مرة واحدة، ويكره التشديد والتكرار لما فيه من التعمق في الدين المؤدي للوسوسة.

وهو واجب بنفسه، ولو وصل الماء للبشرة على المشهور.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://pontera.yoo7.com
غــــريــــب
الــمــديــر الــعــام


عدد المساهمات: 2566
نقاط: 7147
تاريخ التسجيل: 01/10/2010
الموقع: الــمــغــرب

مُساهمةموضوع: رد: الفقه الإسلامي   الثلاثاء أكتوبر 12, 2010 5:19 am

الــتــيــمــم
التعريف:

التيمم لغة: القصد والتوخي والتعمد.

وفي الاصطلاح: هو مسح الوجه واليدين بوسيلة مخصوصة على وجه مخصوص.

مشروعية التيمم:

يجوز التيمم في السفر والحضر قال الله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43].

وقال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6].

قال صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا" [رواه البخاري ومسلم]. أي: له صلى الله عليه وسلم ولأمته.

وقد أجمع المسلمون على أن التيمم مشروع بدلاً عن الوضوء والغسل في أحوال خاصة.

شروط وجوب التيمم:

يشترط لوجوب التيمم ما يلي:

أ- البلوغ، فلا يجب التيمم على الصبي لأنه غير مكلف.

ب- القدرة على استعمال الصعيد.

جـ- وجود الحدث الناقض. أما من كان على طهارة بالماء فلا يجب عليه التيمم.

أما الوقت فإنه شرط لوجوب الأداء عند البعض لا لأصل الوجوب، ومن ثم فلا يجب التيمم إلا إذا دخل الوقت عندهم. فيكون الوجوب موسعاً في أوله ومضيقاً إذا ضاق الوقت.

هذا وللتيمم شروط وجوب وصحة معاً وهي:

أ-الإسلام: فلا يجب التيمم على الكافر لأنه غير مخاطب، ولا يصح منه لأنه ليس أهلاً للنية.

ب-انقطاع دم الحيض والنفاس.

جـ- العقل.

د- وجود الصعيد الطهور.

فإن فاقد الصعيد الطهور لا يجب عليه التيمم ولا يصح منه بغيره حتى ولو كان طاهراً فقط، كالأرض التي أصابتها نجاسة ثم جفت، فإنها تكون طاهرة تصح الصلاة عليها، ولا تكون مطهرة فلا يصح التيمم بها.

أركان التيمم:

للتيمم أركان وفرائض، والركن ما توقف عليه وجوب الشيء، وكان جزءاً من حقيقته، وبناء على هذا قالوا: للتيمم ركنان هما:الضربتان، واستيعاب الوجه واليدين إلى المرفقين بالمسح فقط. واختلفوا في النية هل هي ركن أم شرط؟

أ-النية:

ذهب الجمهور إلى أن النية عند مسح الوجه فرض.

وذهب الحنفية وبعض الحنابلة إلى أنها شرط.

ما ينويه بالتيمم:

ذهب الحنفية إلى أنه: يشترط لصحة نية التيمم الذي تصح به الصلاة أن ينوي أحد أمور ثلاثة: إما نية الطهارة من الحدث، أو استباحة الصلاة، أو نية عبادة مقصودة لا تصح بدون طهارة كالصلاة، أو سجدة التلاوة، أو صلاة الجنازة عند فقد الماء.

وأما عند وجوده إذا خاف فوتها فإنما تجوز به الصلاة على جنازة أخرى إذا لم يكن بينهما فاصل. فإن نوى التيمم فقط من غير ملاحظة استباحة الصلاة، أو رفع الحدث القائم به، لم تصح الصلاة بهذا التيمم، كما إذا نوى ما ليس بعبادة أصلاً كدخول المسجد، ومس المصحف، أو نوى عبادة غير مقصودة لذاتها، كالأذان، والإقامة، أو نوى عبادة مقصودة تصح بدون طهارة كالتيمم لقراءة القرآن، أو للسلام، أو ردّهِ من المحدث حدثاً أصغر، فإن تيمم الجنب لقراءة القرآن صح له أن يصلي به سائر الصلوات، وأما تعيين الحدث أو الجنابة فلا يشترط عندهم، ويصح التيمم بإطلاق النية، ويصح أيضاً بنية رفع الحدث، لأن التيمم رافع له كالوضوء.

ويشترط عندهم لصحة النية: الإسلام، والتمييز، والعلم بما ينويه، ليعرف حقيقة المنوي.

وذهب المالكية إلى أنه ينوي بالتيمم استباحة الصلاة أو فرض التيمم، ووجب عليه وملاحظة الحدث الأكبر إن كان عليه بأن ينوي استباحة الصلاة من الحدث الأكبر، فإن لم يلاحظه بأن نسيه أو لم يعتقد أنه عليه لم يجزه وأعاد تيممه، هذا إذا لم ينو فرض التيمم، أما إذا نوى فرض التيمم فيجزيه عن الأكبر والأصغر وإن لم يلاحظ، ولا يصلى فرض عند المالكية بتيمم نواه لغيره.

وذهب الشافعية إلى إنه ينوي استباحة الصلاة ونحوها مما تفتقر استباحته إلى طهارة. كطواف، وحمل مصحف، وسجود تلاوة، ولو تيمم بنية الاستباحة ظاناً أن حدثه أصغر فبان أكبر أو عكسه صح، لأن موجبهما واحد، وإن تعمد لم يصح في الأصح لتلاعبه. فلو أجنب في سفره ونسي، وكان يتيمم وقتاً، وتوضأ وقتاً، أعاد صلاة الوضوء فقط.

ولا تكفي عند الشافعية نية رفع الحدث الأصغر، أو الأكبر، أو الطهارة عن أحدهما، لأن التيمم لا يرفعه لبطلانه بزوال مقتضيه، ولقوله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص وقد تيمم عن الجنابة من شدة البرد: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ [رواه البخاري].

ولو نوى فرض التيمم، أو فرض الطّهر، أو التيمم المفروض، أو الطهارة عن الحدث أو الجنابة لم يكف في الأصح لأن التيمم ليس مقصوداً في نفسه، وإنما يؤتى به عن ضرورة،فلا يجعل مقصوداً، بخلاف الوضوء.

والقول الثاني عندهم: يكفي كالوضوء ويجب قرن النية بنقل الصعيد الحاصل بالضرب إلى الوجه، لأنه أول الأركان، وكذا يجب استدامتها إلى مسح شيء من الوجه على الصحيح. فلو زالت النية قبل المسح لم يكف،لأن النقل وإن كان ركناً فهو غير مقصود في نفسه.

وذهب الحنابلة إلى أنه ينوي استباحة ما لا يباح إلا بالتيمم، ويجب تعيين النية لما تيمم له كصلاة، أو طواف، أو مس مصحف من حدث أصغر أو أكبر أو نجاسة على بدنه، لأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبيح الصلاة، فلا بد من تعيين النية تقوية لضعفه.

وصفة التعيين: أن ينوي الاستباحة صلاة الظهر مثلاً من الجنابة إن كان جنباً، أو من الحدث إن كان محدثاً، أو منهما إن كان جنباً محدثاً، وما أشبه ذلك.

وإن التيمم لجنابة لم يجزه عن الحدث الأصغر، لأنهما طهارتان فلم تؤد إحداهما بنية الأخرى. ولا يصح التيمم بنية رفع حدث لأن التيمم لا يرفع الحدث عند الحنابلة كالمالكية والشافعية، لحديث أبي ذر: "فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير" [أخرجه أبو داود].

نية التيمم لصلاة النفل وغيره:

ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن من نوى بتيممه فرضاً ونفلاً صلى به الفرض والنفل، وإن نوى فرضاً ولم يعين فيأتي بأي فرض شاء، وإن عين فرضاً جاز له فعل فرض واحد غيره، وإن نوى الفرض استباح مثله وما دونه من النوافل، وذلك لأن النفل أخف، ونية الفرض تتضمنه.

أما إذا نوى نفلاً أو أطلق النية كأن نوى استباحة الصلاة بلا تعيين فرض أو نفل لم يصل إلا نفلاً، لأن الفرض أصل والنفل تابع فلا يجعل المتبوع تابعاً، وكما إذا أحرم بالصلاة مطلقاً بغير تعيين فإن صلاته تنعقد نفلاً والمالكية كالشافعية والحنابلة إلا أنهم صرحوا بوجوب نية الحدث الأكبر إن كان عليه حال نية استباحة الصلاة، فإن لم يلاحظه بأن نسيه أو لم يعتقد أن الحدث الأكبر عليه لم يجزه وأعاد أبداً.

ويندب عند المالكية نية الحدث الأصغر إذا نوى استباحة الصلاة، أو استباحة ما منعه الحدث، ولكن لو نوى فرض التيمم فلا تندب نية الأصغر ولا الأكبر، لأن نية الفرض تجزىء عن كل ذلك.

وإذا تيمم لقراءة قرآن ونحو ذلك لا يجوز للمتيمم أن يصلي به.

وذهب الحنفية إلى جواز صلاة الفرض والنفل سواء نوى بتيممه الفرض أو النفل، لأن التيمم بدل مطلق عن الماء، وهو رافع للحدث أيضاً عندهم.

ب- مسح الوجه واليدين:

اتفق الفقهاء على أن من أركان التيمم مسح الوجه واليدين، لقوله تعالى {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6].

وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن مسح الوجه فرض، ومسح اليدين فرض آخر. ولكن ذهب المالكية إلى أن الفرض الأول هو الضربة الأولى، والفرض الثاني هو تعميم مسح الوجه واليدين.

وذهب الحنفية والشافعية إلى أن المطلوب في اليدين هو مسحهما إلى المرفقين على وجه الاستيعاب كالوضوء. لقيام التيمم مقام الوضوء فيحمل التيمم على الوضوء ويقاس عليه.

وذهب المالكية والحنابلة إلى أن الفرض مسح اليدين في التيمم إلى الكوعين، ومن الكوعين إلى المرفقين سنة، لحديث عمار بن ياسر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالتيمم للوجه والكفين". [رواه البخاري ومسلم].

ثم إن المفروض عند الحنفية والشافعية ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين.

وذهب المالكية والحنابلة إلى أن الضربة الأولى فرض، والثانية سنة.

واتفق الفقهاء على إزالة الحائل عن وصول التراب إلى العضو الممسوح كنزع خاتم ونحوه بخلاف الوضوء. وذلك لأن التراب كثيف ليس له سريان الماء وسيلانه.

ومحل الوجوب عند الشافعية في الضربة الثانية ويستحب في الأولى، ويجب النزع عند المسح لا عند نقل التراب.

وذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب تخليل الأصابع بباطن الكف أو الأصابع كي يتم المسح.

والتخليل عند الشافعية والحنابلة مندوب احتياطاً. وأما إيصال التراب إلى منابت الشعر الخفيف فليس بواجب عندهم جميعاً لما فيه من العسر بخلاف الوضوء.

جـ- الترتيب:

ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الترتيب في التيمم بين الوجه واليدين ليس بواجب بل مستحب، لأن الفرض الأصلي المسح، وإيصال التراب وسيلة إليه فلا يجب الترتيب في الفعل الذي يتم به المسح.

وذهب الشافعية إلى أن الترتيب فرض كالوضوء.

وذهب الحنابلة إلى أن الترتيب فرض عندهم في غير حدث أكبر، أما التيمم لحدث أكبر ونجاسة ببدن فلا يعتبر فيه ترتيب.

د-الموالاة:

ذهب الحنفية والشافعية إلى أن الموالاة في التيمم كما في الوضوء، وكذا تسن الموالاة بين التيمم والصلاة.

وذهب المالكية والحنابلة إلى أن الموالاة في التيمم عن الحدث الأصغر فرض، وأما عن الحدث الأكبر فهي فرض عند المالكية دون الحنابلة.

وزاد المالكية وجوب الموالاة بين التيمم وبين ما يفعل له من صلاة ونحوها.

الأعذار التي يشرع بسببها التيمم:

المبيح للتيمم في الحقيقة شيء واحد. وهو العجز عن استعمال الماء، والعجز إما لفقد الماء وإما لعدم القدرة على استعماله مع وجوده:

أولاً: فقد الماء:

أ- فقد الماء للمسافر:

إذا فقد المسافر الماء بأن لم يجده أصلاً، أو وجد ماء لا يكفي للطهارة حساً جاز له التيمم، لكن يجب عند الشافعية والحنابلة أن يستعمل ما تيسر له منه في بعض أعضاء الطهارة ثم يتيمم عن الباقي لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" ويكون فقد الماء شرعاً للمسافر بأن خاف الطريق إلى الماء، أو كان بعيدا عنه فلا يكلف المسافر حينئذ بطلبه.

ويشترط عند الشافعية والحنابلة لمن ظن وجود الماء أو شك في وجوده (ومثله عند الشافعية ما لو توهم وجوده) أن يطلبه فيما قرب منه لا فيما بعُد.

حد البعد عن الماء:

اختلف الفقهاء في حد البعد عن الماء الذي يبيح التيمم:

فذهب الحنفية إلى أنه ميل وهو يساوي أربعة آلاف ذراع أي ما يعادل 1680 متراً.

وحدده المالكية بميلين وحدده الشافعية بأربعمائة ذراع، وهو حد الغوث وهو مقدار غلوة (رمية سهم)، وذلك في حالة توهمه للماء أو ظنه أو شكّه فيه، فإن لم يجد ماء تيمم، وكذلك الحكم عند الحنفية فأوجبوا طلب الماء إلى أربعمائة خطوة إن ظن قربه من الماء مع الأمن.

وذهب الشافعية إلى أنه إن تيقن فقد الماء حوله تيمم بلا طلب، أما إذا تيقن وجود الماء حوله طلبه في حد القرب (وهو ستة آلاف خطوة) ولا يطلب الماء عند الشافعية سواء في حد القرب أو الغوث إلا إذا أمن على نفسه وماله وانقطاعه عن الرفقة.

وقال المالكية: إذا تيقن أو ظن الماء طلبه لأقل من ميلين، ويطلبه عند الحنابلة فيما قرب منه عادة.

هذا فيما إذا لم يجد الماء، أما إذا وجد الماء عند غيره أو نسيه في رحله فهل يجب عليه شراؤه أو قبول هبته؟

الشراء:

يجب على واجد الماء عند غيره أن يشتريه إذا وجده بثمن المثل أو بغبن يسير، وكان ما عنده من المال فاضلاً عن حاجته.

فإن لم يجده إلا بغبن فاحش أو لم يكن معه ثمن الماء تيمم.

الهبة:

ذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والمالكية والحنابلة- وهو الأصح عن الشافعية إلى أنه لو وهب له ماء أو أعير دلوا وجب عليه القبول، أما لو وهب ثمنه فلا يجب قبوله بالاتفاق لعظم المنة.

ب- فقد الماء للمقيم:

إذا فقد المقيم الماء وتيمم فهل يعيد صلاته أم لا؟ فيه خلاف بين العلماء:

فذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) إلى أنه لا يعيد، لأن الشرط هو عدم الماء فأينما تحقق جاز التيمم.

ويعيد عند المالكية المقصّر في طلب الماء ندباً في الوقت، وصحت صلاته إن لم يعد، كواجد الماء الذي طلبه طلباً لا يشق عليه بقربه بعد صلاته لتقصيره، أو وجد الماء في رحله بعد طلبه. أما خارج الوقت فلا يعيد، وقد اختلف المالكية في تيمم الصحيح الحاضر الفاقد للماء لصلاة الجمعة إذا خشي فواتها بطلب الماء، ففي المشهور من المذهب لا يتيمم لها فإن فعل لم يجزه، لأن الواجب عليه أن يصلي الظهر، وخلاف المشهور يتيمم لها ولا يدعها وهو أظهر مدركاً من المشهور.

أما إذا كان فرض التيمم لعدم الماء بالمرة فيصليها بالتيمم ولا يدعها، ويصلي الظهر وهو ظاهر.

وكذا عند المالكية لا يتيمم الحاضر الصحيح الفاقد للماء لجنازة إلا إذا تعينت عليه بأن لم يوجد غيره من متوضىء أو مريض أو مسافر.

ولا يتيمم لنفل استقلالا، ولا وتراً إلا تبعاً لفرض بشرط أن يتصل النفل بالفرض حقيقة أو حكماً فلا يضر الفصل اليسير.

نسيان الماء:

لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلى فإن تذكره قطع صلاته وأعادها إجماعا، أما إذا أتم صلاته ثم تذكر الماء فإنه يقضى صلاته عند الشافعية في الأظهر، والحنابلة سواء في الوقت أو خارجه.

وذهب المالكية إلى أنه إذا تذكر في الوقت أعاد صلاته، أو خارج الوقت فلا يقضي.

وسبب القضاء تقصيره في الوقوف على الماء الموجود عنده، فكان كما لو ترك ستر العورة وصلى عريانا، وكان في رحله ثوب نسيه.

وذهب الحنفية إلى أنه لا يقضي لأن العجز عن استعمال الماء قد تحقق بسبب الجهالة والنسيان، فيجوز التيمم كما لو حصل العجز بسب البعد أو المرض أو عدم الدلو والرشاء.

وذهب أبو يوسف من الحنفية إلى أنه يعيد إذا كان هو الواضع للماء في الرحل أو غيره بعلمه سواء كان بأمره أو بغير أمره، أما لو كان الواضع للماء غيره وبلا علمه فلا إعادة اتفاقاً عندهم.

ثانياً: عدم القدرة على استعمال الماء:

يجب على من وجد الماء أن يستعمله في عبادة وجبت عليه لا تصح إلا بالطهارة، ولا يجوز العدول عن ذلك إلى التيمم إلا إذا عدمت قدرته على استعمال الماء، ويتحقق ذلك بالمرض، أو خوف المرض من البرد ونحوه، أو العجز عن استعماله.

أ- المرض:

اتفق الفقهاء على جواز التيمم للمريض إذا تيقن التلف، وكذلك عند الأكثرين إذا خاف من استعمال الماء لوضوء أو لغسل، على نفسه أو عضوه هلاكه، أو زيادة مرضه، أو تأخر برئه، ويعرف ذلك بالعادة أو بإخبار طبيب حاذق مسلم عدل، واكتفى بعض الحنفية بأن يكون مستورا أي غير ظاهر الفسق، وصرح الشافعية في الأظهر -الحنابلة زيادة على ما تقدم- خوف حدوث الشين الفاحش.

وقيده الشافعية بما يكون في عضو ظاهر، لأنه يشوه الخلقة ويدوم ضرره، والمراد بالظاهر عند الشافعية ما يبدو عند المهنة غالباً كالوجه واليدين.

وذهب الحنفية والحنابلة إلى أن المريض الذي لا يقدر على الحركة ولا يجد من يستعين به يتيمم كعادم الماء ولا يعيد.

وقال الحنفية: فإن وجد من يوضئه ولو بأجر المثل وعنده مال لا يتيمم في ظاهر المذهب.

ب- خوف المرض من البرد ونحوه:

ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز التيمم في السفر والحضر (خلافاً لأبي يوسف ومحمد في الحضر) لمن خاف من استعمال الماء في شدة البرد هلاكاً، أو حدوث مرض، أو زيادته، أو بطء برء إذا لم يجد ما يسخن به الماء، أو لم يجد أجرة الحمام، أو ما يدفئه، سواء في الحدث الأكبر أو الأصغر، لإقرار النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص رضي الله عنه على تيممه خوف البرد وصلاته بالناس إماما ولم يأمره بالإعادة.

وذهب الحنفية إلى أن جواز التيمم للبرد خاص بالجنب، لأن المحدث لا يجوز له التيمم للبرد في الصحيح خلافاً لبعض المشايخ إلا إذا تحقق الضرر من الوضوء فيجوز التيمم حينئذ.

وذهب جمهور الفقهاء إلى أن المتيمم للبرد -على الخلاف السابق- لا يعيد صلاته.

وذهب الشافعية إلى أنه يعيد صلاته في الأظهر إن كان مسافراً، والثاني: لا يعيد لحديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، أما إذا تيمم المقيم للبرد فالمشهور القطع بوجوب الإعادة.

جـ-العجز عن استعمال الماء:

يتيمم العاجز الذي لا قدرة له على استعمال الماء ولا يعيد كالمكره، والمحبوس،والمربوط بقرب الماء، والخائف من حيوان، أو إنسان في السفر والحضر، لأنه عادم للماء حكما، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير".

واستثنى الحنفية مما تقدم المكره على ترك الوضوء فإنه يتيمم ويعيد صلاته.

د- الحاجة إلى الماء:

يتيمم ولا يعيد من اعتقد أو ظن أنه يحتاج الماء الذي معه ولو في المستقبل، لنحو عطش إنسان معصوم الدم، أو حيوان محترم شرعاً -ولو كلب صيد أو حراسة- عطشا مؤدياً إلى الهلاك أو شدة الأذى، وذلك صوناً للروح عن التلف، بخلاف الحربي، والمرتد، والكلب غير المأذون فيه، فإنه لا يتيمم بل يتوضأ بالماء الذي معه لعدم حرمة هؤلاء.

وسواء أكانت الحاجة للماء للشرب، أم العجن، أم الطبخ.

ومن قبيل الاحتياج للماء إزالة النجاسة غير المعفو عنها به، سواء أكانت على البدن أم الثوب، وخصها الشافعية بالبدن، فإن كانت على الثوب توضأ بالماء وصلى عرياناً إن لم يجد ساتراً ولا إعادة عليه.

ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إن كانت على بدنه نجاسة وعجز عن غسلها لعدم الماء، أو خوف الضرر باستعماله تيمم لها وصلى، وعليه القضاء عند الشافعية، وهو رواية للحنابلة.

وذهب الحنابلة إلى أنه لا قضاء عليه، واستدلوا بعموم الحديث السابق ذكره (الصعيد الطيب طهور المسلم). ونقل ابن قدامة عن أكثر الفقهاء أن من على بدنه نجاسة وعجز عن غسلها يصلي بحسب حاله بلا تيمم ولا يعيد.

ما يجوز به التيمم:

اتفق الفقهاء على جواز التيمم بالصعيد الطاهر، وهو شرط عند الجمهور، فرض عند المالكية.

قال الله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6].

وقد اختلفوا في المراد بالصعيد هل هو وجه الأرض أو التراب المنبت؟ أما جواز المسح على التراب المنبت فبالإجماع.

وأما غيره مما على وجه الأرض، فقد اختلف الفقهاء فيه، فذهب المالكية وأبو حنيفة ومحمد إلى أن المراد بالصعيد وجه الأرض، فيجوز عندهم التيمم بكل ما هو من جنس الأرض، لأن الصعيد مشتق من الصعود وهو العلو، وهذا لا يوجب الاختصاص بالتراب، بل يعم كل ما صعد على الأرض من أجزائها. والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: " عليكم بالأرض" من غير فصل، وقوله عليه الصلاة والسلام: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" واسم الأرض يتناول جميع أنواعها.

والطيب عندهم هو الطاهر، وهو الأليق هنا، لأنه شرع مطهراً، والتطهير لا يقع إلا بالطاهر، من أن معنى الطهارة صار مرادا بالإجماع حتى لا يجوز التيمم بالصعيد النجس.

وقد اختلفوا في بعض ما يجوز به التيمم:

فذهب المالكية إلى إنه يجوز التيمم بالتراب -وهو الأفضل من غيره عند وجوده- والرمل، والحصى، والجص الذي لم يحرق بالنار، فإن أحرق أو طبخ لم يجز التيمم به.

ويجوز التيمم المعادن ما دامت في مواضعها ولم تنقل من محلها إذا لم تكن من أحد النقدين -الذهب أو الفضة- أو من الجواهر كاللؤلؤ، فلا يتيمم على المعادن من شب، وملح،وحديد، ورصاص، وقصدير، وكحل، إن نقلت من محلها وصارت أموالا في أيدي الناس.

ولا يجوز التيمم بالخشب والحشيش سواء أوجد غيرهما أم لا، لأنها ليسا من أجزاء الأرض، وفي المسألة خلاف وتفصيل عند المالكية.

ويجوز التيمم عندهم بالجليد وهو الثلج المجمد من الماء على وجه الأرض أو البحر، حيث عجز عن تحليله وتصييره ماء، لأنه أشبه بجموده الحجر فالتحق بأجزاء الأرض.

وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أنه يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض، ثم اختلفا، فقال أبو حنيفة يجوز التيمم بكل ما هو من جنس الأرض، التزق بيده شيء أو لا، لأن المأمور به هو التيمم بالصعيد مطلقاً من غير شرط الالتزاق، ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل.

وقال محمد: لا يجوز إلا إذا التزق بيده شيء من أجزائه، فالأصل عنده أنه لا بد من استعمال جزء من الصعيد ولا يكون ذلك إلا بأن يلتزق بيده شيء منه.

فعلى قول أبي حنيفة يجوز التيمم بالجص، والنورة، والزرنيخ، والطين الأحمر، والأسود، والأبيض، والكحل، والحجر الأملس، والحائط المطين، والمجصص، والملح الجبلي دون المائي،والآجر، والخزف المتخذ من طين، خالص، والأرض الندية، والطين الرطب.

ولكن لا ينبغي أن يتيمم بالطين ما لم يخف ذهاب الوقت، لأن فيه تلطيخ الوجه من غير ضرورة فيصير بمعنى المثلة، وإن كان لو تيمم به أجزأه عندهما، لأن الطين من أجزاء الأرض، فإن خاف ذهاب الوقت تيمم وصلى عندهما، ويجوز التيمم عندهما بالغبار بأن ضرب يده على الثوب، أو لبد، أو صفّة سرج، فارتفع غبار، أو كان على الحديد، أو على الحنطة، أو الشعير، أو نحوها غبار، فتيمم به أجزأه في قولهما، لأن الغبار وإن كان لطيفاً فإنه جزء من أجزأه الأرض فيجوز التيمم، كما يجوز بالكثيف بل أولى.

وقد روي أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- كان بالجابية (منطقة في دمشق) فمطروا فلم يجدوا ماء يتوضؤون به، ولا صعيداً يتيممون به، فقال ابن عمر: لينفض كل واحد منكم غبار ثوبه، أو صفّة سرجه، وليتيمم، وليصل، ولم ينكر عليه أحد فيكون إجماعاً. ولو كان المسافر في طين وردغة لا يجد ماء ولا صعيدا وليس في ثوبه وسرجه غبار لطخ ثوبه أو بعض جسده بالطين فإذا جف تيمم به.

أما ما لم يكن من جنس الأرض فلا يجوز التيمم به اتفاقاً عند الحنفية. فكل ما يحترق بالنار فيصير رماداً كالحطب والحشيش ونحوهما، أو ما ينطبع ويلين كالحديد، والصفر، والنحاس، والزجاج ونحوها، فليس من جنس الأرض. كما لا يجوز التيمم بالرماد لأنه من أجزاء الحطب وليس من أجزاء الأرض.

وذهب الشافعية والحنابلة وأبو يوسف من الحنفية إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر ذي غبار يعلق باليد غير محترق لقوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6] وهذا يقتضي أنه يمسح بجزء منه، فما لا غبار له كالصخر، لا يمسح بشيء منه. وقوله صلى اله عليه وسلم: "جعل التراب لي طهورا" [أخرجه أحمد].

فإن كان جريشا أو ندياً لا يرتفع له غبار لم يكف. لأن الصعيد الطيب هو التراب المنبت، وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما أي الصعيد أطيب فقال: الحرث، وهو التراب الذي يصلح للنبات دون السبخة ونحوها.

وأضاف الشافعية إلى التراب الرمل الذي فيه غبار، وعن أحمد روايتان: الجواز وعدمه، وعن أبي يوسف روايتان أيضاً.

ولا يجوز عندهم جميعاً (الشافعية وأحمد وأبو يوسف) التيمم بمعدن كنفط، وكبريت، ونورة، ولا بسحاقة خزف، إذ لا يسمى ذلك تراباً.

ولا بتراب مختلط بدقيق ونحوه كزعفران،وجص، لمنعه وصول التراب إلى العضو، ولا بطين رطب، لأنه ليس بتراب، ولا بتراب نجس كالوضوء باتفاق العلماء. لقوله تعالى:

فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6].

وقال الشافعية إن ما استعمل في التيمم لا يتيمم به كالماء المستعمل. وزاد الحنابلة المغصوب ونحوه فلا يجوز التيمم به.

ويجوز المسح بالثلج عند الحنابلة على أعضاء الوضوء إذ تعذر تذويبه لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم". ثم إذا جرى الماء على الأعضاء بالمس لم يعد الصلاة لوجود الغسل وإن كان خفيفاً، وإن لم يسل أعاد صلاته، لأنه صلى بدون طهارة كاملة.



كيفية التيمم:

اختلف الفقهاء في كيفية التيمم:

أ- فذهب الحنفية والشافعية إلى أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين لقوله صلى الله عليه وسلم: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين".

ب- وذهب المالكية والحنابلة إلى أن التيمم الواجب ضربة واحدة، لحديث عمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في التيمم: "إنما كان يكفيك ضربة واحدة للوجه واليدين" واليد إذا أطلقت لا يدخل فيها الذراع كما في اليد المقطوعة في السرقة.

والأكمل عنهم ضربتان وإلى المرفقين كالحنفية والشافعية.

وصورته -عندهم جميعاً- في مسح اليدين بالضربة الثانية: أن يمر اليد اليسرى على اليد اليمنى من فوق الكف إلى المرفق، ثم باطن المرفق إلى الكوع (الرسغ)، ثم يمر اليمنى على اليسرى كذلك.

والمقصود من التيمم إيصال التراب إلى الوجه واليدين، فبأي صورة حصل استيعاب العضوين بالمسح أجزأه تيممه. سواء احتاج إلى ضربتين أو أكثر، وعلى هذا اتفق الفقهاء.

سنن التيمم:

يسن في التيمم أمور:

أ- التسمية:

ذهب الحنفية والشافعية إلى أن التسمية سنة في أول التيمم كالوضوء بأن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم .

ويكتفي عند الحنفية بسم الله، وقيل: الأفضل ذكرها كاملة.

وذهب المالكية إلى أن التسمية فضيلة -وهي عندهم أقل من السنة- أما عند الحنابلة فالتسمية واجبة كالتسمية في الوضوء.

ب- الترتيب:

يسن الترتيب عند الحنفية والمالكية بأن يمسح الوجه أولاً ثم اليدين، فإن عكس صح تيممه، إلا أنه يشترط عند المالكية أن يعيد مسح اليدين إن قرب المسح ولم يصلّ به، وإلا بطل التيمم.

وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب الترتيب كالوضوء.

جـ- الموالاة:

ذهب الحنفية والشافعية إلى أن الموالاة سنة.

وذهب المالكية والحنابلة وهو قول الشافعي في القديم إلى وجوب الموالاة بحيث لو كان المستعمل ماء لا يجف العضو السابق قبل غسل الثاني كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الوضوء المنقول عنه حيث لم يقع فيها الفصل بين أعضاء الوضوء.

د-سنن أخرى:

ذهب الحنفية إلى سنية الضرب بباطن الكفين وإقبال اليدين بعد وضعهما في التراب وإدبارهما مبالغة في الاستيعاب، ثم نفضها اتقاء تلويث الوجه، نقل ذلك عن أبي حنيفة. وذهبوا أيضاً إلى سنية تفريج الأصابع ليصل التراب إلى ما بينها.

وذهب المالكية إلى سنية الضربة الثانية ليديه والمسح إلى المرفقين، وأن لا يمسح بيديه شيئاً بعد ضربهما بالأرض قبل مسح الوجه واليدين، فإن فعل كره وأجزأه، وهذا لا يمنع من نفضهما نفضاً خفيفاً.

ومن الفضائل عندهم في التيمم استقبال القبلة، والبدء باليمنى، وتخليل الأصابع.

وذهب الشافعية إلى سنية البداءة بأعلى الوجه، وتقديم اليمنى، وتفريق الأصابع في الضربة الأولى، وتخليل الأصابع بعد مسح اليدين احتياطاً، وتخفيف الغبار لئلا تتشوه به خلقته.

ويسن عندهم أيضاً الموالاة بين التيمم والصلاة خروجاً من خلاف من أوجبها -وهم المالكية- ويسن أيضاً إمرار اليد على العضو كالدلك في الوضوء، وعدم تكرار المسح، واستقبال القبلة، والشهادتان بعده كالوضوء فيهما.

ويسن نزع الخاتم في الضربة الأول باعتبار اليد فيها أداة للمسح، وفي الثانية هي محل للتطهير وهو ركن فيجب، ويسن السواك قبله، ونقل التراب إلى أعضاء التيمم.

ويستحب عند الحنابلة تخليل الأصابع أيضاً.

مكروهات التيمم:

يكره تكرار المسح بالاتفاق.

ويكره عند المالكية كثرة الكلام في غير ذكر الله، وإطالة المسح إلى ما فوق المرفقين، وهو المسمى بالتحجيل.

وقال الشافعية: يكره تكثير التراب وتجديد التيمم ولو بعد فعل صلاة، ومسح التراب عن أعضاء التيمم، فالأحب أن لا يفعله حتى يفرغ من الصلاة.

وعند الحنابلة: يكره الضرب أكثر من مرتين، ونفخ التراب إن كان خفيفاً.

نواقض التيمم:

ينقض التيمم ما يأتي:

أ- كل ما ينقض الوضوء والغسل، لأنه بدل عنهما، وناقض الأصل ناقض لبدله.

ب- رؤية الماء أو القدرة على استعمال الماء الكافي ولو مرة عند الحنفية والمالكية، ولو لم يكف عند الشافعية والحنابلة وذلك قبل الصلاة لا فيها باتفاق الفقهاء، بشرط أن يكون الماء فاضلاً عن حاجته الأصلية، لأن الماء المشغول بالحاجة كالمعدوم.

وقال الحنفية: إن مرور نائم أو ناعس متيمم على ماء كاف يبطل تيممه كالمستيقظ أما رؤية الماء في الصلاة فإنها تبطل التيمم عند الحنفية والحنابلة، لبطلان الطهارة بزوال سببها، ولأن الأصل إيقاع الصلاة بالوضوء.

ولا تبطله عند المالكية، ولا عند الشافعية بالنسبة للمسافر في محل لا يغلب فيه وجود الماء، لوجود الإذن بالدخول في الصلاة بالتيمم، والأصل بقاؤه، لقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33] وقد كان عمله سليماً قبل رؤية الماء والأصل بقاؤه، وقياساً على رؤية الماء بعد الفراغ من الصلاة.

أما بالنسبة لصلاة المقيم بالتيمم فإنها تبطل عند الشافعية إذا رأى الماء في أثناء الصلاة وتلزمه الإعادة لوجود الماء، لكن ليس مطلقاً، بل قيد الشافعية ذلك بكونه في محل يغلب فيه الماء، أما إذا كان المقيم في محل لا يغلب فيه وجود الماء فلا إعادة عليه، وحكمه حينئذ حكم المسافر.

وأما إذا رأى الماء بعد انتهاء الصلاة، فإن كان بعد خروج وقت الصلاة فلا يعيدها المسافر باتفاق الفقهاء، وإن كان في أثناء الوقت لم يعدها باتفاق الفقهاء أيضاً بالنسبة للمسافر. وذهب الشافعية في الأصح عندهم إلى أن المقيم في محل يغلب فيه وجود الماء إذا تيمم لفقد الماء فإنه يعيد صلاته لندور الفقد وعدم دوامه.

وفي قوله: لا يقضي واختاره النووي، لأنه أتى بالمقدور، وفي قول: لا تلزمه الصلاة في الحال بل يصبر حتى يجده في الوقت، بخلاف المسافر فإنه لا يعيد إلا إذا كان في محل يغلب فيه وجود الماء كما سبق.

جـ- زوال العذر المبيح له، كذهاب العدو والمرض والبرد، لأن ما جاز بعذر بطل بزواله.

د- خروج الوقت: فإنه يبطل التيمم عند الحنابلة سواء أكان في أثناء الصلاة أم لا، وإن كان في أثناء الصلاة تبطل صلاته، لأنها طهارة انتهت بانتهاء وقتها، كما لو انقضت مدة المسح وهو في الصلاة.

هـ- الردة: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الردة -والعياذ بالله- لا تبطل التيمم فيصلي به إذا أسلم، لأن الحاصل بالتيمم الطهارة، والكفر لا ينافيها كالوضوء، ولأن الردة تبطل ثواب العمل لا زوال الحدث.

وذهب الشافعية إلى أن الردة تبطل التيمم لضعفه بخلاف الوضوء لقوته.

و- الفصل الطويل: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الفصل الطويل بين التيمم والصلاة لا يبطله، والموالاة ليست واجبة بينهما .

وذهب الشافعية في الأصح إلى أن العاصي بسفره، ومن سافر ليتعب نفسه أو دابته عبثاً يلزمه أن يصلي بالتيمم ويقضي، لأنه من أهل الرخصة.

وذهب الشافعية أيضاً إلى أن العاصي بمرضه ليس من أهل الرخصة، فإن عصى بمرضه لم يصح تيممه حتى يتوب.

التيمم بدل عن الماء:

ذهب عامة الفقهاء إلى أن التيمم ينوب عن الوضوء من الحدث الأصغر، وعن الغسل من الجنابة والحيض والنفاس فيصح به ما يصح بهما من صلاة فرض أو سنة وطواف وقراءة للجنب ومس مصحف وغير ذلك.

وقد اختلفوا في مرجع الضمير في قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} بناء على اختلافهم فيقوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ} [المائدة:6] فمن ذهب من العلماء إلى أن الملامسة هي الجماع. قال: إن الضمير يعود على المحدث مطلقاً، سواء أكان الحدث أصغر أم أكبر.

أما من ذهب منهم إلى أن الملامسة بمعنى اللمس باليد قال: إن الضمير يعود على المحدث حدثاً أصغر فقط، وبذلك تكون مشروعية التيمم للجنب ثابتة بالسنة، كحديث عمران بن حصين قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فصلى بالناس، فإذا هو برجل معتزل فقال: ما منعك أن تصلي؟ قال: أصابني جنابة ولا ماء. قال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك". [رواه البخاري].



نوع بدلية التيمم عن الماء:

اختلف الفقهاء في نوع البدل هل هو بدل ضروري أو بدل مطلق؟

فذهب جمهور الفقهاء إلى أن التيمم بدل ضروري ولذلك فإن الحدث لا يرتفع بالتيمم، فيباح للمتيمم الصلاة مع قيام الحدث حقيقة للضرورة، كطهارة المستحاضة لحديث أبي ذر: "فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك فإنه خيرٌ لك". ولو رفع التيمم الحدث لم يحتج إلى الماء إذا وجده، وإذا رأى الماء عاد الحدث، مما يدل على أن الحدث لم يرتفع، وأبيحت له الصلاة للضرورة.

إلا أن الحنابلة أجازوا بالتيمم الواحد صلاة ما عليه من فوائت في الوقت إن كانت عليه خلافاً للمالكية والشافعية.

وذهب الحنفية إلى أن التيمم بدل مطلق، وليس ببدل ضروري، فالحدث يرتفع بالتيمم إلى وقت وجود الماء في حق الصلاة المؤداة لقوله صلى الله عليه وسلم "التيمم وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء أو يحدث".

أطلق النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء على التيمم وسماه به. والوضوء مزيل للحدث فكذا التيمم، لقوله صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" والطهور اسم للمطهر، والحديث يدل على أن الحدث يزول بالتيمم إلى حين وجود الماء، فإذا وجد الماء عاد حكم الحدث.



ثمرة هذا الخلاف:

يترتب على خلاف الفقهاء في نوع بدلية التيمم ما يلي:

أ- وقت التيمم:

ذهب الجمهور إلى عدم صحة التيمم إلا بعد دخول وقت ما يتيمم له من فرض أو نفل له وقت مخصوص.

وذهب الحنفية إلى جواز التيمم قبل الوقت ولأكثر من فرض ولغير الفرض أيضاً لأن التيمم يرتفع به الحدث إلى وجود الماء، وليس بمبيح فقط، وقاسوا ذلك على الوضوء، لأن التوقيت لا يكون إلا بدليل سمعي، ولا دليل فيه.

تأخير الصلاة بالتيمم إلى آخر الوقت:

اتفق الفقهاء في الجملة على أن تأخير الصلاة بالتيمم لآخر الوقت أفضل من تقديمه لمن كان يرجو الماء آخر الوقت، أما إذا يئس من وجوده فيستحب له تقديمه أول الوقت عند الجمهور (الحنفية والمالكية والشافعية) وبعض الحنابلة.

وقيد الحنفية أفضلية التأخير إلى آخر الوقت بأن لا يخرج وقت الفضيلة لا مطلقا، حتى لا يقع المصلي في كراهة الصلاة بعد وقت الفضيلة.

واختلفوا في صلاة المغرب هل يؤخر أم لا؟ ذهب إلى ذلك فريق من الحنفية.

وأما المالكية فقد فصلوا في هذه المسألة، فقالوا: استحباب التأخير لمن كان يرجو وجود الماء ظناً أو يقيناً، أما إذا كان متردداً أو راجياً له فيتوسط في فعل الصلاة.

والشافعية خصوا أفضلية تأخير الصلاة بالتيمم بحالة تيقن وجود الماء آخر الوقت -مع جوازه في أثنائه- لأن الوضوء هو الأصل والأكمل، فإن الصلاة به -ولو آخر الوقت- أفضل منها بالتيمم أوله.

أما إذا ظن وجود الماء في آخره، فتعجيل الصلاة بالتيمم أفضل في الأظهر، لأن فضيلة التقديم محققة بخلاف فضيلة الوضوء.

والقول الثاني: التأخير أفضل.

أما إذا شك فالمذهب تعجيل الصلاة بالتيمم.

ومحل الخلاف إذا اقتصر على صلاة واحدة، فإن صلى أول الوقت بالتيمم وبالوضوء في أثنائه فهو النهاية في إحراز الفضيلة.

وذهب الحنابلة إلى أن تأخير الصلاة بالتيمم أولى بكل حال وهو المنصوص عن أحمد، لقول علي -رضي الله عنه- في الجنب: يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء وإلا تيمم، ولأنه يستحب التأخير للصلاة إلى ما بعد العشاء وقضاء الحاجة كيلا يذهب خشوعها، وحضور القلب فيها، ويستحب تأخيرها لإدراك الجماعة، فتأخيرها لإدراك الطهارة المشترطة أولى.



ما يجوز فعله بالتيمم الواحد:

لما كان التيمم بدلاً عن الوضوء والغسل يصح به ما يصح بهما كما سبق، لكن على خلاف بين الفقهاء فيما يصح بالتيمم الواحد.

فذهب الحنفية إلى أن المتيمم يصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل، لأنه طهور عند عدم الماء كما سبق. واستدلوا بحديث: "الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين" وبالقياس على الوضوء، وعلى مسح الخف، لأن الحدث الواحد لا يجب له طهران.

وذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا يصلي بتيمم واحد فرضين، فلا يجوز للمتيمم أن يصلي أكثر من فرض بتيمم واحد، ويجوز له أن يجمع بين النوافل، وبين فريضة ونافلة إن قدم الفريضة عند المالكية.

أما عند الشافعية فيتنفل ما شاء قبل المكتوبة وبعدها لأنها غير محصورة، واستدلوا بقول ابن عباس رضي الله عنه (من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة ثم يتيمم للصلاة الأخرى).

وهذا مقتضى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه طهارة ضرورية، فلا يصلي بها فريضتين، كما استدلوا بأن الوضوء كان لكل فرض لقوله تعالى:

إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6] والتيمم بدل عنه، ثم نسخ ذلك في الوضوء، فبقي التيمم على ما كان عليه، ولقول ابن عمر يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث.

وذهب الحنابلة إلى أنه إذا تيمم صلى الصلاة التي حضر وقتها، وصلى به فوائت ويجمع بين صلاتين، ويتطوع بما شاء ما دام في الوقت، فإذا دخل وقت صلاة أخرى بطل تيممه وتيمم، واستدل الحنابلة بأنه كوضوء المستحاضة يبطل بدخول الوقت.

ويجوز عند المالكية والشافعية في الأصح صلاة الجنازة مع الفرض بتيمم واحد، لأن صلاة الجنازة لما كانت فرض كفاية سلك بها مسلك النفل في جواز الترك في الجملة.

ويجوز بالتيمم أيضاً قراءة القرآن إن كان جنباً ومس المصحف، ودخول المسجد للجنب، وأما المرور فيجوز بلا تيمم.

وعند الشافعية يجدد التيمم للنذر لأنه كالفرض في الأظهر، ولا يجمعه في فرض آخر.

ويصح عند الشافعية لمن نسي صلاة من الصلوات الخمس أن يصليها جميعاً بتيمم واحد، لأنه لما نسي صلاة ولم يعلم عينها وجب عليه أن يصلي الخمس لتبرأ ذمته بيقين -وإنما جاز التيمم الواحد لهنّ لأن المقصود بهنّ واحدة والباقي وسيلة.

وعند المالكية يتيمم خمساً، لكل صلاة تيمم خاص بها، ولا يجمع بين فرضين بتيمم واحد.



ما يصح فعله بالتيمم مع وجود الماء:

ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يصح فعل عبادة مبنية على الطهارة بالتيمم عند وجود الماء إلا لمريض، أو مسافر وجد الماء لكنه محتاج إليه، أو عند خوف البرد وعلى هذا فمن فعل شيئاً من العبادات المبنية على الطهارة بالتيمم مع وجود الماء في غير الأموال المذكورة بطلت عبادته ولم تبرأ ذمته منها.

وذهب الحنفية -في المفتى به عندهم- إلى جواز التيمم لخوف فوت صلاة جنازة- أي: فوت جميع تكبيراتها- أما إذا كان يرجو أن يدرك بعض تكبيراتها فلا يتيمم لأنه يمكنه أداء الباقي وحده، سواء كان بلا وضوء، أو كان جنباً، أو حائضاً، أو نفساء إذا انقطع دمها على العادة.

لكنهم اشترطوا في الحائض أن يكون انقطاع دمها لأكثر الحيض.

أما إذا كان الانقطاع لتمام العادة فلا بد أن تصير الصلاة دينا في ذمتها، أو تغتسل، أو يكون تيمماً كاملاً بأن يكون عند فقد الماء.

ولو جيء بجنازة أخرى إن أمكنه التوضؤ بينهما، ثم زال تمكنه أعاد التيمم وإلا لا يعيد، وعند محمد يعيد على كل حال.

واختلفوا في ولي الميت، هل يجوز له التيمم لأن له حق التقدم، أو ينتظر لأن له حق الإعادة ولو صلوا؟ فيه خلاف في النقل عن أبي حنيفة.

ويجوز التيمم عند وجود الماء أيضاً لخوف فوت صلاة العيد بفراغ إمام، أو زوال شمس ولو بناء على صلاته بعد شروعه متوضئأ وسبق حدثه فيتيمم لإكمال صلاته، بلا فرق بين كونه إماماً أو مأموما في الأصح، لأن المناط خوف الفوت لا إلى بدل.

وكذا كل صلاة غير مفروضة خاف فوتها ككسوف وخسوف، وسنن رواتب ولو سنة فجر خاف فوتها وحدها، لأنها تفوت لا إلى بدل، هذا على قياس أبي حنيفة وأبي يوسف، أما على قياس محمد فلا يتيمم لها، لأنها إذا فاتته لاشتغاله بالفريضة مع الجماعة يقضيها بعد ارتفاع الشمس عنده، وعندهما لا يقضيها.

ويجوز التيمم عند الحنفية أيضاً عند وجود الماء لكل ما يستحب له الطهارة، ولا تشترط كنوم وسلام وردّ سلام، ولدخول مسجد والنوم فيه، وإن لم تجز به الصلاة.

ولا يجوز التيمم عند الحنفية مع وجود الماء لخوف فوت جمعة، ووقت، ولو وتراً، لفواتها إلى بدل.

وقال زفر: يتيمم لفوات الوقت.

فالأحوط أن يتيمم ويصلي ثم يعيد.



حكم فاقد الطهورين:

فاقد الطهورين هو الذي لم يجد ماء ولا صعيدا يتيمم به، كأن حبس في مكان ليس فيه واحد منهما، أو في موضع نجس ليس فيه ما يتيمم به، وكان محتاجاً للماء الذي معه لعطش، وكالمصلوب وراكب سفينة لا يصل إلى ماء، وكمن لا يستطيع الوضوء ولا التيمم لمرض ونحوه.

فذهب جمهور العلماء إلى أن صلاة فاقد الطهورين واجبة لحرمة الوقت ولا تسقط عنه مع وجوب إعادتها عند الحنفية والشافعية، ولا تجب إعادتها عند الحنابلة، وأما عند المالكية فإن الصلاة عنه ساقطة على المعتمد من المذهب أداء وقضاء.



التيمم للجبيرة والجرح وغيرهما:

اتفق الفقهاء على أن من كان في جسده كسور أو جروح أو قروح ونحو ذلك، فإن لم يخف ضرراً أو شيناً وجب غسلها في الوضوء والغسل، فإن خاف شيئاً من ذلك فيجوز المسح على الجرح ونحوه، ويجوز التيمم وذلك في أحوال خاصة يذكر تفصيلها والخلاف فيها في مصطلح: (جبيرة).

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://pontera.yoo7.com
غــــريــــب
الــمــديــر الــعــام


عدد المساهمات: 2566
نقاط: 7147
تاريخ التسجيل: 01/10/2010
الموقع: الــمــغــرب

مُساهمةموضوع: رد: الفقه الإسلامي   الثلاثاء أكتوبر 12, 2010 5:23 am

الــحــيــض

تعريفه لغة:

مصدر حاض، يقال: حاض السيل إذا فاض،وحاضت المرأة: سال دمها.

تعريفه شرعاً:

هو دم ينفضه رحم المرأة سليمة عن داء وصغر.

أو دم جبلة يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها على سبيل الصحة من غير سبب في أوقات معلومة.



الحكم التكليفي لتعلم أحكام الحيض:

يجب على المرأة تعلم ما تحتاج إليه من أحكام الحيض. وعلى زوجها أو وليها أن يعلمها ما تحتاج إليه منه إن علم، وإلا أذن لها بالخروج لسؤال العلماء، ويحرم عليه منعها إلا أن يسأل هو ويخبرها فتستغني بذلك. ولها أن تخرج بغير إذنه إن لم يأذن لها.

وهو من علم الحال المتفق على فرضية تعلمه.



ركن الحيض:

صرح فقهاء الحنفية بأن للحيض ركناً، وهو بروز الدم من الرحم، أي ظهور الدم بأن يخرج من الفرج الداخل إلى الفرج الخارج، فلو نزل إلى الفرج الداخل فليس بحيض وبه يفتى.

وما صرح به الحنفية لا يأباه فقهاء المذاهب الأخرى حيث إنهم يعرفون الحيض بأنه (دم يخرج...).

شروط الحيض:

هناك شروط لا بد من تحققها حتى يكون الدم الخارج حيضاً.

1- أن يكون رحم امرأة لا داء بها ولا حبل. فالخارج من الدبر ليس بحيض، وكذا الخارج من رحم البالغة بسبب داء يقتضي خروج دم بسببه.

2- ألا يكون بسبب الولادة، فالخارج بسبب الولادة دم نفاس لا حيض.

3- أن يتقدمه نصاب الطهر ولو حكماً. ونصاب الطهر مختلف فيه فهو خمسة عشر يوماً عند الحنفية والمالكية والشافعية، وثلاثة عشر يوماً عند الحنابلة.

4- ألا ينقص الدم عن أقل الحيض، حيث إن للحيض مدة لا ينقص عنها، فإذا نقص علمنا أنه ليس بدم حيض.

5- أن يكون في أوانه، وهو تسع سنين قمرية، فمتى رأت دماً قبل بلوغ السن لم يكن حيضاً، وإذا رأت دماً بعد سن الإياس لم يكن حيضاً أيضاً.



ما تراه الحائض من ألوان أثناء الحيض:

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، لأنه الأصل فيما تراه المرأة في زمن الإمكان.

والصفرة والكدرة: هما شيء كالصديد. واختلف الفقهاء في الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض.

فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنهما ليسا بحيض في غير أيام الحيض، لقول أم عطية:

" كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً" .

وقال المالكية والشافعية إلى أنهما حيض. إذا رأتهما المعتادة بعد عادتها، فإنها تجلس أيامهما عند الشافعية.



السن التي تحيض فيها المرأة:

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن أقل سن تحيض له المرأة تسع سنين قمرية.

سن الإياس:

وحدّ التمرتاشي -من علماء الحنفية- سن الإياس بخمسين سنة، وقال: وعليه المعول. وعليه الفتوى في زماننا. وحدّه كثير منهم بخمس وخمسين سنة.

وقال الشافعية: بتحديده باثنتين وستين سنه لأنه باعتبار الغالب حتى لا يعتبر النقص عنه.

وعند المالكية أقوال ملخصها: بنت سبعين سنة ليس دمها بحيض، وبنت خمسين يسأل النساء، فإن جزمن بأنه حيض أو شككن فهو حيض وإلا فلا، والمراهقة وما بعدها للخمسين يجزم بأنه حيض ولا سؤال، والمرجع في ذلك العرف والعادة.

وقال الحنابلة: إلى إن أكثر سن تحيض فيه المرأة خمسون سنة.



أقل فترة الحيض وأكثرها:

ذهب الحنفية إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام بلياليها -وقدروها باثنتين وسبعين ساعة، وأكثره عشرة أيام بلياليها.

وذهب المالكية إلى أنه لا حد لأقله بالزمان، ولذلك بينوا أقله في المقدار وهو دفعة، قالوا: وهذا بالنسبة إلى العبادة، وأما في العدة والاستبراء فلا بد من يوم أو بعضه.

وأما أكثره فإنه يختلف عندهم بوجود الحمل وعدمه، فأكثر الحيض لغير الحامل خمسة عشر يوماً سواء كانت مبتدأة أو معتادة، غير أن المعتادة -وهي التي سبق لها حيض ولو مرة- تستظهر ثلاثة أيام على أكثر عادتها إن تمادى بها.

فإذا اعتادت خمسة ثم تمادى مكثت ثمانية، فإن تمادى في المرة الثالثة مكثت أحد عشر. فإن تمادى في الرابعة مكثت أربعة عشر، فإن تمادى في مرة أخرى مكثت يوماً ولا تزيد على الخمسة عشر.

وأما الحامل -وهي عندهم تحيض- فأكثر حيضها يختلف باختلاف الأشهر سواء كانت مبتدأة أو معتادة.

وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً بلياليهن.

أحوال الحائض:

الحائض إما أن تكون مبتدأة، أو معتادة، أو متحيرة.

فالمبتدأة: هي من كانت في أول حيض أو نفاس، أو هي التي لم يتقدم لها حيض قبل ذلك.

والمعتادة: عند الحنفية هي من سبق منها دم وطهر صحيحان أو أحدهما .

وقال المالكية: هي التي سبق لها حيض ولو مرة.

وهي عند الشافعية من سبق لها حيض وطهر وهي تعلمهما قدراً ووقتاً.

ومذهب الحنابلة أن العادة لا تثبت إلا في ثلاثة أشهر -في كل شهر مرة- ولا يشترطون فيها التوالي.

والمتحيرة: من نسيت عادتها عدداً أو مكاناً.

وقال الشافعية: هي المستحاضة غير المميزة الناسية للعادة.



أ- المبتدأة:

إذا رأت المبتدأة الدم وكان في زمن إمكان الحيض -أي في سن تسع سنوات فأكثر- ولم يكن الدم ناقصاً عن أقل الحيض ولا زائداً على أكثره فإنه دم حيض، ويلزمها أحكام الحائض، لأن دم الحيض جبلة وعادة، ودم الاستحاضة لعارض من مرض ونحوه، والأصل عدمه.

فإذا انقطع الدم لدون أقل الحيض فليس بحيض لعدم صلاحيته له، بل هو دم فساد.

ثم إن للمبتدأة أحوالاً، بحسب انقطاع الدم واستمراره.

الحالة الأولى: انقطاع الدم لتمام أكثر الحيض فما دون:

إذا انقطع الدم دون أكثر الحيض أو لأكثره ولم يجاوز ورأت الطهر، طهرت، ويكون الدم بين أول ما تراه إلى رؤية الطهر حيضاً، يجب عليها خلاله ما يجب على الحائض، وهو ما ذهب إليه الحنفية والمالكية والشافعية.

وذهب الحنابلة إلى أن الدم إن جاوز أقل الحيض ولم يعبر أكثره، فإن المبتدأة لا تجلس المجاوز لأنه مشكوك فيه، بل تغتسل عقب أقل الحيض وتصوم وتصلي فيما جاوزه، لأن المانع منها هو الحيض وقد حكم بانقطاعه، وهو آخر الحيض حكماً، أشبه آخره حسا.

الحالة الثانية: استمرار الدم وعبوره أكثر مدة الحيض:

اختلف الفقهاء فيما إذا استمر دم المبتدأة وجاوز أكثر الحيض، فمذهب الحنفية والمالكية إلى أن حيضها أكثر فترة الحيض وطهرها ما جاوزه. فذهب الحنفية أن حيضها في كل شهر عشرة، وطهرها عشرون.

والمشهور عند المالكية أنها تمكث خمسة عشر يوماً -لأكثر فترة الحيض عندهم- أخذاً بالأحوط ثم هي مستحاضة.

ب-المعتادة:

ثبوت العادة:

ذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والمالكية والشافعية -إلى أن العادة تثبت بمرة واحدة في المبتدأة.

وذهب الحنابلة إلى أنها لا تثبت إلا بثلاث مرات في كل شهر مرة.

واختلف الحنفية في المعتادة إذا رأت ما يخالف عادتها مرة واحدة، هل يصير ذلك المخالف عادة لها أم لا بد من تكراره؟ فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يصير ذلك عادة بمرة واحدة. وذهب محمد إلى أنه لا يصير عادة إلا بتكراره.

أحوال المعتادة:

المعتادة إما أن ترى من الدم ما يوافق عادتها،أو ينقطع الدم دون عادتها، أو يجاوز عادتها.

موافقة الدم للعادة:

اتفق الفقهاء على أنه إذا رأت المعتادة ما يوافق عادتها بأن انقطع دمها ولم ينقص أو يزد على عادتها، فأيام الدم حيض وما بعدها طهر. فإن كانت عادتها خمسة أيام حيضاً. وخمسة وعشرين طهراً ورأت ما يوافق ذلك، فحيضها خمسة أيام، وطهرها خمسة وعشرون كعادتها.



انقطاع الدم دون العادة:

اتفق الفقهاء على أنه إذا انقطع دم المعتادة دون عادتها، فإنها تطهر بذلك ولا تتمم عادتها،بشرط أن لا يكون انقطاع الدم دون أقل الحيض. ومنع الحنفية وطأها حينئذ حتى تمضي عادتها وإن اغتسلت. قالوا: لأن العود في العادة غالب فكان الاحتياط في الاجتناب.

ومذهب الجمهور أنه يجوز وطؤها. وقد صرح الحنابلة بعدم كراهته كسائر الطاهرات.

وإن عاد الدم بعد انقطاعه، فمذهب الحنفية أنه يبطل الحكم بطهارتها بشرط أن يعود في مدة أكثر الحيض -عشرة أيام- ولم يتجاوزها إلى العشرة، فإذا رأت الدم في اليوم الأول تترك الصلاة والصوم. وإذا طهرت في الثاني توضأت وصّلت وفي الثالث تترك الصلاة والصوم. وفي الرابع تغتسل وتصلي وهكذا إلى العشرة.

ومذهب المالكية فيما لو عاد الدم بعد انقطاعه، فإن كان مقدار الانقطاع لا يبلغ أقل الطهر ألغي ولم يحتسب به، وأضيف الدم الأول إلى الثاني، وجعل حيضة منقطعة تغتسل منها المرأة عند إدبار الدم وإقبال الطهر، يوماً كان أو أكثر، وتصلي فإذا عاد الدم إليها كفّت عن الصلاة وضمته إلى أيام دمها، وعدته من حيضتها.

وذهب الشافعية إلى أنه إذا عاد الدم بعد النقاء، فالكل حيض -الدم والنقاء- بشروط: وهي أن لا يجاوز ذلك خمسة عشر يوماً، ولم تنقص الدماء من أقل الحيض، وأن يكون النقاء محتوشا بين دمي الحيض.

وذهب الحنابلة إلى أنها إن طهرت في أثناء عادتها طهراً خالصاً ولو أقل مدة فهي طاهر تغتسل وتصلي وتفعل ما تفعله الطاهرات، ولا يكره وطء الزوج لها بعد الاغتسال فإن عاودها الدم في أثناء العادة ولم يجاوزها، فإنها تجلس زمن الدم من العادة كما لو لم ينقطع، لأنه صادف زمن العادة.

مجاوزة الدم للعادة:

اختلف الفقهاء فيما إذا جاوز دم المعتادة عادتها.

فذهب الحنفية إلى أنه إذا رأت المعتادة ما يخالف عادتها، فإما أن تنتقل عادتها أوْلاً، فإن لم تنتقل ردت إلى عادتها، فيجعل المرئي فيها حيضاً وما جاوز العادة استحاضة، وإن انتقلت فالكل حيض فإذا استمر دم المعتادة وزاد على أكثر الحيض فطهرها وحيضها ما اعتادت فترد إليها فيهما في جميع الأحكام إن كان طهرها أقل من ستة أشهر، فإن كان طهرها ستة أشهر فأكثر فإنه لا يقدر حينئذ بذلك.

وذهب المالكية إلى أنه إذا تمادى دم الحيض على المعتادة، فإنها تستظهر ثلاثة أيام من أيام الدم الزائد على أكثر عادتها، ثم هي طاهر بشرط أن لا تجاوز خمسة عشر يوماً، فإذا اعتادت خمسة أيام أولاً، ثم تمادى، مكثت ثمانية، فإن تمادى في المرة الثالثة مكثت أحد عشر، فإن تمادى في الرابعة مكثت أربعة عشر. فإن تمادى في مرة أخرى فلا تزيد على الخمسة عشر. ومن كانت عادتها ثلاثة عشر فتستظهر يومين. ومن عادتها خمسة عشر فلا استظهار عليها.

وذهب الشافعية إلى أنه إن جاوز الدم عادتها ولم يعبر أكثر الحيض فالجميع حيض، لأن الأصل استمرار الحيض.

والمذهب عند الحنابلة أنها لا تلتفت إلى ما خرج عن عادتها قبل تكرره، فما تكرر من ذلك ثلاثاً أومرتين على اختلاف في ذلك فهو حيض، وإلا فلا، فتصوم وتصلي قبل التكرار.

انتقال العادة:

مذهب الحنفية في انتقال العادة:

إذا رأت المعتادة ما يخالف عادتها في الحيض. فإذا لم يجاوز الدم العشرة الأيام، فالكل حيض، وانتقلت العادة عدداً فقط إن طهرت بعده طهراً صحيحاً خمسة عشر يوماً، وإن جاوز العشرة الأيام ردت إلى عادتها، لأنه صار كالدم المتوالي.

انتقال العادة عند غير الحنفية:

صرح المالكية والشافعية والحنابلة بأن العادة قد تنتقل، فتتقدم أو تتأخر، أو يزيد قدر الحيض أو ينقص. ومن أمثلة انتقال العادة عند المالكية ما إذا تمادى دم المعتادة وزاد على عادتها فإنها تستظهر بثلاثة أيام على عادتها، ويصير الاستظهار عادة لها.

أنواع العادة:

العادة قسمان: متفقة، ومختلفة.

فالمتفقة ما كانت أياماً متساوية، كسبعة من كل شهر، فهذه تجلس أيام عادتها ولا تلتفت إلى ما زاد عليها.

والمختلفة هي ما كانت أياماً مختلفة، وهي قسمان:

مرتبة، بأن ترى في شهر ثلاثة، وفي الثاني أربعة، وفي الثالث خمسة، ثم تعود إلى مثل ذلك. فهذه إذا استحيضت في شهر وعرفت نوبته عملت عليه. وإن نسيت نوبته جلست الأقل، وهو ثلاثة لأنه المتيقن.

وغير مرتبة: بأن تتقدم هذه مرة، هذه أخرى كأن تحيض في شهر ثلاثة، وفي الثاني خمسة، وفي الثالث أربعة. فإن أمكن ضبطه بحيث لا يختلف هو، فالتي قبلها، وإن لم يمكن ضبطه ردت إلى ما قبل شهر الإستحاضة عند الشافعية بناء على ثبوت العادة بمرة.

وعند الحنابلة تجلس الأقل في كل شهر.



الطهر من الحيض:

أقل الطهر وأكثره:

أجمع الفقهاء على أنه لا حد لأكثر الطهر، لأن المرأة قد لا تحيض أصلاً.

واختلفوا في أقل الطهر . فذهب الحنفية والمالكية على المشهور، والشافعية إلى أن أقل طهر بين حيضتين خمسة عشر يوماً بلياليها، لأن الشهر غالباً لا يخلو من حيض وطهر، وإذا كان أكثر الحيض خمسة عشر لزم أن يكون أقل الطهر كذلك. واستدل الحنفية على ذلك بإجماع الصحابة.

وذهب الحنابلة إلى أن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً.

علامة الطهر:

الطهر من الحيض يتحقق بأحد أمرين، إما انقطاع الدم، أو رؤية القصة.

والمقصود بانقطاع الدم الجفاف بحيث تخرج الخرقة غير ملوثة بدم، أو كدرة، أو صفرة. فتكون جافة من كل ذلك، ولا يضر بللها بغير ذلك من رطوبة.

والقصة ماء أبيض يخرج من فرج المرأة يأتي في آخر الحيض. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "لما كانت النساء يبعثن إليها بالدُّرجة (اللفافة) فيها الكُرْسف (القطن) فيه الصفرة من دم الحيض. لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء".

وقد صرح الحنفية والشافعية بأن الغاية الانقطاع، فإذا انقطع طهرت، سواء خرجت بعده رطوبة بيضاء أم لا.

وفرق المالكية بين معتادة الجفوف، ومعتادة القصة، ومعتادة القصة مع الجفوف. فمعتادة الجفوف إذا رأت القصة أولاً، لا تنتظر الجفوف وإذا رأت الجفوف أولاً، لا تنتظر القصة.

وأما معتادة القصة فقط، أو مع الجفوف إذا رأت الجفوف أولاً، ندب لها انتظار القصة لآخر الوقت المختار. وإن رأت القصة أولاً فلا تنتظر شيئاً بعد ذلك. فالقصة أبلغ لمعتادتها، ولمعتادتها مع الجفوف أيضاً.

حكم الطهر المتخلل بين أيام الحيض:

اختلف الفقهاء في النقاء المتخلل بين أيام الحيض، هل هو حيض أو طهر؟ فذهب الحنفية والشافعية إلى أنه حيض.

وذهب المالكية والحنابلة إلى أنه طهر.

دم الحامل:

اختلف الفقهاء في دم الحامل هل هو دم حيض، أو علة وفساد؟.

فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن دم الحامل دم علة وفساد، وليس بحيض، لحديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبي أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض" فجعل الحيض علما على براءة الرحم، فدل على أنه لا يجتمع معه.

وذهب المالكية والشافعية إلى أن دم الحامل حيض، إن توافرت شروطه لعموم الأدلة.

وإجماع أهل المدينة عليه، ولأنه دم متردد بين دمي الجِبِلَّة والعلة، والأصل السلامة من العلة، لأنه دم لا يمنعه الرضاع بل إذا وجد معه حكم بكونه حيضاً، وإن ندر فكذا لا يمنعه الحيض.

أنواع الطهر:

قسم الحنفية الطهر إلى صحيح، وفاسد، وإلى تام، وناقص.

فالطهر الصحيح: هو النقاء خمسة عشر يوماً فأكثر لا يشوبه خلالها دم مطلقاً لا في أوله، ولا في وسطه، ولا في آخره، ويكون بين دمين صحيحين.

والطهر الفاسد ما خالف الصحيح في أحد أوصافه، بأن كان أقل من خمسة عشر، أو خالطه دم أو لم يقع بين دمين صحيحين.

فإذا كان الطهر أقل من خمسة عشر يوماً، فإنه طهر فاسد، ويجعل كالدم المتوالي. ولو كان خمسة عشر يوماً، لكن خالطه دم صار طهراً فاسداً.

والطهر التام ما كان خمسة عشر يوماً فأكثر سواء أكان صحيحاً، أم فاسداً.

والطهر الناقص: ما نقص عن خمسة عشر يوماً، وهو نوع من الطهر الفاسد.



ما يترتب على الحيض:

(1) البلوغ:

اتفق الفقهاء على أن الحيض علامة من علامات البلوغ التي يحصل بها التكليف، فإذا رأت المرأة الدم في زمن الإمكان، فأصبحت بالغة مكلفة يجب عليها ما يجب على البالغات المكلفات.

(2) التطهر:

صرح الحنفية والمالكية والشافعية بأنه لا تصح طهارة الحائض، فإذا اغتسلت الحائض لرفع حدث الجنابة، فلا يصح غسلها.

وذهب الحنابلة إلى أن الحائض إن اغتسلت للجنابة زمن حيضها صح غسلها، واستحب تخفيفاً للحدث، ويزول حكم الجنابة. لأن بقاء أحد الحدثين لا يمنع ارتفاع الآخر.

غسل الحائض:

اتفق الفقهاء على أن الحيض موجب من موجبات الغسل، فإذا انقطع الدم وجب على المرأة أن تغتسل لاستباحة ما كانت ممنوعة منه بالحيض.

وغسل الحيض كغسل الجنابة، ويستحب للمغتسلة من الحيض غير المحرمة والمحدة تطييب موضع الدم.

طهارة الحائض:

لا خلاف بين الفقهاء في طهارة جسد الحائض، وعرقها، وسؤرها، وجواز أكل طبخها وعجنها، وما مسته من المائعات، والأكل معها ومساكنتها.

(3)الصلاة:

اتفق الفقهاء على عدم صحة الصلاة من الحائض، إذ الحيض مانع لصحتها. كما أنه يمنع وجوبها، ويحرم عليها أداؤها.

وصرح الحنفية والشافعية والحنابلة بأن سجود التلاوة والشكر في معنى الصلاة فيحرمان على الحائض.

كما اتفق الفقهاء على أن قضاء ما فات الحائض في أيام حيضها ليس بواجب.



إدراك وقت الصلاة:

الحائض إما أن تدرك أول وقت الصلاة بأن تكون طاهراً قم يطرأ الحيض، أو تدرك آخر الوقت بأن تكون حائضاً ثم تطهر.

(أ) إدراك أول الوقت:

اختلف الفقهاء فيما إذا أدركت الحائض أول الوقت، بأن كانت طاهراً ثم حاضت هل تجب عليها تلك الصلاة أولاً.

فذهب الحنفية إلى أنه إن طرأ الحيض في أثناء الوقت سقطت تلك الصلاة، ولو بعد ما افتتحت الفرض.

أما لو طرأ وهي في التطوع، فإنه يلزمها قضاء تلك الصلاة.

وذهب المالكية إلى أنه إن حدث الحيض في وقت مشترك بين الصلاتين سقطت الصلاتان، وإن حدث في وقت مختص بإحداهما، سقطت المختصة بالوقت وقضيت الأخرى.

وذهب الشافية إلى أنه إن طرأ الحيض في أول الوقت، فإنه تجب عليها تلك الصلاة فقط إن أدركت قدر الفرض، ولا تجب معها الصلاة التي تجمع معها بعدها، ويجب الفرض الذي قبلها أيضاً، إن كانت تجمع معها وأدركت قدره ولم تكن قد صّلته لتمكنها من فعل ذلك.

وذهب الحنابلة إلى أنه إن أدركت المرأة من أول الوقت قدر تكبيرة، ثم طرأ الحيض لزمها قضاء تلك الصلاة التي أدركت التكبيرة من وقتها فقط، لأن الصلاة تجب بدخول أول الوقت على مكلف، لم يقم به مانع وجوباً مستقراً، فإذا قام به مانع بعد ذلك لم يسقطها. فيجب قضاؤها عند زوال المانع.



(ب) إدراك آخر الوقت:

اختلف الفقهاء في مقدار الوقت الذي تدرك فيه الحائض الصلاة إن طهرت. فذهب الحنفية إلى التفريق بين انقطاع الدم لأكثر الحيض، انقطاعه قبل أكثر الحيض بالنسبة للمبتدأة، وانقطاع دم المعتادة في أيام عادتها أو بعدها، أو قبلها بالنسبة للمعتادة.

فإن كان انقطاع الدم لأكثر الحيض في المبتدأة، فإنه تجب عليها الصلاة لو بقي من الوقت مقدار تحريمه، وإن بقي من الوقت ما يمكنها الاغتسال فيه أيضا، فأنه يجب أداء الصلاة. فإن لم يبق من الوقت هذا المقدار فلا قضاء ولا أداء. فالمعتبر عندهم الجزء الأخير من الوقت بقدر التحريمة. فلو كانت فيه طاهرة وجبت الصلاة وإلا فلا.

وذهب المالكية إلى أن الحائض تدرك الصلاة إذا بقي من الوقت ما يسع ركعة تامة، وذلك في صلاة الصبح والعصر والعشاء، فإذا طهرت الحائض قبل الطلوع، أو الغروب، أو الفجر بقدر ركعة، فإنها تجب عليها تلك الصلاة، ولا تدرك بأقل من ركعة على المشهور، وتدرك الظهر والمغرب إذا بقي من وقتها الضروري ما يسع فضل ركعة على الصلاة الأولى لا الثانية، فإذا طهرت الحائض وقد بقي من الليل قدر أربع ركعات صلت المغرب والعشاء، لأنه إذا صلت المغرب بقيت ركعة للعشاء.

وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الصلاة تجب على الحائض إذا طهرت وقد أدركت من آخر الوقت قدر تكبيرة، فيجب قضاؤها فقط إن لم تجمع مع التي قبلها، وقضاؤها وقضاء ما قبلها إن كانت تجمع، فإذا طهرت قبل طلوع الشمس، وبقي من الوقت ما يسع تكبيرة لزمها قضاء الصبح فقط، لأن التي قبلها لا تجمع إليها. وإن طهرت قبل غروب الشمس بمقدار تكبيرة لزمها قضاء الظهر والعصر، وكذا إن طهرت قبل طلوع الفجر بمقدار تكبيرة لزمها قضاء المغرب والعشاء،.

(4) الصوم

اتفق الفقهاء على تحريم الصوم على الحائض مطلقاً فرضاً أو نفلاً، وعدم صحته منها. كما اتفق الفقهاء على وجوب قضاء رمضان عليها.

إدراك الصوم:

لا خلاف بين الفقهاء في أنه إذا انقطع دم الحيض بعد الفجر، فإنه لا يجزيها صوم ذلك اليوم ويجب عليها قضاؤه، ويجب عليها الإمساك حينئذ عند الحنفية والحنابلة.

وعند المالكية يجوز لها التمادي على تعاطي المفطر ولا يستحب لها الإمساك.

وعند الشافعية لا يلزمها الإمساك.

كما اتفق الفقهاء على أنه إذا طهرت المرأة قبل الفجر، فإنه يجب عليها صوم ذلك اليوم.

(5) الحج:

1- أغسال الحج:

اتفق الفقهاء على سنية أغسال الحج للحائض، لحديث عائشة: قالت: قدمت مكة

وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة. قالت: فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "افعلي كما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري"[أخرجه البخاري].

فيسن لها أن تغتسل للإحرام، ولدخول مكة. وللوقوف بعرفة وغيرها من الأغسال المسنونة.

ب- الطواف:

لا خلاف بين الفقهاء في أن الحيض لا يمنع شيئاً من أعمال الحج إلا الطواف.

أ- قراءة القرآن:

اختلف الفقهاء في حكم قراءة الحائض للقرآن، فذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والشافعية والحنابلة- إلى حرمة قراءتها للقرآن لقوله النبي صلى الله عليه وسلم "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن" [أخرجه الترمذي ].

وهناك تفصيلات بيانها فيما يلي:

قال الحنفية: فلو قرأت الفاتحة على وجه الدعاء، أو شيئاً من الآيات التي فيها معنى

الدعاء، ولم ترد القراءة لا بأس به، وصرحوا أن ما ليس فيه معنى الدعاء كسورة المسد، لا تؤثر فيه نية الدعاء فيحرم، وقد أجازوا للمعلمة الحائض تعليم القرآن كلمة كلمة، وذلك بأن تقطع بين كل كلمتين.

ومذهب الشافعية حرمة قراءة القرآن للحائض ولو بعض آية، كحرف للإخلال بالتعظيم سواء أقصدت مع ذلك غيرها أم لا، وصرحوا بجواز إجراء القرآن على قلبها من غير تحريك اللسان، وجواز النظر في المصحف، وإمرار ما فيه في القلب، وكذا تحريك لسانها وهمسها بحيث لا تسمع نفسها، لأنها ليست بقراءة قرآن. ويجوز لها قراءة ما نسخت تلاوته.

ومذهب الحنابلة أنه يحرم عليها قراءة آية فصاعداً، ولا يحرم عليها قراءة بعض آية، لأنه لا إعجاز فيه، وذلك ما لم تكن طويلة.

وذهب المالكية إلى أن الحائض يجوز لها قراءة القرآن في حال استرسال الدم مطلقاً، كانت جنباً أم لا، خافت النسيان أم لا. وأما إذا انقطع حيضها، فلا تجوز لها القراءة حتى تغتسل جنباً كانت أم لا، إلا أن تخاف النسيان.

هذا هو المعتمد عندهم، لأنها قادرة على التطهر في هذه الحالة.



(ب) مس المصحف وحمله:

اتفق الفقهاء على أنه يحرم على الحائض مس المصحف من حيث الجملة لقوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة 79].

واستثنى المالكية من ذلك المعلمة والمتعلمة فإنه يجوز لها مس المصحف.

دخول المسجد:

اتفق الفقهاء على حرمة اللبث في المسجد للحائض.

واتفقوا على جواز عبورها للمسجد دون لبث في حالة الضرورة والعذر، كالخوف من السبع قياساً على الجنب لقوله تعالى:

{وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43] واللص والبرد والعطش.

ويرى الحنفية والمالكية حرمة دخولها المسجد مطلقاً سواء للمكث أو للعبور، واستثنى الحنفية من ذلك دخولها للطواف.

وذهب الشافعية والحنابلة إلى حرمة مرورها في المسجد إن خافت تلويثه بالنجاسة لأن تلويثه بالنجاسة محرم.

الاستمتاع بالحائض:

اتفق الفقهاء على حرمة وطء الحائض في الفرج لقوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222].

واختلف الفقهاء في الاستمتاع بما بين السرة والركبة، فذهب جمهور الفقهاء

-الحنفية والمالكية والشافعية- إلى حرمة الاستمتاع بما بين السرة والركبة، لحديث عائشة رضي الله عنها. قالت: "كانت إحدانا إذا كانت حائضاً فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباشرها أمرها أن تتزر ثم يباشرها. قالت: وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه [أخرجه: البخاري]

وقد أجاز الحنفية والشافعية الاستمتاع بما بين السرة والركبة من وراء حائل.

ومنعه المالكية. كما منع الحنفية النظر إلى ما تحت الإزار، وصرح المالكية والشافعية بجوازه ولو بشهوة.

كفارة وطء الحائض:

نص الشافعية على أن وطء الحائض في الفرج كبيرة من العامد المختار العالم بالتحريم، ويكفر مستحله.

وعند الحنفية لا يكفر مستحله لأنه حرام لغيره.

واستحب الحنفية والشافعية أن يتصدق بدينار إن كان الجماع في أول الحيض وبنصفه إن كان في آخره.

وطء الحائض بعد انقطاع الحيض:

ذهب جمهور الفقهاء -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أنه لا يحل وطء الحائض حتى تطهر -ينقطع الدم- وتغتسل. فلا يباح وطؤها قبل الغسل.

طلاق الحائض:

اتفق الفقهاء على أن إيقاع الطلاق في فترة الحيض حرام، وهو أحد أقسام الطلاق البدعي الذي نهى الشارع عنه.

كما ذهب جمهور الفقهاء إلى وقوع الطلاق في زمن الحيض، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما بالمراجعة، وهي لا تكون إلا بعد وقوع الطلاق.

وذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب مراجعتها، وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن مراجعتها سنة.

خلع الحائض:

ذهب جمهور الفقهاء -الحنفية والشافعية والحنابلة- إلى جواز الخلع في زمن الحيض لإطلاق قوله تعالى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]. ولحاجتها إلى الخلاص بالمفارقة حيث افتدت بالمال.

ما يحل بانقطاع الدم:

إذا انقطع دم الحيض لم يحل مما حرم غير الصوم والطلاق، ولم يبح غيرهما حتى تغتسل وإنما أبيح الصوم والطلاق بالانقطاع دون الغسل، أما الصوم فلأن تحريمه بالحيض لا بالحدث بدليل صحته من الجنب، وقد زال.

أحكام عامة:

1- إنزال ورفع الحيض بالدواء:

صرح الحنابلة بأنه يجوز للمرأة شرب دواء مباح لقطع الحيض إن أمن الضرر، وقيّدوا ذلك بإذن الزوج.

كما صرحوا بأنه يجوز للمرأة أن تشرب دواء مباحاً لحصول الحيض، إلا أن يكون لها غرض محرم شرعاً كفطر رمضان فلا يجوز.

وقد صرح الحنفية بأنه إذا شربت المرأة دواء فنزل الدم في أيام الحيض فإنه حيض وتنقضي به العدة.

2- ادعاء الحيض:

ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه إذا ادعت المرأة الحيض وأمكن ذلك قبل قولها وجوباً، لأنها مؤتمنة فيحرم وطؤها حينئذ وإن كذبها، وقيد الحنفية ذلك مما إذا كانت عفيفة أو غلب على الظن صدقها، أما لو كانت فاسقة ولم يغلب على الظن صدقها بأن كانت في غير أوان الحيض فلا يقبل قولها اتفاقاً.

وذهب الشافعية إلى أنها إن أخبرته بالحيض فإنه يحرم عليه مباشرتها إن صدقها وإلا فلا، وإذا صدقها وادعت دوامه صدقت.


الــنــفــاس

تعريف النفاس:

ذهب الحنفية والشافعية إلى أن النفاس: هو الدم الخارج عقب الولادة. أما الخارج مع الولد حال الولادة أو قبله، فهو دم فساد واستحاضة، فتتوضأ إن قدرت وتصلي، وأضاف الحنفية: أو تتيمم وتومىء في صلاتها ولا تؤخر الصلاة. واستثنى الشافعية الدم الخارج قبل الولادة المتصل بحيض قبله، بناء على أن الحامل تحيض عندهم، وذهب المالكية إلى أن: الدم الذي يخرج قبل الولادة هو دم حيض.

والنفاس عند الحنابلة الدم الخارج بسبب الولادة.

والدم النازل قبل الولادة بيومين أو ثلاثة مع أمارة كالطلق، والدم الخارج مع الولادة هو دم نفاس عندهم، كالدم الخارج عقب الولادة.

مدة النفاس:

أقل مدة النفاس: ذهب الشافعية إلى أنَّ أقلَّ النفاس لحظة أي مجة أو دفعة.

وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه: لا حد لأقله، لأنه لم يرد في الشرع تحديده، فيرجع فيه إلى الوجود الفعلي، وقد وجد قليلاً وكثيراً.

أكثر مدة النفاس:

ذهب المالكية والشافعية إلى أنَّ: أكثره ستون يوماً والمعتمد في ذلك

الاستقراء.

وذهب الحنفية والحنبلية إلى أنَّ: أكثر النفاس أربعون يوماً.

يحرم على النفاس ما يحرم على الحائض: أنظر بحث الحيض.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://pontera.yoo7.com
غــــريــــب
الــمــديــر الــعــام


عدد المساهمات: 2566
نقاط: 7147
تاريخ التسجيل: 01/10/2010
الموقع: الــمــغــرب

مُساهمةموضوع: رد: الفقه الإسلامي   الثلاثاء أكتوبر 12, 2010 5:25 am

الــصــلاة

التعريف:


الصلاة أصلها في اللغة: الدعاء، لقوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] أي ادع لهم. وفي الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليصلّ، وإن كان مفطراً فليطعم" رواه مسلم، أي ليدع لأرباب الطعام.

وفي الاصطلاح: قال الجمهور: هي أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم مع النية بشرائط مخصوصة.

وقال الحنفية: هي اسم لهذه الأفعال المعلومة من القيام والركوع والسجود.

مكانة الصلاة في الإسلام:

للصلاة مكانة عظيمة في الإسلام. فهي آكد الفروض بعد الشهادتين وأفضلها، وأحد أركان الإسلام الخمسة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" رواه البخاري، وقد نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم تاركها إلى الكفر فقال: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" رواه مسلم، وعن عبد الله شقيق العقيلي قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. فالصلاة عمود الدين الذي لا يقوم إلا به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وهي أول ما يحاسب العبد عليه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح ونجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر" رواه الترمذي كما أنها آخر وصية وصَّى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته عند مفارقته الدنيا فقال صلى الله عليه وسلم: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" رواه ابن ماجه، وهي آخر ما يفقد من الدين، فإن ضاعت ضاع الدّين كله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها. فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة". رواه أحمد.

كما أنها العبادة الوحيدة التي لا تنفك عن المكّلف، وتبقى ملازمة له طول حياته لا تسقط عنه بحال.

وقد ورد في فضلها والحث على إقامتها، والمحافظة عليها، ومراعاة حدودها آيات وأحاديث كثيرة مشهورة.

فرض الصلوات الخمس وعدد ركعاتها:

أصل وجوب الصلاة كان في مكة في أول الإسلام، لوجود الآيات المكية التي نزلت في بداية الرسالة تحث عليها.

وأما الصلوات الخمس بالصورة المعهودة فإنها فرضت ليلة الإسراء والمعراج على خلاف بينهم في تحديد زمنه.

وقد ثبتت فرضية الصلوات الخمس بالكتاب والسنة والإجماع :

أما الكتاب فقوله تعالى في غير موضع من القرآن.

{وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ} [البقرة: 110]، وقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} [النساء: 103] أي فرضاً مؤقتاً. وقوله تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238] ومطلق اسم الصلاة ينصرف إلى الصلوات المعهودة، وهي التي تؤدى في كل يوم وليلة.

وقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ الَّيْلِ} [هود: 114] يجمع الصلوات الخمس، لأن صلاة الفجر تؤدى في أحد طرفي النهار، وصلاة الظهر والعصر يؤديان في الطرف الآخر، إذ النهار قسمان غداة وعشي، والغداة اسم لأول النهار إلى وقت الزوال، وما بعده العشي، فدخل في طرفي النهار ثلاث صلوات ودخل في قوله: {وَزُلَفاً مِّنَ الَّيْلِ} المغرب والعشاء، لأنهما يؤديان في زلف من الليل وهي ساعاته. وقوله تعالى:

{أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} [الإسراء: 78] قيل: دلوك الشمس زوالها وغسق الليل أول ظلمته، فيدخل فيه صلاة الظهر والعصر، وقوله: {وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ} أي وأقم قرآن الفجر وهو صلاة الفجر. فثبتت فرضية ثلاث صلوات بهذه الآية وفرضية صلاتي المغرب والعشاء ثبتت بدليل آخر.

وقيل: دلوك الشمس غروبها فيدخل فيها صلاة المغرب والعشاء، وفرضية الظهر والعصر وثبتت بدليل آخر.

وأما السنة فما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال عام حجة الوداع : "اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وحجوا بيتكم، وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم تدخلوا جنة ربكم". رواه أحمد.

وقد انعقد إجماع الأمة على فرضية هذه الصلوات الخمس وتكفير منكرها.

حكمة تشريع الصلاة: الصلاة أعظم فروض الإسلام بعد الشهادتين، لحديث جابر : "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة". رواه مسلم.

وقد شرعت شكراً لنعم الله تعالى الكثيرة، ولها فوائد دينية وتربوية على المستويين الفردي والاجتماعي.

فوائد الصلاة الدينية: عقد الصلة بين العبد وربه، بما فيها من لذة المناجاة للخالق، وإظهار العبودية لله، وتفويض الأمر له، والتماس الأمن والسكينة والنجاة في رحابه، وهي طريق الفوز والفلاح، وتكفير السيئات والخطايا، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1 و 2] {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا* إِلا الْمُصَلِّينَ} [المعارج 19 - 22].

وقال صلى الله عليه وسلم: "أرأيتم لو أن نَهَراً بباب أحدكم، يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يَبْقى من دَرَنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: فكذلك مَثَل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا" متفق عليه.

وفي حديث آخر عن أبي هريرة أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن، ما لم تُغْشَ الكبائر" رواه مسلم والترمذي. وعن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: "إن العبد إذا قام يصلي، أُتي بذنوبه فوضعت على رأسه أو على عاتقه، فكلما ركع أو سجد، تساقطت عنه" رواه ابن حبان، أي حتى لا يبقى منها شيء إن شاء الله تعالى.

فوائد الصلاة الشخصية: التقرب بها إلى الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] وتقوية النفس والإرادة، والاعتزاز بالله تعالى دون غيره، والسمو عن الدنيا ومظاهرها، والترفع عن مغرياتها وأهوائها، وعما يحلو في النفس مما لدى الآخرين من جاه ومال وسلطان: {{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45].

كما أن في الصلاة راحة نفسية كبيرة، وطمأنينة روحية وبعداً عن الغفلة التي تصرف الإنسان عن رسالته السامية الخالدة في هذه الحياة، قال صلى الله عليه وسلم: "حُبِّب إلي من دنياكم: النساء والطيب، وجعلت قُرَّة عيني في الصلاة" رواه النسائي وأحمد، وكان عليه السلام إذا حَزبه أمر (أي نزل به هم أو غم) قال: "أرحنا بها يا بلال". رواه أبو داود وأحمد.

وفي الصلاة: تدرب على حب النظام والتزام التنظيم في الأعمال وشؤون الحياة، لأدائها في أوقات منظمة، وبها يتعلم المرء خصال الحلم والأناة والسكينة والوقار، ويتعود على حصر الذهن في المفيد النافع، لتركيز الانتباه في معاني آيات القرآن وعظمة الله تعالى ومعاني الصلاة.

كما أن الصلاة مدرسة خلقية عملية انضباطية تربي فضيلة الصدق والأمانة، وتنهى عن الفحشاء والمنكر:

{وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45].

فوائد الصلاة الاجتماعية: إقرار العقيدة الجامعة لأفراد المجتمع، وتقويتها في نفوسهم، وفي تنظيم الجماعة في تماسكها حول هذه العقيدة، وفيها تقوية الشعور بالجماعة، وتنمية روابط الانتماء للأمة، وتحقيق التضامن الاجتماعي، ووحدة الفكر والجماعة التي هي بمثابة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

وفي صلاة الجماعة: فوائد عميقة وكثيرة، من أهمها إعلان مظهر المساواة، وقوة الصف الواحد، ووحدة الكلمة، والتدرب على الطاعة في القضايا العامة أو المشتركة باتباع الإمام فيما يرضي الله تعالى، والاتجاه نحو هدف واحد وغاية نبيلة سامية هي الفوز برضوان الله تعالى.

كما أن بها تعارف المسلمين وتآلفهم، وتعاونهم على البر والتقوى، وتغذية الاهتمام بأوضاع وأحوال المسلمين العامة، ومساندة الضعيف والمريض والسجين والملاحَق بتهمة والغائب عن أسرته وأولاده. ويعد المسجد والصلاة فيه مقراً لقاعدة شعبية منظمة متعاونة متآزرة، تخرِّج القيادة، وتدعم السلطة الشرعية، وتصحح انحرافاتها وأخطاءها بالكلمة الناصحة والموعظة الحسنة، والقول الليِّن، والنقد البناء الهادف، لأن "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" حديث.

والصلاة تميِّز المسلم عن غيره، فتكون طريقاً للثقة والائتمان، وبعث روح المحبة والمودة فيما بين الناس : "من استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم".

حكم تارك الصلاة:

لتارك الصلاة حالتان: إما أن يتركها جحوداً لفرضيتها، أو تهاوناً وكسلاً لا جحوداً.

فأما الحالة الأولى: فقد أجمع العلماء على أن تارك الصلاة جحوداً لفرضيتها كافر مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كفراً كجاحد كل معلوم من الدين بالضرورة، ومثل ذلك ما لو جحد ركنا أو شرطاً مجمعاً عليه. واستثنى الشافعية والحنابلة من ذلك من أنكرها جاهلاً لقرب عهده بالإسلام أو نحوه فليس مرتداً، بل يعرّف الوجوب، فإن عاد بعد ذلك صار مرتداً.

وأما الحالة الثانية: فقد اختلف الفقهاء فيها - وهي: ترك الصلاة تهاوناً وكسلاً لا جحوداً - فذهب المالكية والشافعية إلى أنه يقتل حداً أي أن حكمه بعد الموت حكم المسلم فيغسل، ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" رواه البخاري ومسلم، ولأنه تعالى أمر بقتل المشركين ثم قال: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] وقالصلى الله عليه وسلم: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة" رواه أبوا داود، فلو كفر لم يدخل تحت المشيئة. وذهب الحنفية إلى أن تارك الصلاة تكاسلاً عمداً فاسق لا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يموت أو يتوب.

وذهب الحنابلة: إلى أن تارك الصلاة تكاسلاً يدعى إلى فعلها ويقال له: إن صليت وإلاّ قتلناك، فإن صلى وإلا وجب قتله ولا يقتل حتى يحبس ثلاثاً ويدعى في وقت كل صلاة، فإن صلى وإلا قتل حداً، وقيل كفراً، أي لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين. لكن لا يرق ولا يسبى له أهل ولا ولد كسائر المرتدين. لما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" رواه مسلم، وروى بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من تركها فقد كفر" رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وروى عبادة مرفوعاً "من ترك الصلاة متعمداً فقد خرج من الملة" وكل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء. ولأنه يدخل بفعلها في الإسلام، فيخرج بتركها منه كالشهادتين. وقال عمر رضي الله عنه: "لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة" رواه الطبراني، وكذا عندهم لو ترك ركناً أو شرطاً مجمعاً عليه كالطهارة والركوع والسجود، ولا يقتل بترك صلاة فائتة.

كما اختلف القائلون بالقتل في محله. فمحله عند المالكية هو بقاء ركعة بسجدتيها من الوقت الضروري إن كان عليه فرض واحد فقط. قال مالك: إن قال: أصلي ولم يفعل قتل بقدر ركعة قبل طلوع الشمس للصبح، وغروبها للعصر، وطلوع الفجر للعشاء، فلو كان عليه فرضان مشتركان أخر لخمس ركعات في الظهرين، ولأربع في العشاءين. وهذا في الحضر، أما في السفر فيؤخر لثلاث في الظهرين وأربع في العشاءين.

وذهب الشافعية إلى أن محل القتل هو إخراجها عن وقتها الضروري فيما له وقت ضرورة - بأن يجمع مع الثانية في وقتها - فلا يقتل بترك الظهر حتى تغرب الشمس، ولا بترك المغرب حتى يطلع الفجر، ويقتل في الصبح بطلوع الشمس، وفي العصر بغروبها، وفي العشاء بطلوع الفجر، فيطالب بأدائها إذا ضاق الوقت ويتوعد بالقتل إن أخرها عن الوقت، فإن أخر وخرج الوقت استوجب القتل، وصرحوا بأنه يقتل بعد الاستتابة، لأنه ليس أسوأ حالاً من المرتد.

والاستتابة تكون في الحال، لأن تأخيرها يفوت صلوات، وقيل: يمهل ثلاثة أيام. والقولان في الندب، وقيل في الوجوب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://pontera.yoo7.com
غــــريــــب
الــمــديــر الــعــام


عدد المساهمات: 2566
نقاط: 7147
تاريخ التسجيل: 01/10/2010
الموقع: الــمــغــرب

مُساهمةموضوع: رد: الفقه الإسلامي   الثلاثاء أكتوبر 12, 2010 5:30 am

الــزكــاة

تعريف الزكاة في اللغة: النماء والربع والزيادة، من زكا يزكو زكاة وزكاء، وقيل : "العلم يزكو بالإنفاق" أي ينمو.

والزكاة أيضاً الصلاح، قال الله تعالى: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً} [الكهف: 81] أي صلاحاً.

وقال تعالى:

{وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} [النور: 21]. أي ما صلح منكم {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} [النور: 21] أي يصلح من يشاء.

وقيل لما يخرج من حق الله في المال "زكاة"، لأنه تطهير للمال مما فيه من حق، وتثمير له، وإصلاح ونماء بالإخلاف من الله تعالى.

تعريف الزكاة في الشرع: يطلق على أداء حق يجب في أموال مخصوصة، على وجه مخصوص ويعتبر في وجوبه الحول والنصاب.

والمزكي: من يخرج عن ماله الزكاة.

والمزكي أيضاً: من له ولاية جمع الزكاة.

الحكم التكليفي:

الزكاة فريضة من فرائض الإسلام، وركن من أركان الدين. وقد دل على وجوبها الكتاب والسنة والإجماع.

دليل الكتاب: قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [النور: 56] وقوله: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11] وقوله:

{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34-35] وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أدي زكاته فليس بكنز" رواه ابن أبي حاتم.

دليل السنة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس .." وذكر منها إيتاء الزكاة، رواه البخاري وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل السعاة ليقبضوا الصدقات، وأرسل معاذاً إلى أهل اليمن، وقال له: "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم" رواه البخاري.

وقال صلى الله عليه وسلم: "من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك" رواه البخاري.

دليل الإجماع: فقد أجمع المسلمون في جميع الأعصار على وجوبها من حيث الجملة، واتفق الصحابة رضي الله عنهم على قتال مانعيها. فقد روى البخاري أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: "لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر رضي الله عنه، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" رواه البخاري. فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال. والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه، فعرفت أنه الحق".

- أطوار فرضية الزكاة:

إيتاء الزكاة كان مشروعاً في ملل الأنبياء السابقين، قال الله تعالى في حق إبراهيم وآله عليه الصلاة والسلام: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 73].

وشرع للمسلمين إيتاء الصدقة للفقراء، منذ العهد المكي، كما في قوله تعالى:

{فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 11-16].

وبعض الآيات المكية جعلت للفقراء في أموال المؤمنين حقاً معلوماً، كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24- 25].

ومما يدل على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقهم على أن صيام رمضان إنما فرض بعد الهجرة، لأن الآية الدالة على فرضيته مدنية بلا خلاف، وثبت من حديث قيس بن سعد قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت فريضة الزكاة فلم يأمرنا ولم ينهنا، ونحن نفعله" رواه النسائي.

- فضل إيتاء الزكاة:

يظهر فضل الزكاة من أوجه:

1- اقترانها بالصلاة في كتاب الله تعالى، فحيثما ورد الأمر بالصلاة اقترن به الأمر بالزكاة، من ذلك قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} [البقرة: 110].

2- أنها ثالث أركان الإسلام الخمسة، لما في الحديث "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت" رواه البخاري.

3- أنها من حيث هي فريضة أفضل من سائر الصدقات لأنها تطوعية، وفي الحديث القدسي "ما تقرب ألي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه" رواه البخاري.

- حكمة تشريع الزكاة:

أ- أن الصدقة وإنفاق المال في سبيل الله يطهران النفس من الشح والبخل، وسيطرة حب المال على مشاعر الإنسان، ويزكيه بتوليد مشاعر الموادة، والمشاركة في إقالة العثرات، ودفع حاجة المحتاجين، أشار إلى ذلك قول الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة:103].

وفيها من المصالح للفرد والمجتمع ما يعرف في موضعه، ففرض الله تعالى من الصدقات حداً أدنى ألزم العباد به، وبين مقاديره، إذ لولا التقدير لفرط المفرط ولاعتدى المعتدي.

ب- الزكاة تدفع أصحاب الأموال المكنوزة دفعاً إلى إخراجها لتشترك في زيادة الحركة الاقتصادية، يشير إلى ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا من ولي يتيماً له مال فليتجر فيه، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة" رواه الترمذي.

وقال عمر رضي الله عنه: ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة" رواه البيهقي بإسناد صحيح.

جـ- الزكاة تسد حاجة جهات المصارف الثمانية وبذلك تنتفي المفاسد الاجتماعية والخلقية الناشئة عن بقاء هذه الحاجات دون كفاية.

· أحكام مانع الزكاة:

أ- إثم مانع الزكاة.

بـ- العقوبة لمانع الزكاة.

- إثم مانع الزكاة:

من منع الزكاة فقد ارتكب محرماً هو كبيرة من الكبائر، وورد في القرآن والسّنة ما يفيد أن عقوبته في الآخرة من نوع خاص. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح، فيكوى بها جنباه وجبينه، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاعٍ قرقرٍ كأوفر ما كانت تستن عليه، كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إمَّا إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها، إلا بطح لها بقاع قرقر، كأوفر ما كانت، فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء، كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" رواه مسلم.

- العقوبة لمانع الزكاة:

من منع الزكاة وهو في قبضة الإمام تؤخذ منه قهراً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" ومِنْ حقها الزكاة.

قال أبو بكر رضي الله عنه بمحضر الصحابة: "الزكاة حق المال" وقال رضي الله عنه: "والله لو منعوني عقالاً كان يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه". وأقره الصحابة على ذلك.

وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن مانع الزكاة إذا أخذت منه قهراً لا يؤخذ معها من ماله شيء.

وذهب الشافعي في قولٍ : إلى أن مانع الزكاة يؤخذ شطر ماله عقوبة له.

فأما من كان خارجاً عن قبضة الإمام ومنع الزكاة، فعلى الإمام أن يقاتله، لأن الصحابة قاتلوا الممتنعين من أدائها، فإن ظفر به أخذها منه من غير زيادة.

وهذا فيمن كان مقراً بوجوب الزكاة، لكن منعها بخلاً أو تأولاً، ولا يحكم بكفره، ولذا فإن مات ورثه المسلمون من أقاربه وصلي عليه.

وفي رواية عن أحمد يحكم بكفره ولا يورث ولا يصلى عليه.

وأما من منع الزكاة منكراً لوجوبها، فإن كان جاهلاً ومثله يجهل ذلك لحداثة عهده بالإسلام، أو لأنه نشا ببادية بعيدة عن الأمصار، أو نحو ذلك، فإنه يعرف وجوبها ولا يحكم بكفره لأنه معذور، وإن كان مسلماً ناشئاً ببلاد الإسلام بين أهل العلم فيحكم بكفره، ويكون مرتداً، وتجري عليه أحكام المرتد، لكونه أنكر معلوماً من الدين بالضرورة.

· من تجب في ماله الزكاة:

أ- الزكاة في مال الصغير والمجنون.

بـ- الزكاة في مال الكافر.

جـ- من لم يعلم بفرضية الزكاة.

د- من لم يتمكن من أداء الزكاة.

اتفق الفقهاء على أن البالغ العاقل المسلم الحر العالم بكون الزكاة فريضة، رجلاً كان أو امرأة تجب في ماله الزكاة إذا بلغ نصاباً، وكان متمكناً من أداء الزكاة، وتمت الشروط في المال.

واختلفوا فيما عدا ذلك كما يلي:

أ- الزكاة في مال الصغير والمجنون:

ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الزكاة تجب في مال كل من الصغير والمجنون ذكراً كان أو أنثى.

واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا من ولي يتيماً له مال فليتجر فيه، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة" رواه الترمذي، والمراد بالصدقة الزكاة المفروضة، لأن اليتيم لا يخرج من ماله صدقة تطوع، إذ ليس للولي أن يتبرع من مال اليتيم بشيء، ولأن الزكاة تراد لثواب المزكي ومواساة الفقير، والصبي والمجنون من أهل الثواب وأهل المواساة، وبأن الزكاة حق يتعلق بالمال، فأشبه نفقة الأقارب وأروش الجنايات وقيم المتلفات.

ويتولى الولي إخراج الزكاة من مالهما، لأن الولي يقوم مقامهما في أداء ما عليهما من الحقوق، كنفقة القريب، وعلى الولي أن ينوي أنها زكاة، فإن لم يخرجها الولي وجب على الصبي بعد البلوغ، والمجنون بعد الإفاقة، إخراج زكاة ما مضى.

وذهب أبو حنيفة وهو مروي عن علي وابن عباس إلى أن الزكاة لا تجب في مال الصغير والمجنون، إلا أنه يجب العشر في زروعهما وثمارهما، وزكاة الفطر عنهما.

واستدل لهذا القول بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة : عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم"رواه أبو داود.

ولأنها عبادة، فلا تتأدى إلا بالاختيار تحقيقاً لمعنى الابتلاء، ولا اختيار للصبي والمجنون لعدم العقل، وقياساً على عدم وجوبها على الذمي لأنه ليس من أهل العبادة، وإنما وجب العشر فيما يخرج من أرضهما لأنه في معنى مؤنة الأرض، ومعنى العبادة فيه تابع.

ب- الزكاة في مال الكافر:

لا تجب الزكاة في مال الكافر الأصلي اتفاقاً، حربياً كان أو ذمياً، لأنه حق لم يلتزمه، ولأنها وجبت طهره للمزكي، والكافر لا طهرة له مادام على كفره.

وأخذ عمر رضي الله عنه الزكاة مضاعفة من نصارى بني تغلب عندما رفضوا دفع الجزية ورضوا بدفع الزكاة.

وبناء على هذا قال الشافعية: لو قال قوم من الكفار: نؤدي الجزية باسم زكاة لا جزية، فللإمام إجابتهم إلى ذلك ويضعف عليهم الزكاة.

وقد ذهب الجمهور إلى أن ما يؤخذ منهم يصرف في مصارف الفيء، لأنه في حقيقته جزية، وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يصرف في مصارف الزكاة.

- أما المرتد، فما وجب عليه من الزكاة في إسلامه، وذلك إذا ارتد بعد تمام الحول على النصاب لا يسقط في قول الشافعية والحنابلة، لأنه حق مال فلا يسقط بالردة كالدين، فيأخذه الإمام من ماله كما يأخذ الزكاة من المسلم الممتنع، فإن أسلم بعد ذلك لم يلزمه أداؤها.

وذهب الحنفية إلى أنه تسقط بالردة الزكاة التي وجبت في مال المرتد قبل الردة، لأن من شرطها النية عند الأداء، ونيته العبادة وهو كافر غير معتبرة، فتسقط بالردة كالصلاة، حتى ما كان منها زكاة الخارج من الأرض.

وأما إذا ارتد قبل تمام الحول على النصاب فلا يثبت الوجوب عند الحنفية والحنابلة.

وعند الشافعية أن ملكه لماله موقوف فإن عاد إلى الإسلام تبين بقاء ملكه وتجب فيه الزكاة وإلا فلا.

جـ- من لم يعلم بفرضية الزكاة:

ذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة أن العلم بكون الزكاة مفروضة ليس شرطاً لوجوبها، فتجب الزكاة على الحربي إذا أسلم في دار الحرب وله سوائم ومكث هناك سنين ولا علم له بالشريعة الإسلامية ويخاطب بأدائها إذا خرج إلى دار الإسلام.

وذهب أبو حنيفة إلى أن العلم بكون الزكاة فريضة شرط لوجوب الزكاة فلا تجب الزكاة على الحربي في الصورة المذكورة.

د- من لم يتمكن من الأداء:

ذهب مالك والشافعي إلى أن التمكن من الأداء شرط لوجوب أداء الزكاة، فلو حال الحول ثم تلف المال قبل أن يتمكن صاحبه من الأداء فلا زكاة عليه، حتى لقد قال مالك: إن المالك لو أتلف المال بعد الحول قبل إمكان الأداء فلا زكاة عليه إذا لم يقصد الفرار من الزكاة.

واحتج لهذا القول بأن الزكاة عبادة فيشترط لوجوبها إمكان أدائها كالصلاة والصوم.

وذهب الحنفية والحنابلة إلى أن التمكن من الأداء ليس شرطاً لوجوبها، لمفهوم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول" رواه أبو داود. فمفهومه وجوبها عليه إذا حال الحول، ولأن الزكاة عبادة مالية، فيثبت وجوبها في الذمة مع عدم إمكان الأداء، كثبوت الديون في ذمة المفلس.

- الزكاة في المال العام (أموال بيت المال):

نص الحنابلة على أن مال الفيء، وخمس الغنيمة، وكل ما هو تحت يد الإمام مما يرجع إلى الصرف في مصالح المسلمين لا زكاة فيه.

إذ لم يعهد علماً ولا عملاً أخذ الزكاة من الأموال العامة.

- الزكاة في الأموال المشتركة والأموال المختلفة والأموال المتفرقة:

الذي يكلف بالزكاة هو الشخص المسلم بالنسبة لماله، فإن كان ما يملكه نصاباً وحال عليه الحول وتمت الشروط ففيه الزكاة، فإن كان المال شركة بينه وبين غيره، وكان المال نصاباً فأكثر فلا زكاة على أحد من الشركاء عند الجمهور، حتى يكون نصيبه نصاباً، ولا يستثنى من ذلك عند الحنفية شيء، ويستثنى عند الجمهور ومنهم الشافعية السائمة المشتركة فإنها تعامل معاملة مال رجل واحد في القدر الواجب وفي النصاب عند غير المالكية، وكذا السائمة المختلطة -أي التي يتميز حق كل من الخليطين فيها لكنها تشترك في المرعى ونحوه من المرافق-.

وذهب الشافعية على أن المال المشترك والمال المختلط يعامل معاملة مال رجل واحد في النصاب والقدر الواجب. وهو رواية أخرى عند الحنابلة.

واحتجوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة" رواه البخاري.

هذا إذا كان المال في بلد واحد، أما إن كان مال الرجل مفرقاً بين بلدين أو أكثر، فإن كان من غير المواشي فلا أثر لتفرقه، بل يزكى زكاة مال واحد.

وإن كان من المواشي وكان بين البلدين مسافة قصر فأكثر فكذلك عند الجمهور.

وذهب الحنابلة إلى أن كل مال منها يزكى مفرداً عما سواه، فإن كان كلاً المالين نصاباً زكاهما كنصابين، وإن كان أحدهما نصاباً والآخر أقل من نصاب زكى ما تم نصاباً دون الآخر.

واحتج من ذهب إلى هذا بأنه لما أثر اجتماع مال الجماعة حال الخلطة في مرافق الملك ومقاصده على أتم الوجوه حتى جعله كمال واحد وجب تأثير الافتراق الفاحش في المال الواحد حتى يجعله كمالين. واحتج أحمد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا يجمع بين متفرق" رواه البخاري ولأن كل مال تخرج زكاته ببلده.

· شروط المال الذي تجب فيه الزكاة:
- الشرط الأول: كون المال مملوكاً لمعين.

- الشرط الثاني: كون لملوكية المال مطلقة.

- الشرط الثالث: كون المال نامياً.

- الشرط الرابع: كون المال زائداً عن الحاجات الأصلية.

- الشرط الخامس: حولان الحول.

- الشرط السادس: بلوغ المال نصاباً.

- الشرط السابع: كون المال سالماً من وجود مانع كفراغه من الدين.

يشترط في المال الذي تجب فيه الزكاة من حيث الجملة شروط:

1- كونه مملوكاً لمعين.

2- وكون مملوكيته مطلقة (أي كونه مملوكاً رقبة ويداً).

3- وكونه نامياً.

4- وأن يكون زائداً على الحاجات الأصلية.

5- حولان الحول.

6- وبلوغه نصاباً، والنصاب في كل نوع من المال بحسبه.

7- وأن يسلم من وجود المانع، والمانع أن يكون على المالك دين ينقص النصاب.

الشرط الأول: كون المال مملوكاً لمعين:

فلا زكاة فيما ليس له مالك معين، ومن هنا:

ذهب الحنفية إلى أن الزكاة لا تجب في سوائم الوقف، والخيل المسبلة، لأنها غير مملوكة، لأنه في الزكاة تمليكاً، والتمليك في غير الملك لا يتصور، ولا تجب الزكاة ما استولى عليه العدو، وأحرزوه بدارهم، لأنهم ملكوه بالإحراز، فزال ملك المسلم عنه.

وقال المالكية إلى أنه يجب الزكاة في الموصى به لغير معينين. وتجب في الموقوف ولو على غير معين كمساجد، أو كبني فلان، لأن الوقف عندهم لا يخرجه عن ملك الواقف، فلو وقف نقوداً للسلف يزكيها الواقف أو المتولي عليها منها كلما مر عليها حول من يوم ملكها، أو زكاها إن كانت نصاباً، وهذا إن لم يتسلفها أحد، فإن تسلفها أحد زكيت بعد قبضها منه لعام واحد.

ذهب الشافعية والحنابلة إلى تفصيل ذلك فقالوا: إذا كان الوقف على غير معين، كالفقراء، أو كان على مسجد، أو مدرسة، أو رباط ونحوه مما لا يتعين له مالك لا زكاة فيه. وكذا النقد الموصى به في وجوه البر، أو ليشترى به وقف لغير معين، بخلاف الموقوف على معين فإنه يملكه فتجب فيه الزكاة.

الشرط الثاني: أن يكون ملكية المال مطلقة:

وهذه عبارة الحنفية، وعبر غيرهم بالملك التام: وهو ما كان في يد مالكه ينتفع به ويتصرف فيه.

والملك الناقص يكون في أنواع من المال معينة، منها:

1- مال الضمار: وهو كل مال مالكه غير قادر على الانتفاع به لكون يده ليست عليه، فمذهب أبي حنيفة، ورواية عند الحنابلة أنه لا زكاة عليه فيه، كالبعير الضال، والمال المفقود، والمال الساقط في البحر، والمال الذي أخذه السلطان مصادرة، والدين المجحود إذا لم يكن للمالك بينة، والمال المغصوب الذي لا يقدر صاحبه على أخذه، والمسروق الذي لا يدرى من سرقه، والمال المدفون في الصحراء إذا خفي على المالك مكانه، فإن كان مدفوناً في البيت تجب فيه الزكاة عند الحنفية، أي لأنه في مكان محدود.

واحتجوا بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ليس في مال الضمار زكاة.

ولأن المال إذا لم يكن الانتفاع به والتصرف فيه مقدوراً لا يكون المالك به غنياً.

وهذا بخلاف ابن السبيل (أي المسافر عن وطنه) فإن الزكاة تجب في ماله، لأن مالكه يقدر على الانتفاع به، وكذا الدين المقربه إذا كان على مليء.

وذهب مالك إلى أن المال الضائع ونحوه كالمدفون في صحراء إذا ضل صاحبه عنه أو كان بمحل لا يحاط به، فإنه يزكى لعام واحد إذا وجد صاحبه ولو بقي غائباً عنه سنين.

وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الزكاة تجب في المال الضائع، ولكن لا يجب دفعها حتى يعود المال. فإن عاد يخرجها صاحبه عن السنوات الماضية كلها، لأن السبب الملك، وهو ثابت. قالوا : لكن لو تلف المال، أو ذهب ولم يعد سقطت الزكاة. وكذا عندهم المال الذي لا يقدر عليه صاحبه لانقطاع خبره، أو انقطاع الطريق إليه.

- والمال الموروث صرح المالكية بأنه لا زكاة فيه إلا بعد قبضه، يستقبل به الوارث حولاً، ولو كان قد أقام سنين، وسواء علم الوارث به أو لم يعلم.

- الزكاة في مال الأسير، والمسجون ونحوه:

من كان مأسوراً أو مسجوناً قد حيل بينه وبين التصرف في ماله والانتفاع به.

ذهب الحنابلة إلى أن ذلك لا يمنع وجوب الزكاة عليه، لأنه لو تصرف في ماله ببيع وهبة ونحوهما نفذ، وكذا لو وكل في ماله نفذت الوكالة.

وذهب المالكية إلى أن كون الرجل مفقوداً أو أسيراً يسقط الزكاة في حقه من أمواله الباطنة، لأنه بذلك يكون مغلوباً على عدم التنمية فيكون ماله حينئذ كالمال الضائع، ولذا يزكيها إذا أطلق لسنة واحدة كالأموال الضائعة.

أما المال الظاهر فقد اتفقت كلمة المالكية أن الفقد والأسر لا يسقطان زكاته، لأنهما محمولان على الحياة، ويجوز أخذ الزكاة من مالهما الظاهر وتجزئ، ولا يضر عدم النية، لأن نية المخرج تقوم مقام نيته.

- زكاة الدين:

الدّين مملوك للدائن، ولكنه لكونه ليس تحت يد صاحبه فقد اختلفت فيه أقوال الفقهاء:

وذهب جمهور العلماء إلى أن الدين الحالَّ قسمان: دين حال مرجو الأداء، ودين حال غير مرجو الأداء.

فالدين الحال المرجو الأداء: هو ما كان على مُقّرٍ به باذل له، وفيه أقوال:

فمذهب الحنفية والحنابلة أن زكاته تجب على صاحبه كل عام لأنه مال مملوك له، إلا أنه لا يجب عليه إخراج الزكاة منه ما لم يقبضه، فإذا قبضه زكاه لكل ما مضى من السنين.

ووجه هذا القول: أنه دين ثابت في الذمة فلم يلزمه الإخراج قبل قبضه، ولأنه لا ينتفع به في الحال، وليس من المواساة أن يخرج زكاة مال لا ينتفع به. على أن الوديعة التي يقدر صاحبها أن يأخذها في أي وقت ليست من هذا النوع، بل يجب إخراج زكاتها عند الحول.

ومذهب الشافعي: أنه يجب إخراج زكاة الدين المرجو الأداء في نهاية كل حول، كالمال الذي هو بيده، لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه.

وذهب المالكية إلى أن الدين أنواع: فبعض الديون يزكى كل عام وهي دين التاجر المدير عن ثمن بضاعة تجارية باعها، وبعضها يزكى لحول من أصله لسنة واحدة عند قبضه ولو أقام عند المدين سنين، وهو ما أقرضه لغيره من نقد، وكذا ثمن بضاعة باعها محتكر، وبعض الديون لا زكاة فيه، وهو ما لم يقبض من نحو هبة أو مهر أو عوض جناية.

وأما الدين غير المرجو الأداء، فهو ما كان على معسر أو جاحد أو مماطل، وفيه مذاهب: فمذهب الحنفية ورواية عن أحمد فيه كما أنه لا زكاة فيه لعدم تمام الملك، لأنه غير مقدور على الانتفاع به.

ومذهب الشافعي ورواية عن أحمد إنه يزكيه إذا قبض لما مضى من السنين، لما روي عن علي رضي الله عنه في الدين المظنون "إن كان صادقاً فليزكيه إذا قبضه لما مضى".

وذهب مالك إلى أنه إن كان مما فيه الزكاة يزكيه إذا قبضه لعام واحد وإن أقام عند المدين أعواماً.

واستثنى الشافعية والحنابلة ما كان من الدين ماشية فلا زكاة فيه، لأن شرط الزكاة في الماشية عندهم السوم، وما في الذمة لا يتصف بالسوم.

- الدين المؤجل:

ذهب الحنابلة وهو الأظهر من قولي الشافعية: إلى أن الدين المؤجل بمنزلة الدين على المعسر، لأن صاحبه غير متمكن من قبضه في الحال فيجب إخراج زكاته إذا قبضه عن جميع السنوات السابقة.

أقسام الدين عند الحنفية:

وذهب أبو حنيفة إلى أن الدين ثلاثة أقسام:

الأول: الدين القوي: وهو ما كان بدل مال زكوي، كقرض نقد، أو ثمن مال سائمة، أو عرض تجارة. فهذا كلما قبض شيئاً منه زكاه ولو قليلاً (مع ملاحظة مذهبه في الوقص في الذهب والفضة، فلا زكاة في المقبوض من دين دراهم مثلاً إلا إذا بلغت 40 درهماً ويكون فيها درهم) وحوله حول أصله، لأن أصله زكوي فيبنى على حول أصله رواية واحدة.

الثاني: الدين الضعيف: وهو ما لم يكن ثمن مبيع ولا بدلاً لقرض نقد، ومثاله المهر والدية والخلع، فهذا متى قبض منه شيئاً وكان عنده نصاب غيره قد انعقد حوله يزكيه معه كالمال المستفاد، وإن لم يكن عنده من غيره نصاب فإنه لا تجب فيه الزكاة إلا إذا قبض منه نصاباً وحال عليه الحول عنده منذ قبضه، لأنه بقبضه أصبح مالاً زكوياً.

الثالث: الدين المتوسط: وهو ما كان ثمن عرض قنية مما لا تجب فيه الزكاة، كثمن داره أو متاعه المستغرق بالحاجة الأصلية.

ففي رواية، يعتبر مالاً زكوياً من حين باع ما باعه فتثبت فيه الزكاة لما مضى من الوقت، ولا يجب الأداء إلا بعد أن يتم ما يقبضه منه نصاباً، وفي رواية أخرى: لا يبتدئ حوله إلا من حين يقبض منه نصاباً، لأنه حينئذ أصبح زكوياً، فصار كالحادث ابتداء.

- الأجور المقبوضة سلفاً:

مذهب الحنابلة: إن الأجرة المعجلة لسنين إذا حال عليها الحول تجب على المؤجر زكاتها كلها، لأنه يملكها ملكاً تاماً من حين العقد. بدليل جواز تصرفه فيها، وإن كان ربما يلحقه دين بعد الحول بالفسخ الطارئ.

ومذهب المالكية لا زكاة على المؤجر فيما قبضه مقدماً إلا بتمام ملكه، فلو آجر نفسه ثلاث سنين بستين ديناراً، كل سنة بعشرين، وقبض الستين معجلة ولا شيء له غيرها، فإذا مر على ذلك حول فلا زكاة عليه، لأن العشرين التي هي أجرة السنة الأولى لم يتحقق ملكه لها إلا بانقضائها، لأنها كانت عنده بمثابة الوديعة، فلم يملكها حولاً كاملاً، فإذا مر الحول الثاني زكى عشرين، وإذا مر الثالث زكى أربعين إلا ما أنقصته الزكاة، فإذا مر الرابع زكى الجميع.

ومذهب الشافعية: لا تجب إلا زكاة ما استقر، لأن ما لم يستقر معرض للسقوط، فتجب زكاة العشرين الأولى بتمام الحول الأول، لأن الغيب كشف أنه ملكها من أول الحول. وإذا تم الحول الثاني فعليه زكاة عشرين لسنة وهي التي زكاها في آخر السنة الأولى، وزكاة عشرين لسنتين، وهي التي استقر عليها ملكه الآن، وهكذا.

زكاة الثمن المقبوض عن بضائع لم يجر تسليمها:

إذا اشترى مالاً بنصاب دراهم، أو أسلم نصاباً في شيء، فحال الحول قبل أن يقبض المشتري المبيع، أو يقبض المسلم فيه، والعقد باق لم يجر فسخه.

قال الحنابلة: زكاة الثمن على البائع، لأن ملكه ثابت فيه، ثم لو فسخ العقد لتلف المبيع، أو تعذر المسلم فيه، وجب رد الثمن كاملاً.

وقال الشافعية بما هو قريب من ذلك وهو أن البضاعة المشتراة إذا حال عليها الحول من حين لزوم العقد تجب زكاتها على المشتري وإن لم يقبضها.

- الشرط الثالث: النماء:

ووجه اشتراطه عند الحنفية أن المقصود من شرعية الزكاة بالإضافة إلى الابتلاء مواساة الفقراء على وجه لا يصير به المزكي فقيراً، بأن يعطي من فضل ماله قليلاً من كثير، والإيجاب في المال الذي لا نماء له يؤدي إلى خلاف ذلك مع تكرر السنين.

والنماء متحقق في السوائم بالدر والنسل، وفي الأموال المعدة للتجارة، والأرض الزراعية العشرية، وسائر الأموال التي تجب فيها الزكاة، ولا يشترط تحقق النماء بالفعل بل تكفي القدرة على الاستنماء بكون المال في يده أو يد نائبه.

وبهذا الشرط خرجت الثياب التي لا تراد لتجارة سواء كان صاحبها محتاجاً إليها أو لا، وأثاث المنزل، والحوانيت، والعقارات، والكتب لأهلها أو غير أهلها، وخرجب الأنعام التي لم تعد للدر والنسل، بل كانت معدة للحرث، أو الركوب، أو اللحم.

والذهب والفضة لا يشترط فيهما النماء بالفعل، لأنهما للنماء خلقة، فتجب الزكاة فيهما، نوى التجارة أو لم ينو أصلاً، أو نوى النفقة.

قالوا: وفقد النماء سبب آخر في عدم وجوب الزكاة في أموال الضمار بأنواعها المتقدمة، لأنه لا نماء إلا بالقدرة على التصرف، ومال الضمار لا قدرة عليه.

وهذا الشرط يصرح به الحنفية، ويراعيه غيرهم في تعليلاتهم دون تصريح به.

- الشرط الرابع: الزيادة على الحاجات الأصلية:

قال الحنفية: لا زكاة في كتب العلم المقتناة لأهلها وغير أهلها ولو كانت تساوي نصباً، وكذا دار السكنى وأثاث المنزل ودواب الركوب ونحو ذلك.

قالوا: لأن المشغول بالحاجة الأصلية كالمعدوم، وهي بما يدفع عنه الهلاك تحقيقاً كثيابه، أو تقديراً كدينه.

والزكاة تجب في النقد كيفما أمسكه للنماء أو للنفقة.

- الشرط الخامس: الحول:

المراد بالحول أن يتم على المال بيد صاحبه سنة كاملة قمرية، فإن لم تتم فلا زكاة فيه، إلا أن يكون بيده مال آخر بلغ نصاباً قد انعقد حوله، وكان المالان مما يضم أحدهما الآخر، فيرى بعض الفقهاء، أن الثاني يزكى مع الأولى عند تمام حول الأول.

ودليل اعتبار الحول قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول".

ويستثنى من اشتراط الحول في الأموال الزكوية الخارج من الأرض من الغلال الزراعية، والمعادن، والركاز، فتجب الزكاة في هذين النوعين ولو لم يحل الحول، لقوله تعالى في الزروع {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] ولأنها نماء بنفسها فلم يشترط فيها الحول، إذ أنها تعود بعد ذلك إلى النقص، بخلاف ما يشترط فيه الحول فهو مرصد للنماء.

- المال المستفاد أثناء الحول:

إن لم يكن عند المكلف مال فاستفاد مالاً زكوياً لم يبلغ نصاباً، فلا زكاة فيه ولا ينعقد حوله، فإن تم عنده نصاب انعقد الحول من يوم تمَّ النصاب، وتجب عليه زكاته إن بقي إلى تمام الحول.

وإن كان عنده نصاب، وقيل أن يحول عليه الحول استفاد مالاً من جنس ذلك النصاب أو مما يضم إليه، فله ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أن تكون الزيادة من نماء المال الأول، كربح التجارة، ونتاح السائمة، فهذا يزكى مع الأصل عند تمام الحول.

القسم الثاني: أن يكون المستفاد من غير جنس المال الذي عنده، كأن يكون ماله إبلاً فيستفيد ذهباً أو فضة. فهذا النوع لا يزكى عند حول الأصل. بل ينعقد حوله يوم استفادته إن كان نصاباً، اتفاقاً.

القسم الثالث: أن يستفيد مالاً من جنس نصاب عنده قد انعقد حوله وليس المستفاد من نماء المال الأول. كأن يكون عنده عشرون مثقالاً ذهباً ملكها في أول المحرم، ثم يستفيد ألف مثقال في أول ذي الحجة، فقد اختلف العلماء في ذلك.

فذهب الشافعية والحنابلة، إلى أنه يضم إلى الأول في النصاب دون الحول، فيزكي الأول عند حوله أي في أو المحرم في المثال المتقدم، ويزكي الثاني لحوله أي في أول ذي الحجة ولو كان أقل نصاب، لأنه بلغ بضمه إلى الأول نصاباً. واستدلوا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول". وبقوله: "من استفاد مالاً فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول عند ربه" رواه الترمذي.

وذهب الحنفية إلى أنه يضم كل ما يأتي في الحول إلى النصاب الذي عنده فيزكيهما جميعاً عند تمام حول الأول، قالوا: لأنه يضم إلى جنسه في النصاب سبب، والحول شرط، فإذا ضم في النصاب الذي هو سبب، فضمه عليه في الحول الذي هو شرط أولى، ولأن إفراد كل مال يستفاد بحول يفضي إلى تشقيص الواجب في السائمة، واختلاف أوقات الواجب، والحاجة إلى ضبط مواقيت التملك، ووجوب القدر اليسير الذي لا يتمكن من إخراجه، وفي ذلك حرج، وإنما شرع الحول للتيسير، وقد قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وقياساً على نتاج السائمة وربح التجارة.

وذهب المالكية إلى التفريق في ذلك بين السائمة وبين النقود، فقالوا في السائمة كقول أبي حنيفة.

قالوا: لأن زكاة السائمة موكولة إلى الساعي، فلو لم تضم لأدى ذلك إلى خروجه أكثر من مرة بخلاف الأثمان فلا تضم، فإنها موكولة إلى أربابها.

الشرط السادس: أن يبلغ المال نصاباً:

والنصاب مقدار المال الذي لا تجب الزكاة في أقل منه، وهو يختلف باختلاف أجناس الأموال الزكوية، فنصاب الإبل خمس منها، ونصاب البقر ثلاثون. ونصاب الغنم أربعون، ونصاب الذهب عشرون مثقالاً، ونصاب الفضة مائتا درهم، ونصاب الزروع والثمار خمسة أوسق.

ونصاب عروض التجارة مقدر بنصاب الذهب أو الفضة.

والحكمة في اشتراط النصاب واضحة، وهي أن الزكاة وجبت مواساة، ومن كان فقيراً لا تجب عليه المواساة، بل تجب على الأغنياء إعانته، فإن الزكاة تؤخذ من الأغنياء لترد على الفقراء.وجعل الشرع النصاب أدنى حد الغنى، لأن الغالب في العادات أن من ملكه فهو غني إلى تمام سنته.

- الوقت الذي يعتبر وجود النصاب فيه:

ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن من شرط وجوب الزكاة وجود النصاب في جميع الحول من أوله إلى آخره، فلو نقص في بعضه ولو يسيراً انقطع الحول فلم تجب الزكاة في آخره.

قالوا: فلو كان له أربعون شاة فماتت في الحول واحدة ثم ولدت واحدة انقطع الحول. فإن كان الموت والنتاج في لحظة واحدة لم ينقطع، كما لو تقدم النتاج على الموت، واحتجوا بعموم حديث "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول".

وذهب الحنفية إلى أن المعتبر طرفا الحول، فإن تم النصاب في أوله وآخره وجبت الزكاة ولو نقص المال عن النصاب في أثنائه، ما لم ينعدم المال كلية، فإن انعدم لم ينعقد الحول إلا عند تمام النصاب، وسواء انعدم لتلفه، أو لخروجه عن أن يكون محلاً للزكاة، كما لو كان له نصاب سائمة فجعلها في الحول علوفة.

وفي قول عند الحنابلة: إذا وجد النصاب لحول كامل إلا أنه نقص نقصاً يسيراً كساعة أو ساعتين وجبت الزكاة.

ولو زال ملك المالك للنصاب في الحول بيع أو غيره ثم عاد بشراء أو غيره استأنف الحول لانقطاع الحول الأول بما فعله.

وذهب المالكية إلى أن الشرط أن يحول الحول على ملك النصاب أو ملك أصله، فالأول كما لو كان يملك أربعين شاة تمام الحول، والثاني كما لو ملك عشرين شاة من أول الحول فحملت وولدت فتمت بذلك أربعين قبل تمام الحول، فتجب الزكاة في النوعين عند حول الأصل.

ومثاله أيضاً، أن يكون عنده دينار ذهب فيشتري به سلعة للتجارة فيبيعها بعشرين ديناراً قبل تمام الحول، ففيها الزكاة عندما يحول الحول على ملكه للدينار، والذي يضم إلى أصله فيتم به النصاب هو نتاج السائمة وربح التجارة، بخلاف المال المستفاد بطريق آخر كالعطية والميراث فإنه يستقبل بها حولها.

- الشرط السابع: الفراغ من الدين:

وهذا الشرط معتبر من حيث الجملة عند جمهور الفقهاء.

وعبر بعضهم بأن الدين مانع من وجوب الزكاة.

فإن زاد الدين الذي على المالك عما بيده فلا زكاة عليه، وكذا إن لم يبق بيده بعدما يسد به ولا يعتبر الدين مانعاً إلا إن استقر في الذمة قبل وجوب الزكاة، فأما إن وجب بعد وجوب الزكاة لم تسقط، لأنها وجبت في ذمته، فلا يسقطها ما لحقه من الدين بعد ثبوتها.

وذهب الشافعي إلى أن الدين لا يمنع الزكاة أصلاً، لأن الحر المسلم إذا ملك نصاباً حولاً وجبت عليه الزكاة فيه لإطلاق الأدلة الموجبة للزكاة في المال المملوك.

- الأموال التي يمنع الدين زكاتها والتي لا يمنع:

أما الأموال الباطنة وهو النقود وعروض التجارة فإن الجمهور القائلين بأن الدين يمنع الزكاة ذهبوا إلى أن الدين يمنع الزكاة فيها. ولو كان من غير جنسها على ما صرح به المالكية.

وأما الأموال الظاهرة وهي السائمة والحبوب والثمار والمعادن فذهب الجمهور (المالكية والشافعية على قول والحنابلة إلى أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة فيها، روي عن أحمد أنه قال: لأن المصدق إذا جاء فوجد إبلاً أو بقراً أو غنماً لم يسأل: أي شيء على صاحبها من الدين، وليس المال - يعني الأثمان - هكذا.

والفرق بين الأموال الظاهرة والباطنة أن تعلق الزكاة بالظاهرة آكد، لظهورها وتعلق قلوب الفقراء بها، ولأن الحاجة إلى حفظها أوفر، فتكون الزكاة فيها آكد.

واستثنى الحنابلة على الرواية المشهورة الدين الذي استدانه المزكي للإنفاق على الزرع والثمر، فإنه يسقطه لما روي عن ابن عمر: يخرج ما استدان أو أنفق على ثمرته وأهله ويزكي ما بقي.

وذهب الحنفية إلى أن الدين يمنع الزكاة في الأموال الباطنة وفي السوائم، أما ما وجب في الخارج من الأرض فلا يمنعه الدين، كما لا يمنع الخراج، وذلك لأن العشر والخراج مؤنة الأرض، ولذا يجبان في الأرض الموقوفة وأرض المكاتب وإن لم تجب فيهما الزكاة.

الديون التي تمنع وجوب الزكاة:

ذهب الحنفية إلى أن الدين الذي يمنع وجوب الزكاة هو ما كان له مطالب من جهة العباد سواء كان ديناً لله كزكاة وخراج، أو كان للعباد، وسواء كان حالاً أو مؤجلاً، ولو صداق زوجته المؤجل للفراق، أو نفقة لزوجته، أو لقريب لزمته بقضاء أو تراض، وكذا عندهم دين الكفالة، قالوا: لأن الكفيل محتاج إلى ما بيده ليقضي عنه دفعاً للملازمة أو الحبس.

أما ما لم يكن له مطالب من جهة العباد فلا يمنع وجوب الزكاة، قالوا: كدين النذر والكفارة والحج، ومثلها الأضحية، وهدي المتعة، ودين صدقة الفطر.

وذهب المالكية إلى أن زكاة المال الباطن يسقطها الدين ولو كان دين زكاة، أو زكاة فطر، أو كان للعباد حالاً كان أو مؤجلاً، أو كان مهر زوجة أو نفقة زوجة مطلقاً، أو نفقة ولد أو ولدان كان قد حكم بها القاضي.

واختلف قول المالكية في مثل دين الكفارة والهدي الواجب فقول لا يمنع وجوب الزكاة لعدم المطالب من العباد، وقول أنه يمنع لأن الإمام يطالب الممتنع بإخراج ما عليه من قول مثل هذه الديون.

وذهب الحنابلة إلى أن دين الآدمي مطلقاً يمنع وجوب الزكاة، أما دين الله ففي قول: يمنع وفي قول: لا يمنع.

شروط إسقاط الزكاة بالدين:

القائلون بأن الدين يسقط الزكاة في قدره من المال الزكوي، اشترط أكثرهم أن لا يجد المزكي مالاً يقضي منه الدين سوى ما وجبت فيه. فلو كان له مال آخر فائض عن حاجاته الأساسية، فإنه يجعله في مقابلة الدين، لكي يسلم المال الزكوي فيخرج زكاته.

مذهب المالكية والحنابلة: إنه يعمل بذلك سواء كان ما يقضي منه من جنس الدين أو غير جنسه. فلو كان عليه دين مائتا درهم وعنده عروض قنية تساوي مائتي درهم فأكثر وعنده مائتا درهم، جعل العروض في مقابلة الدين لأنه أحظ للفقراء.

وكذا إن كان عليه دين وله مالان زكويان، لو جعل أحدهما في مقابل الدين لم يكن عليه زكاة، ولو جعل الآخر في مقابلة الدين كان عليه زكاة، فإنه يجعل في مقابلة الدين ما هو أحظ للفقراء، كمن عليه دين مائة درهم وله مائتا درهم وتسع من الإبل، فإذا جعلنا في مقابلة الدين الأربعة من الإبل الزائدة عن النصاب لكون الأربعة تساوي المائة من الدراهم أو أكثر منها وجب ذلك رعاية لحظ الفقراء، لأننا لو جعلنا مما معه من الدراهم مائة في مقابلة الدين سقطت زكاة الدراهم.

وقال المالكية أيضاً مما يمكن أن يجعل في مقابلة الدين فيمنع سقوط الزكاة: الدين الحال المرجو، والأموال الزكوية الأخرى ولو جرت تزكيتها، وأن العرض يقوم وقت الوجوب، وأخرجوا من ذلك نحو البعير الشارد، والمال الضائع، والدين المؤجل أو غير المرجو لعدم صلاحية جعله في مقابلة الدين الذي عليه.

ومذهب الحنفية أن من كان عنده مال زكوي ومال غير زكوي فائض عن حاجته الأساسية وعليه دين فله أن يجعل في مقابلة الدين المال الزكوي، ولو من غير جنسه، فإن بقي منه نصاب فأكثر زكاه وإلا فلا زكاة عليه، قالوا: لأن غير مال الزكاة يستحق للحوائج، ومال الزكاة فاضل عنها، فكان الصرف إليه أيسر، وأنظر بأرباب الأموال.

قالوا: ولو كان له مالان زكويان من جنسين أو أكثر جاز له أن يجعل أياً منهما أو بعضه في مقابلة الدين والخيار له. فلو كان عنده دراهم ودنانير وعروض تجارة وسوائم يصرف الدين لأيسرها قضاء، ولو كان عنده نصاب بقر ونصاب إبل وعليه شاة ديناً، جاز جعلها في مقابلة شيء من البقر لئلا يجب عليه التبيع، لأن التبيع فوق الشاة.


عدل سابقا من قبل غــــريــــب في الثلاثاء أكتوبر 12, 2010 5:38 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://pontera.yoo7.com
غــــريــــب
الــمــديــر الــعــام


عدد المساهمات: 2566
نقاط: 7147
تاريخ التسجيل: 01/10/2010
الموقع: الــمــغــرب

مُساهمةموضوع: رد: الفقه الإسلامي   الثلاثاء أكتوبر 12, 2010 5:33 am

الــزكــاة سؤال و جواب
ما معنى الزكاة ؟

الزكاة مأخوذة من زكا الشيء ، يزكو أي زاد و نما ، يُقال : زكا الزرع و زكت التجارة إذا زاد و نما كل منهما و تُستَعمل أيضاً بمعنى الطهارة و منه قوله تعالى : {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9]، أي قد أفلح من طهَّر نفسه من الأخلاق الرديئة. ثم استُعمِلَت الكلمة في اصطلاح الشريعة الإسلامية لقدر مخصوص من بعض أنواع المال يجب صرفه لأصناف مُعيَّنة من الناس ، عند توفُّر شروط معيَّنة سنتحدث عنها لاحقاً. و سُميّ هذا المال زكاة لأن المال الأصلي ينمو ببركة إخراجها و دعاء الآخذ لها ، و لأنها تكون بمثابة تطهير لسائر المال الباقي من الشبهة و تخليص له من الحقوق المتعلقة به و بشكل خاص حقوق ذوي الحاجة و الفاقة .

2- متى شُرِعَت ؟

الصحيح أنَّ مشروعية الزكاة كانت في السنة الثانية من هجرة النبي صلى الله عليه و سلم إلى المدينة المنورة قُبَيل فرض صوم رمضان .

3- ما حكمها و ما هو دليلها من الكتاب و السنَّة :

الزكاة ركن من أهم الأركان الإسلامية ، و لها من الأدلة القطعية في دلالتها و ثبوتها ما جعلها من الأحكام الواضحة و المعروفة من الدِّين بالضرورة ، بحيث يكفر جاحدها و مُنكِرُها .

و دليلها من الكتاب : قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]. والأمر بها في القرآن الكريم مًكَرَّر في آيات كثيرة ، كما ورد ذكرها في 32 موضعاً .

و دليلها من السُنَّة : قول النبي صلى الله عليه و سلم : " بُنِيَ الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله و أنَّ محمداً رسول الله ، و إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، و الحج ، و صوم رمضان " ، رواه البخاري و مسلم و غيرهما . و الأحاديث في هذا كثيرة جداً .

4- ما حكم من منعها منكراً لها ؟

الزكاة ثالث ركن من أركان الإسلام و لذلك أجمع العلماء على أنَّ من أنكر فرضيَّتها فقد كفر و ارتدَّ عن الإسلام و ذلك لأنها من الأمور التي عُلِمَت فرضيتها بالضرورة ، أي يعلم ذلك الخاص و العام من المسلمين ، و لا يحتاج في ذلك إلى حجّة أو برهان . قال النووي - رحمه الله تعالى - نقلاً عن الإمام الخطَّابي : " فإنَّ من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافراً بإجماع المسلمين " .

5- ما حكم من منعها بخلاً و شحاً ؟

أما من منع الزكاة ، و هو معتقد بوجوبها و مُقِرٌّ بفرضيتها ، فهو فاسق آثم يناله عذاب شديد في الآخرة ،

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34-35] و لقد ذُكِرت الوجوه لأن بها يستقبلون الناس مغتبطين بالثروة و يعبسون في وجوه الفقراء ، و ذُكِرت الجوانب و الظهور لأنهم يتنعمون على جوانبهم و ظهورهم في أوساط النعمة ، و الكي على الوجه أشهر و أشنع و على الجنب و الظهر آلم و أوجع .

و روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ما من صاحب ذهب و لا فضة ، لا يؤدي حقها ( أي زكاتها ) إلا كان يومُ القيامة صُفِّحَت له صفائح من نار ، فأُحمِيَ عليها في نار جهنم فيُكوى بها جبينه و ظهره ، كلما بردت أعيدَت له ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يُقضى بين العباد ، فَيُرى سبيله ؛ إمّا إلى الجنة ، و إمّا إلى النار " .

و قد ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما حديث موقوف و مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم : " كلُّ ما أُدِّيَت زكاته فليس بكنز …وكل ما لا تُؤدي زكاته فهو كنز " .

و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته مُثِّلَ له ( أي صُيِّرَ له ) يوم القيامة شُجاعاً أقرع ( لا شعر على رأسه لكثرة سُمِّه و طول عمره ) له زبيبتان ( أي نابان يخرجان من فمه أو نقطتان سوداوان فوق عينيه و هو أوحش ما يكون من الحيّات و أخبثه ) ، يُطوِّقه ( أي يُجعَل في عنقه كالطَّوق ) يوم القيامة ثم يأخذ بِلَهْزِمَتَيْهِ ( يعني شدقيه أو جانبَي فمه ) ثم يقول : أنا مالُك أنا كنزك ". ثم تلا: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عِمران:180]. وأما في الدنيا فإنه تُأخذ منه قهراً عنه ، و إن تعنَّت في ذلك و تصدّى لمن يأخذها نوصب القتال من قِبَل الحاكم المسلم الذي يقيم شرع الله عز و جل ، و هو مُؤتمن عليه .

6- كيف تجبى الزكاة مع وجود خلافة إسلامية ؟

تُدفع زكاة الأموال الباطنة مثل النقدين و عروض التجارة عن طريق الإمام ، و الركاز لا يجوز للإمام أن يطلبها .

أما الأموال الظاهرة مثل الأنعام و الزروع و الثمار و المعادن ، إن طلب الإمام زكاة هذه الأموال وجب على المالك إعطاؤه إياها .



7-اشرح هذا القول : الزكاة مدعاة للعمل والربا مدعاة للكسل .

الزكاة مدعاة للعمل لأن الإنسان إذا ادخر أمواله لسنوات دون أن يشغلها فسوف تنقص بنسبة 2,5% سنوياً عندما يخرج الزكاة منها دون تشغيلها ، لذا كان لا بد من تشغيل المال حتى يزداد و لا تأكله الزكاة فيدور المال بين أيدي الناس و يحصل النفع للجميع و تتحرك العجلة الاقتصادية في البلد ، أما الربا فمدعاة للكسل لأنه عندما يضع الإنسان ماله في البنك و يأخذ الفائدة عليها بدلاً من تشغيلها دون وجود خطر الخسارة في التجارة حيث الربح مؤمن دون تعب أو مخاطرة ، يتم بذلك تجميد الأموال التي في المصارف دون أن ينتفع بها الناس ، مما يؤدي إلى شلل الحركة الاقتصادية و تكاسل أصحاب رؤوس الأموال عن العمل .

8- ما معنى قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : " إذا أعطيتم فأغنوا " ؟

القاعدة أننا إذا أردنا أن نعطي الزكاة لواحد يجب أن نغنيه لأن المقصود أن يصبح الفقير غنياً كما كان يحصل في عهد التابعين مثلاً حيث كان يأتي الفقير بيت مال المسلمين فيُسأل عما يجيده من أعمال و يُعطى له المال الكافي لشراء الأدوات التي سيستعملها في عمله ( النجارة ، الحدادة … ) حتى لا يبقى في طبقة الفقراء و يصبح قادراً على كفاية نفسه و يصبح من معطي الزكاة لا من آخذيها و بعد تطبيق هذه القاعدة أصبح يُنادى في عهد عمر بن عبد العزيز بين الناس : من منكم أهل لأن يأخذ الزكاة ؟ فما وُجِدَ بين المسلمين فقير هو أهل لأخذ الزكاة فدُفِعَ هذا المال لتجهيز الجيوش . هذا المثال يوضح كيف أن إعطاء الفقير المال شيئاً فشيئاً و إذلاله هو عكس مفهوم الزكاة ، كما كان يفعل أحد التجار اليهود الذي كان يقف ببابه عدد من السائلين المسلمين، فكان يعطي كل واحد منهم ربع ليرة لتعويدهم على الاستجداء و الذل دون إغنائهم فيتعرضون لذل السؤال يومياً .

9- من تجب عليه الزكاة ؟

شروط وجوب الزكاة هي :

1- الإسلام : فلا تجب الزكاة وجوب تكليف في الدنيا على كافر ، مع أن الكفار مخاطبين بفروع الشريعة ، فهم مخاطبون بالإسلام و يعاقَبون على تركه و عند جمهور العلماء هم معاقبون على ترك الصلاة و الزكاة و الصيام و كل فريضة فرضها الله تعالى على المسلمين .

2- ملكية النصاب : و هو حد أدنى من المال سيأتي بيانه ، فمن لم يملك النصاب لم تجب عليه الزكاة

3- مرور حول قمري كامل على ملكية النصاب : فلا زكاة في المال مهما بلغ إلا بعد مرور عام كامل عليه ، دل على ذلك قول النبي صلى الله عليه و سلم : " ليس في مالٍ زكاةٌ حتى يحول عليه الحول " ، رواه أبو داود .

و يُستثنى من هذا الشرط الزروع و الثمار و الدَّفائن ، فلا يشترط الحَول في وجوب زكاة هذه الأموال ، بل تجب فيها فور تحصيلها أو الحصول عليها ، و سيأتي تفصيل ذلك في مكانه إن شاء الله تعالى .

10- هل تجب الزكاة في مال الصبي الذي ملك نصاباً وحال عليه الحول وهو دون البلوغ ؟ وهل تجب في مال المجنون ؟

من خلال بيان الشروط السابق ذكرها علمنا أنه لا يشترط لوجوب الزكاة في المال بلوغ صاحبه و لا عقله و لا رشده ، فالعبرة تكمن في ملك النصاب ، فعلى الإنسان أن يسجل متى ملك النصاب و يبدأ الحول من هذا اليوم أو التاريخ ، فإن كان معه فوق النصاب يزكي على كل ما معه و إن لم يكن معه نصاب فلا زكاة عليه . و من لا يعرف متى ملك النصاب لأول مرة يسير على ما سار عليه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، فكان يجعل زكاته في رمضان من كل عام و الأفضل في العشر الأخير منه لأن الأعمال فيها مضاعفة الأجر . و عند الشافعية إذا ملك الصبي أو الفتاة نصاباً و هم دون البلوغ وجبت عليهم الزكاة . و ليس المعنى أنَّ الصبي و المجنون مكَلَّفان شرعاً بإخراج الزكاة من ماليهما بحيث لو لم يؤدِّها كل منهما عوقب يوم القيامة ، و إنما المعنى أنَّ حق الزكاة متعلق بأموالهما إذا تكاملت فيها شرائطه ، فيجب على وليِّ كلٍّ منهما أن يؤدي هذا الحق لأصحابه ، بحيث لو قصَّر في ذلك الوليُّ كان آثماً مستحقاً للعقوبة من الله عز و جل ، فإن لم يكن له ولي ، وجب على الصبي بعد البلوغ و على المجنون إن أفاق من الجنون أن يخرجا زكاة السنوات الماضية . و يفضَّل تشغيل أموالهما لأن المال إذا لم يشغل أكلته الزكاة ، أخرج الدارقطني في سننه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : " من وَلِيَ يتيماً له مال فَليَتَّجِر له ، و لا يتركه حتى تأكله الصدقة " ، ( اليتيم هو من مات أبوه و هو دون البلوغ ) . و يُقاس المجنون على الصبي في هذا لأنه في حكمه . أما عند الأحناف فلا تجب الزكاة في مال الصبي حتى يبلغ و لا تجب كذلك في مال المجنون . و الأحوط هو الأخذ بقول الشافعية حتى لا تمر لحظة على الإنسان و عنده النصاب دون أن يزكي طلباً للبركة .

قال عليه الصلاة و السلام : " ما نقص مال من صدقة " .

و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان ، فيقول أحدهما ، اللهم أعطِ منفِقاً خلفاً و يقول الآخر ، اللهم أعطِ مُمسِكاً تلفاً " ، متفق عليه .







11- ما هي مصارف الزكاة و من هم مستحقوها ؟

المستحقون للزكاة ذكرهم الله تعالى بقوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60].

إذاً فالذين تُصرَف إليهم الزكاة هم :

1. الفقراء

2. المساكين

3. العاملون عليها

4. المؤلفة قلوبهم

5. و في الرقاب

6. الغارمون

7. في سبيل الله تعالى

8. ابن السبيل .

فهؤلاء الأصناف الثمانية هم المستحقون للزكاة ، و هي محصورة فيهم فلا تُصرَف إلى غيرهم .

12- من هو الفقير ؟

الفقير هو الذي لا يستطيع أن يدفع على نفسه و على من يعول النفقة المطلوبة منه أي الحاجات الأساسية ، مثلاً مسلم دخله الوحيد يبلغ 300 $ ، لا يكفيه هو و زوجته و أولاده فهذا المسلم يُعطى ما يكفيه لأنه لا يملك كفايته .

و لا تُعطى الزكاة لكل ذي مِرَّة قوي و هو القادر على العمل إلا إن كان هناك ما يمنعه عن العمل كطلب العلم مثلاً فهذا الطالب الفقير المتفرغ لطلب العلم يُعطى بوصفه فقيراً لأنه اشتغل بما ينفع المجتمع و لا مدخول لديه مع أنَّ القاعدة تنص على أنَّ ذا المِرَّة السَّوي لا يُعطى .

أما من اشتغل بالعبادة كالصيام أو الصلاة أو قراءة القرآن و ترك العمل فلا يُعطى من مال الزكاة لأنه ينفع نفسه و لا ينفع المجتمع .

13- ومن هو المسكين ؟ ومتى يعتبر الإنسان فقيراً ؟

قال الله تعالى: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 16] ، ذا متربة أي ذا فاقة شديدة لصق منها بالتراب. فالمسكين هو أكثر فقراً من الفقير فمن يملك أقل من نصف ما يلزمه فهو مسكين و من يملك أكثر من نصف ما يلزمه و ليس كل ما يلزمه فهو فقير : كأن يكون بحاجة مثلاً ل500 $ شهرياً و مدخوله 70 $ ، بينما الفقير هو من كان بحاجة مثلاً ل500 $ و مدخوله 300 $ . هذا عند الأحناف و عند الشافعية العكس أي أنَّ الفقير هو أفقر من المسكين .

14- من هم " العاملون عليها " ؟ وكم يُعطون من الزكاة ؟ وهل يصح أن يعطوه نسبة مما حصَّلوا ؟

" العاملون عليها " هم جُباة الزكاة ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم و كذلك الخلفاء رضي الله تعالى عنهم من بعده يرسلون أناساً لجمع الزكاة . و يُعطون نسبة 10 % من أموال الزكاة على سبيل أجرة المثل لقاء جهدهم و تعبهم في تحصيل الزكاة .

و يُروى أنَّ النبي صلى الله عليه و سلم أرسل أحد الجُباة لجمع الزكاة فاجتمع بأحد الأشخاص فأُعجِبَ به و أعطاه هدية عباءة . أخبر الجابي رسول الله صلى الله عليه و سلم بذلك فقال له عليه الصلاة و السلام : " دعها في بيت الزكاة " ، فقال له : هذه هدية لي ، فقال له الرسول صلى الله عليه و سلم : " هلاّ جَلَستَ في بيتك و جاءتكَ الهدية " !؟ . من هنا نقول بأنَّ كل ما نتج أثناء تحصيل الزكاة هو من مال المسلمين فلا يحِقُّ للجباة أخذ شيء منه كما أنه يحرم عليهم أخذ نسبة مئوية من أموال الزكاة و لا يجوز بالتالي للمزكي أن يدفع زكاته إلى مثل هؤلاء ، فإن فعل لم تجزئه لأنه صرفها في غير مصارفها .

15- من هم المؤلفة قلوبهم ؟

المؤلفة قلوبهم هم أناس دخلوا في الإسلام حديثاً ، قد يكونوا أغنياء و قد يكونوا فقراء ، و يُعطون من الزكاة لتأليف قلوبهم أو ليعلم أقاربهم أنَّ من يدخل في الإسلام له معونة و ليس أمره سائباً و لن يكون مُحارباً في مجتمعه . و في عصر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوقف هذا السهم و لم يعد يعطي المؤلفة قلوبهم من الزكاة لأن المسلمين أصبحوا في عزَّة و الكافرون في ذِلَّة و كانوا كما قال عمر رضي الله عنه يكفيهم شرفاً أن أسلموا و يكفيهم مكانةً و شرفاً أن انتسبوا إلى هذا الدِّين العزيز . أما اليوم فقد عاد سهم المؤلفة قلوبهم من جديد .

16- ما معنى وفي الرقاب ؟ وهل يدخل فيهم فك أسير مسلم ؟

الرقاب أي العبد المكاتَب أي العبد المملوك يأتي إلى سيده و يقول له أنه يريد أن يصبح حراً فيوافق سيده على طلبه هذا مقابل أن يدفع العبد له مبلغاً معيَّناً من المال مثلاً 2000 درهم . فيدفع العبد 500 درهم و يذهب إلى أحدهم ليعطيه من مال الزكاة . و في عصرنا يُفتى بفك أسير مسلم من باب في الرقاب و به صرَّح الحنابلة و بعض فقهاء المالكية .





17- من هم الغارمون ؟ وما هي الشروط التي تجوِّز للغارم أن يأخذ من الزكاة ؟

الغارمون هم الذين أثقلتهم الديون و عجزوا عن وفائها . فيُعطى هؤلاء ما يقدرون به على وفاء ديونهم التي حلَّت آجالها مع ما يكفيهم مطعماً و ملبساً و مسكناً و ذلك بشروط هي :

* الإسلام

* أن لا يكون دَينه في معصية كمن استدان من البنك و خسر فلا نعطيه من الزكاة - عند المالكية و الشافعية و الحنابلة - إلا إن تاب و عُلِمت توبته و غلب على الظن صدقه في توبته .

* أن لا يكون الدَّين حالاًّ أو في هذه السنة و إلا لم يُعطَ من زكاة تلك السنة و به قال الشافعية أي إذا كان دينه غير حالٍّ لا يعطى من الزكاة .

أن لا يكون قادراً على السداد من مال عنده زكوي أو غير زكوي زائد عن كفايته ، و لو وجد ما يقضي به بعض الدين أُعطيَ البقية فقط .

18- ما معنى قوله تعالى في آية مصارف الزكاة في سبيل الله ؟

" في سبيل الله " أي في تجهيز الجيوش للقتال في سبيل الله تعالى وهم الذين ليس لهم نصيب في الديوان بل هم متطوعون و لو كانوا أغنياء ، و يُعطَون قدر كفايتهم و أمّا جنود الجيش الذين لهم نصيب في الديوان فلا يُعطون من الزكاة و في أحد قولين عند الشافعية إن تعذَّر إعطاؤهم من بيت مال المسلمين و كانت الدولة عاجزة عن تغطية نفقات الجيش يجوز إعطاؤهم من مال الزكاة و شراء كل ما يلزم من الأسلحة و العتاد لقتال الأعداء و لإعلاء كلمة الله تعالى أما فيما عدا ذلك فإنه لا يجوز .

19- ما معنى قوله تعالى " ابن السبيل " في آية مصارف الزكاة ؟

" ابن السبيل " هو الإنسان المسافر الذي وُجِدَ في بلد غريب عن بلده حيث ضاعت أمواله و لم يعد يملك المال الكافي ليعود إلى بلده ، فيجوز له أن يُعطى من مال الزكاة قدر كفايته ، و يُشتَرَط لابن السبيل أن لا يكون في سفر معصية .

20- ما هي شروط استحقاق الزكاة ؟

* الإسلام

* عدم القدرة على الكسب أو عدم كفاية ما يقبضه من مال .

* أن لا تكون نفقته واجبة على المزكي فلا يجوز دفع الزكاة لأصله أو فرعه

أن لا يكون من آل النبي صلى الله عليه و سلم و عندنا آل النبي صلى الله عليه و سلم هم بنو هاشم و بنو عبد المطلب و لهم خمس الخمس من الغنائم . و لقد أفتى المتأخرون من العلماء بجواز إعطاء آل بيت النبي صلى الله عليه و سلم من الزكاة بما أنه لم يعد هنالك في عصرنا الحالي جهاد و ليس من العدل تركهم فقراء .

21- هل يعطى من الزكاة من لا يملك قوت عام ولكن له مرتب أو صنعة تكفيه ؟ وماذا لو كان يأتيه أقل من كفايته ؟

عند الجمهور من لا يملك قوت عام كامل يُعطى من الزكاة و لو كان عنده نصاباً خلافاً للأحناف . قال جمهور العلماء من مالكية و شافعية و حنابلة أنَّ العبرة بما يكفيه و من يعول فإن لم يجد ذلك حلَّت له الزكاة و لو كان ما عنده يبلغ نصاباً زكوياً و على هذا فلا يمتنع أن يوجد من تجب عليه الزكاة و هو مستحق للزكاة بخلاف الأحناف فعندهم لا يُعطى من ملك نصاباً و عندهم لا يجتمع دافع زكاة و آخذها في وقت واحد . مثلاً رجل أجره 300 $ شهرياً و لديه عائلة من 5 أشخاص و اقتصد 1000 $ و وضعها جانباً للطوارىء ( أجرة مستشفى أو إيجار بيت )و لكنه في نفس الوقت معاشه لا يكفيه ، فهذا الشخص يستحق أن يأخذ الزكاة و عليه الزكاة عن ماله الذي اقتصده .

و قال الأحناف من تجب عليه الزكاة لا يحلُّ له أن يأخذ الزكاة لقوله عليه الصلاة و السلام : " إنَّ الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُرَدُّ على فقرائهم" .

و من المتفق عليه أنَّ من له مرتَّب يكفيه لم يجز إعطاؤه من الزكاة و كذا من كان له صنعة تكفيه و إن كان لا يملك في الحال مالاً ، و كذا من كان لا يملك قوت عام كاملو لكنه يأخذ شهرياً ما يكفيه هو و من يعول فلا يستحق الزكاة ، فإن كان يأتيه أقل من كفايته يجوز إعطاؤه تمام الكفاية .

22- هل يجوز إعطاء الزكاة للفقراء والمساكين القادرين على العمل ؟

لا يصح عند الشافعية و الحنابلة إعطاء الفقراء و المساكين القادرين على كسب كفايتهم و كفاية من يعولون و لا يملكون و لا تُجزىء و قال الأحناف يجوز دفع الزكاة إلى من يملك أقل من نصاب و إن كان صحيحاً مكتسباً .

23- هل يجوز إعطاء الزكاة للفقير الذي يكتفي بنفقة غيره عليه ؟ وماذا لو كان لا يكتفي ؟

لا يجوز إعطاء الزكاة لمن يكتفي بنفقة غيره عليه فإن كان لا يكتفي جاز .

24- كم يعطى الفقير من مال الزكاة ؟

يُعطى الفقير ما يُخرجه من الفقر أو ما يكفيه و من يعول عاماً كاملاً .

25- هل يجوز إعطاء طالب العلم الشرعي الفقير القادر على العمل ولكنه مشتغل بطلب العلم الشرعي من الزكاة ؟ وما حكم ذلك ؟ وهل يجوز إعطاء طالب العلم الشرعي الغني من الزكاة ؟

لا تُعطى الزكاة لكل ذي مِرَّة قوي و هو القادر على العمل إلا إن كان هناك ما يمنعه عن العمل كطلب العلم فقد إتفق فقهاء الإسلام على جواز إعطاء المتفرغ لطلب العلم الشرعي الزكاة بوصفه فقيراً لأنه يشتغل بما ينفع المجتمع و لا مدخول لديه مع أنَّ القاعدة تنص على أنَّ ذا المِرَّة السَّوي لا يُعطى ، على حين يُحرَم من الزكاة المتفرغ للعبادة و ذلك إنَّ العبادة في الإسلام لا تحتاج إلى تفرغ كما يحتاج العلم و التخصص فيه ، كما أنَّ عبادة المتعبِّد هي لنفسه أمّا علم المتعلِّم فله و لسائر الناس . و اشترط بعض الشافعية في طلب العلم أن يكون نجيباً يُرجى نفع المسلمين بتفقهه . و لا يجوز إعطاء طالب العلم الغني من الزكاة .

26- هل يجوز إعطاء من كان فقيراً قادراً على الكسب لكن ذلك الكسب لا يليق به كمن كان طبيباً فلم يجد إلا وظيفة سائق سيارة مثلاً ؟

من كان قادراً على الكسب لكن ذلك الكسب لا يليق به أو يليق به و لكن لم يجد من يستأجره يمكن له أن لا يعمل حتى يجد ما يليق به و يُعطى من مال الزكاة .

27- هل يصح دعوة الأيتام الفقراء إلى وليمة إفطار في رمضان مثلاً من مال الزكاة ؟

كلا لا يصح لأن هؤلاء لم يُملَّكوا مالاً .

28- هل يجوز للمسلم أن يشتري بزكاة ماله حاجيات ضرورية مثل حصص غذائية ويعطيها للفقير بدلاً من إعطائه المال أم يجب عليه إعطاءه المال ؟

كلا لا يجوز ذلك و الأصل أن يعطي المال للفقير لأنه وجب في ذمته مالاً . فلو أن رجلاً على سبيل المثال له في ذمتي مالاً لا يحق لي أن أشتري له حصص غذائية بقيمة المال ، و الزكاة حق للفقير و حقه أن نعطيه مالاً يتصرف به وفقاً لحاجته و هو صاحب المنَّة لا المزكي لذلك كان الأصل عدم التصرف بأموال الفقير إلا إن كان هذا الفقير سفيهاً و حكم القاضي بسفهه . و لكن الآن لا يوجد قاضٍ يحكم بهذه الأمور و يراقب تصرفات المُزكى له ، فإن عُلِمَ أنَّ هذا الفقير سفيه و ليس لديه وليّ يمكن إعطاؤه المال بدلاً منه و خشي المزكّي إن هو أعطاه المال أن ينفقه في غير مصرفه و بشكل عشوائي يضره ، عندها يمكن للمزكّي أن ينوب عن وليّه فيعطيه ما يظن أنّه قد يفيده أكثر من المال ، و هذا قول الجمهور ، و أفتى الأحناف أيضاً بالجواز و لكن الأصل عندهم عدمه حيث الأجر في إعطاء المال أكبر .

29- هل يجوز للمسلم أو لجمعية خيرية تجمع أموال الزكاة أن تصرفها لتعليم أولاد المسلمين في المدارس أي بدفع أقساطهم ؟

الأصل أنه لا يجوز ، و لكن الأحناف أجازوه شريطة أن يستأذن المسلم أو الجمعية الخيرية من الفقير بدفع مال الزكاة الواجبة له كقسط ولده في المدرسة ، فإن أذن لهم جاز .

30- هل يجوز للمسلم أو لجمعية خيرية تجمع أموال الزكاة أن تصرفها لتطبيب المسلمين كإجراء عملية جراحية لأحدهم مثلاً ؟

كلا ، فالتطبيب ليس مصرفاً من مصارف الزكاة و القاعدة باتفاق جميع الفقهاء تشترط في الزكاة تمليك المال للفقير و هنا الفقير مُلِّكَ منفعةً لا مالاً . مثال ذلك عائلة مسلمة أو جمعية خيرية تجمع أموال الزكاة دعت الفقراء إلى وليمة إفطار من مال الزكاة ، هنا الفقير انتفع بالأكل و لكنه لم يُمَلَّك شيئاً و هذا مما لا يجوز .

أما لو جاء فقير بحاجة لعملية و طلب مالاً فيجوز في هذه الحالة أن نعطيه المال أو نستأذنه بأن نحاسب المستشفى مباشرة بكلفة العملية و لكن لا يحق لنا أو للمزكي أن يتعاقد مع مستشفى أو عيادة فيدفع لهم شهرياً أجور طبابة الفقراء لأن الفقراء في هذه الحالة لم يتملَّكوا عيناً أي مالاً الذي هو حقهم بل تملَّكوا منفعة و هي لا تعتبر مال زكاة .

31- عائلة من عائلات بيروت جمعت زكاة فطرتها ودفعتها بدل قسط لابن أحد أقاربهم فهل أجزأت عنهم زكاة الفطر أم لا ؟

كلا لا تُجزىء لأن زكاة الفطر فرض و الصيام معلَّق بها و لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد عند الأحناف و عند الشافعية إلى غروب يوم العيد و سبب عدم قبولها عدم تمليكها للمحتاج و عدم استأذانه إذ لا بد أن يسأذنوا .

كلا لا يصح لأنَّ هؤلاء الأيتام لم يُمَلَّكوا مالاً .

32- وهل يجوز دفع الزكاة لبناء مسجد أو مدرسة إسلامية أو مساعدة إذاعة إسلامية ؟

كلا لا يجوز ذلك و يُعتبر ما يُدفع إليهم من مال من باب الصدقات .

33- وهل يعطى من أراد أن يحج حجة الاسلام ولا مال عنده من الزكاة ليحج أو من أراد السفر لطلب العلم الشرعي إن لم يكن عنده ما يكفيه للسفر من باب ابن السبيل ؟

بالنسبة للحج قال الله تعالى " لمن استطاع إليه سبيلا " أي من حيث الوجوب فلا يطالب بالحج إذا لم يتوفر لديه المال الكافي و لمن إن ملكته صح حجه ، فإن عُرِضَ على الإنسان المال لكي يحج له الخيار أن يقبل أو أن يرفض خشية المِنَّة فإن لم يكن هناك مِنَّة ربما كان عليه القبول . و من كان في بلده و أراد أن ينشىء سفراً منع الجمهور إعطاءه من مال الزكاة و أجاز الشافعية إعطاءه لنحو حج أو طلب علم شرعي .

فائدة : الحج فرض على الفور لا على التراخي لمن استطاع إليه سبيلا و هو مُقَدَّم على الزواج إلا إن خاف الرجل على نفسه من الوقوع في الحرام و عند الشافعية الحج ليس على الفور بل على التراخي .

34- هل يجوز دفع الزكاة لترميم البيوت العتيقة لأصحابها ؟

كلا لا يجوز .





35- هل يجوز إعطاء الفقير والمسكين في البلد إن كانوا من جنسيات أخرى ؟

نعم ، و العبرة ببلد الإقامة إذا كان الإنسان مقيماً أي لا يقصر و لا يجمع و لا يصح دفع الزكاة لغير المسلم قولاً واحداً .

36- هل يجوز للمرأة أن تعطي زكاة مالها لزوجها الفقير ولأولادها الفقراء ؟

نعم يجوز و يستحب عند الشافعية أن تعطي الزوجة زكاة مالها لزوجها و أولادها الفقراء لأنَّ نفقة الزوج و الأولاد غير واجبة على الأم و الزوجة .

37- هل له أن يدفع زكاة ماله لأخته أو أخيه ؟وهل له أن يدفع زكاة ماله لعمه وعمته أو خاله وخالته ؟ وهل له أن يدفع زكاة ماله لأخته التي تحت نفقة أبيه مع العلم أنَّ أباه فقير ونفقته واجبة على ابنه المزكي ؟

نعم له ذلك ، إن كانت نفقة أخته و أخيه غير واجبة عليه . و ليس له أن يدفع لأخته في هذه الحالة لأن نفقتها واجبة عليه .

38- هل له أن يدفع زكاته لأخيه الكبير مثلاً لتكميل دراسته الكفائية ؟

أولاً لا يجوز لذي مِرَّة سوي قادر على العمل أن يأخذ من الزكاة إلا إن اشتغل بنحو طلب علم أو إن اشتغل بفرض كفائي يحتاج إليه المسلمون و يسد ثغرة من الثغرات التي يحتاج إليها المجتمع الإسلامي في هذه الحالة يصح أن ندفع له . من هنا يصح أن يدفع لأخيه زكاة ماله .

39- هل للمزكي أن يعطي أهله أو فرعه إن كان مديناً أو مجاهداً في سبيل الله تعالى ؟

نعم يجوز للمزكي أن يعطي أهله الذين لا تجب عليهم نفقتهم و يصح عند الشافعية أن يدفع زكاة ماله لأبنائه الكبار القادرين على الكسب و لا كسب يكفيهم إن لم يكونوا في عياله . و يجوز أن يعطي من تجب عليه نفقته إن كان مديناً أو مجاهداً في سبيل الله .

40- إذا مات المدين ولا وفاء في تركته هل يجوز سداد دينه من الزكاة ؟

كلا لا يجوز عند الجمهور سداد دَينه من الزكاة . و قالوا من مات و كان ينوي سداد دينه سدَّده الله عنه .

41- ما حكم من دفع زكاته لمن ظنه مصرفاً من مصارف الزكاة فتبين خطأه ؟

مثاله لو أعطى رجل من ظنَّه فقيراً عاجزاً فإذا به ليس من أهل الزكاة أو من دفع زكاته لجمعية خيرية ما ظناً منه أنها تصرفها في مصاريف الزكاة فإذا بها لا تراعي الفرق بينها و بين الصدقات والعياذ بالله تعالى كما هو حال كثير من الجمعيات في بلدنا ، في هذه الحال الحكم هو التالي :

إن تحرّى عند دفعه للزكاة و بان بعد تحرّيه أنه مَصرِفَ زكاة فدفعها ثم عاد فتَبَيَّن خطأه أجزأت زكاته و ليس مطالباً بالإعادة و قال أبو حنيفة صحَّت زكاته و ليس عليه إعادة دفعها لأنه قد أتى بما في وسعه ( المختار من تحرّى ) . أمّا إذا أدَّاها دون تحرٍّ فبان خطؤه قال الأحناف وجب عليه إعادة دفعها . أما في حال دفع الزكاة إلى جمعية و هو يشكُّ إذا ما كانت ستصرفها في مصارفها أم لا لم تجزئه زكاته تماماً كمن اجتهاد فأصاب من ليس أهلاً للزكاة كمن أعطى فقيراً عاجزاً فإذا به غني أو أعطى جمعية خيرية لا تراعي الفرق بين الصدقات و مصارف الزكاة و بين أموال الفوائد ، قال مالك و الشافعي إلى أنها لا تجزئه و لا بد من إخراجها مرة أخرى .

42- هل يجوز للجمعيات الخيرية التي تجمع زكاة الأموال أن تبقي مبلغاً يسيراً من عام إلى عام للطوارىء ؟

نعم ، لا بأس متى كان في ذلك مصلحة .

43- هل يجوز نقل الزكاة من بلد إلى بلد أخر ؟ وما دليل ذلك ؟

إذا فاضت الزكاة في بلد عن حاجة أهلها جاز نقلها اتفاقاً بل وجب ذلك ، أمّا مع الحاجة فيرى الحنفية أنه يُكره تنزيهاً نقلها من بلد إلى بلد و إنما تُفرَّق صدقة على أهل كل بلد . و دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه و سلم :

"… تؤخذ من أغنيائهم فتُرد على فقرائهم " ، و لأن فيه رعاية حق الجوار .

44- هل العبرة ببلد المال أم ببلد المزكي ؟ وهل يستثنى من الحكم السابق شيء ؟ وهل تجزىء الزكاة إن نقلها المسلم إلى بلد آخر ؟

العبرة ببلد المال لا ببلد المزكي . و استثنى الحنفية إن نقلها المزكي إلى قرابته لما في إيصال الزكاة إليهم من صلة رحم و قالوا يُقدَّم الأقرب فالأقرب . و استثنوا أيضاً أن ينقلها إلى قوم هم أحوج إليها من أهل بلده و كذا لمن هو أصلح أو أورع أو أنفع للمسلمين أو من دار حرب إلى دار الإسلام أو إلى طالب علم . و ذهب المالكية و الشافعية في الأظهر و الحنابلة إلى أنه لا يجوز نقل الزكاة و لكن لو فعل أجزأه عند الحنفية و الشافعية و الحنابلة و قال المالكية إن نقلها لمِثل من في بلده في الحاجة فتُجزئه مع الحرمة و إن نقلها لأقل منهم في الحاجة لم تجزئه و قيل تجزىء مطلقاً فيكون الحكم أنها تجزىء عند الكل .

45- ما معنى النصاب ؟ ما هو نصاب الفضة وما هو نصاب الذهب ؟ وعلى أي النصابين العمل اليوم ؟

نصاب الذهب يبلغ 96 غرام من الذهب و نصاب الفضة 672 غرام من الفضة و نصاب المال بالخِيار . و يُعمَل اليوم على نصاب الذهب لأن في ذلك رأفة بالفقير .

و لكن يُفتى بنصاب الفضة لأمثال طلبة المدارس و الجامعات الذين يتجمع عندهم مبلغ من المال يزيد عن نصاب الفضة و ليس عندهم مسؤوليات عائلية ، لذلك يُستحسن أن يحاسبوا أنفسهم على نصاب الفضة فإنه أحوط لهم .

46- ما هي الأموال التي تجب فيها الزكاة ؟ .

الأموال التي تجب فيها الزكاة هي :

1- النقدان : و المقصود بهما : الذهب و الفضة ، سواء كانا مضروبين أو كانا سبائك و سواء كان التعامل الفعلي بهما أو بأوراق تقوم مقامهما ، و منهما أيضاً الأواني و القطع الفضية و الذهبية المُعّدَّة للاستعمال أو للزينة ( و عند الأحناف لا زكاة في هذه الأواني ) . أما بالنسبة للحليّ فسوف نفصِّل فيه لاحقاً إن شاء الله تعالى .

2- الأنعام : و منها البقر و الغنم و المعز و الإبل …

3- الزروع و الثمار : تجب الزكاة فيها إذا كانت مما يقتاته الناس في أحوالهم العادية ، و يمكن ادِّخاره دون أن يفسد . و من الثمار : الرُّطب و العنب و من الزروع : الحنطة و الشعير و الأرز و الحمص و الذرة ...إلخ .

لا يُشترَط فيها الحول بل تُدفَع الزكاة وقت الحصاد لقوله تعالى :

{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141].

4- عروض التجارة : و المقصود بالتجارة تقليب المال بالمعاوضة لغرض الربح ، و هي لا تختص بنوع معين من المال و العروض هي السِّلع التي تقلَّب في الأيدي بغرض الربح .

47- هل يجوز الشرب والأكل في آنية وصحاف الذهب والفضة ؟ وهل الحرمة للرجال أم للنساء ؟ وهل يجوز اقتناء آنية الذهب والفضة للزينة مثلاً ؟ .

روى البخاري و مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :" لا تشربوا في آنية الذهب و الفضة و لا تأكلوا في صحافها " . و الحرمة للرجال و للنساء . و يحرم استعمال الأواني الذهبية و الفضية للأكل و الشرب عند جميع الفقهاء بالاتفاق .

و لا يجوز عند الشافعية اقتناء أواني الذهب و الفضة سواء كانت للزينة أو للأكل فيها .

و قال الأحناف إنَّ الآنية الذهبية و الفضية للاقتناء و الزينة لا بأس بها .

أما ما كان مطلياً من الأواني طلاءً خفيفاً بحيث إذا مرَّ على النار لا يتأثر فلا بأس فيه .







48- هل تجب الزكاة في أواني الذهب والفضة وفي الحلي المحرم استعماله كخاتم الذهب للرجال والمكروه استعماله كالضبة الكبيرة لحاجة او الصغيرة لزينة ؟

نعم تجب الزكاة في أواني الذهب و الفضة عند الشافعية و لا تجب عند الأحناف . و يزكي الرجل عن الحلي المحرم أو المكروه استعماله .

49- هل يجوز للمرأة أو للرجل أن يستعملا قلماً من ذهب أو فضة ؟

كلا ، لا يجوز إلا إذا كان مطلياً بالذهب أو الفضة بحيث إذا عرض على النار لا يسيل منه شيء .

50- هل في حلي المرأة زكاة ؟ و هل العبرة بزكاة الحلي و وزنه أم قيمته ؟

العبرة بزكاة الحلي وزنه لا قيمته و الأحوط أن ندفع الأكثر . و عند الأحناف تزكي المرأة عن حليِّها إذا بلغ مجموع ما تملكه النصاب و ليس من الضروري أن يبلغ الحلي النصاب فمثلاً لو كان عندها حلي قيمته 500 $ و معها مال نقدي قيمته 500 $ يكون مجموع ما لديها 1000 $ و بذلك تكون قد ملكت النصاب و عليها أن تزكي ، فعند الأحناف تزكي المرأة عن حليِّها مطلقاً إذا بلغ مع مالها النصاب . أما عند الشافعية فلا تزكي المرأة عن حليِّها إلا إذا زاد عن حد مثيلاتها زيادة معتبرة و تكون الزكاة على كل الحلي و ليس فقط عما زاد .

51- هل تجب الزكاة في قلادة المرأة من الليرات الذهبية ؟

و تجب الزكاة في قلادة المرأة من الليرات الذهبية إذا لم تكن لها عرى من ذهب أو نحاس ، فإن كان لها عرى من أحدهما فلا زكاة فيهما . و الصبي دون البلوغ الذي يملك ليرات ذهبية يجب على ولّيه إخراج زكاتها عند الشافعية ، و في حال لم يكن لديه ولي و كبر قضى ما عليه من السنوات و عند الأحناف لا تجب عليه الزكاة حتى يبلغ .

52- هل في حلي الجواهر واللؤلؤ والمرجان والماس ونحوها زكاة ؟ وماذا لو اتخذ حلياً من ذهب وفضة وقصد كنزها لا استعمالها ؟.وكيف يزكيها من يستخرجها من البحار ؟

الأحجار الكريمة من لؤلؤ و مرجان و ألماس و نحوها إن كانت من حُليّ المرأة ، لا زكاة فيها لأنه مال غير تام باتفاق الجمهور .

أما إن كانت اتُّخِذَت للتجارة فزكاتها كعروض التجارة ، و أما إن اتُّخِذَت للقُنية و كنز الأموال ففيها زكاة .

و لو اتخذ حليّاً و لم يقصد به استعمالاً محرماً و لا مكروهاً و لا مباحاً بل قصد كنزه و اقتناءه فالمذهب الصحيح وجوب الزكاة فيه و به قطع الجمهور .

و ذهب جمهور العلماء من الحنفية و المالكية و الشافعية إلى أنَّ المُستخرج من البحار من اللؤلؤ و العنبر و المرجان و نحوها من الأحجار الكريمة لا زكاة فيه إلا إذا بيعت فيُزَكَّى بنسبة 2,5% من ثمنها

فائدة : يُفَضَّل عدم التلفيق بين المذاهب فنطبق مثلاً حكم الزكاة في مال الصبي عند الأحناف مع تطبيقنا لحكم زكاة الحلي عند الشافعية حيث لا زكاة عندهم في حلي المرأة إلا إذا فاقت حد ما تملكه مثيلاتها بنسبة ملحوظة فحينها تجب الزكاة على كل الحلي و يجمع مع المال فإن لم تكن تملك من المال ما يبلغ النصاب و لكن عندها من الحلي ما يفوق مثيلاتها يجمعان و يزكى على الكل شرط أن تكون من الذهب و الفضة لا من الأحجار الكريمة فقط و عند الأحناف حلي الذهب و الفضة فيها زكاة إذا بلغت النصاب و النصاب بالنسبة للذهب هو 96 غرام ذهب أي ما يفوق ثمان مئة دولار تقريباً .

53- ما هو الركاز ؟ و ما هي زكاته ؟ و هل فيه حول ؟

الركاز هو ما كان دفيناً قبل الإسلام من كنوز أو أموال مدفونة ، فإن استُخرِجَت و بلغت النصاب ففيها الزكاة بنسبة 2,5% فور استخراجها كالمعادن .

54- ما هي زكاة المعدن المستخرج من الأرض وهل فيه حول ؟

زكاة المعادن المستخرجة من باطن الأرض مثل البترول و الفوسفور و الحديد و النحاس و الذهب و الفضة مثلاً فلا حول فيها و تزكَّى بنسبة 2,5% و المقصود من هذه المعادن هو ما استُخرِجَ من معدنه تصفية و استخلاصاً مما قد علق فيه . قال النووي : أجمعت الأمة على وجوب الزكاة في المعدن 2,5% و ليس فيه حول .





55- ما هو نصاب الثمار و الزروع ؟ و كيف يزكى ؟

نصاب الثمار أو الزروع هو ما لا يقل عن خمسة أوسق كيلاً ( 900 ليتر ) عند الشافعية ، و لا نصاب عند الأحناف لقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]. و زكاة الزروع تبلغ 10 % إذا كانت تُسقى من مياه الأمطار ، و 5 % إذا كانت تُسقى من مياه الري . أما إذا كانت مختلطة أي تشترك مياه الأمطار و مياه الري في سقايتها فالنسبة تكون بقدر كل من مياه الأمطار و الري مثلاً 6 أو 7 % .

56- كيف يزكي التاجر عن أمواله ؟

يزكي التاجر أمواله كالتالي : عندما يحول الحول يحسب قيمة ما عنده من بضاعة حسب سعر شرائها اليوم زائد ما له من ديون في السوق ناقص ما عليه من ديون زائد ما معه من مال نقداً سواءً في حساب الشركة أو في حسابه الخاص و يزكي على المجموع بنسبة 2,5 % ، و لا علاقة لذلك بالأرباح و الخسائر كضريبة الدولة التي تحسب على الأرباح فقط . ففي الزكاة إن كان معك 100 ألف السنة الماضية تزكي عليها و هذه السنة معك 150 ألف تزكي عليها و هكذا .

57- هل يجوز للتاجر أن يخرج زكاة عروض التجارة من عروض التجارة ؟

الأصل عدم جواز إخراج زكاة عروض التجارة من عروض التجارة فلا تجزؤه عند الحنابلة و المالكية و الشافعية بل تُخرج من المال ، فمن كان عنده ثياب للبيع لا يخرج زكاته ثياباً بل مالاً . و عند الأحناف و في قول صحيح عند الشافعية يصح و لكن شريطة أن يكون الذي يخرجه من البضائع الجيدة عنده أي الرائجة لا الكاسدة فعندها لا يصح لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] أي زكوا من أحسن ما كسبتم من المال و لا تقصدوا المال الرديء المستكره .

و الأولى أن تكون زكاة التجارة من المال تحقيقاً للقول بأن الله تعالى لما فرض الزكاة فرضها لمعنى تعبدي و معنى تعقلي ، فعندما ندفع القيمة من عروض التجارة نكون قد طبقنا المعنى التعقلي دون المعنى التعبدي الذي أمرنا الله سبحانه و تعالى به .

58- هل يعتبر الخليطان مالا واحداً في تعلق الزكاة ؟ وكيف تزكى الشركة المضاربة أموالها ؟

نعم يُعتبر الخليطان مالاً واحداً لرجل واحد في تعلق الزكاة بهما . فمثلاً زيد معه 500 $ ( أقل من النصاب ) و زياد معه 600 $ ( أيضاً أقل من النصاب ) و أرادا أن يؤسسا شركة و حال الحول ، عندها يُعتَبَر الخليطان مالاً واحداً و تكون قيمته في هذا المثال 1100 $ و يزكى .

تزكي الشركة المضاربة أمولها على الربح و الخسارة و على رأس المال . مثاله شركة بدأت رأس مالها بمئة ألف و عند مرور الحول أحصِيَت الأرباح التي بلغت 20 ألف عندها يزكى على الكل البالغ قدره مئة و عشرين ألفاً .

مثال آخر : دخل إبراهيم مضاربة مع عمر : من الأول المال و يبلغ مئة ألف و من الثاني العمل ، إبراهيم له 60 % من الأرباح و عمر له 40 % من الأرباح ، و في آخر السنة ربحا عشرين ألفاً ، فيزكي إبراهيم مع عمر العشرين ألفاً و يزكي إبراهيم وحده رأس المال و هو المئة ألف .

59- من حال عليه الحول ووجبت عليه الزكاة ، هل له أن يؤخر دفعها ؟ وماذا لو أخر ؟

لا يجوز تأخير الزكاة عن وقتها و يجب دفعها فوراً و لو أخَّرها و هو قادر على سدادها أثم لأنه حبس مال الفقراء عنده دون موجب و هذا حرام . و يُستثنى من ذلك ما إذا أخَّرها لمصلحة شرعية كانتظار قريب أو جار غائب أو من هو أحوج من الحاضرين أو كان هو نفسه مسافراً .

و الأفضل تعجيل الزكاة لأننا قد نواجه مشكلة عند حولان الحول مثل عدم توفر النقد فنضطر لإخراجها بضاعة أو تأجيلها ، و الحل أن يُخرِجَ الإنسان كل شهر مبلغاً مُعَيَّناً مثلاً كل شهر عنده (أ) مصروف بيت ، فيضع جانباً جزءاً (ب) و يدفعها زكاة مسبقاً شهرياً ، آخر السنة يكون قد دفع 12 (ب) و هو مبلغ من الزكاة ثم يحسبها و إن بقي عليه شيء يدفعه و هكذا لا يكون عليه مبلغ كبير ليدفعه مرة واحدة و إن كان دفع أكثر يحسب الباقي صدقة يؤجر عليها أيضاً . و الزكاة مقدَّمة على كل شيء لأنها دين الله تعالى و هي أحق أن تُقضى ، فيُقَدَّم دفع الزكاة على شراء الكماليات ، و كثيراً ما نسمع أحدهم يقول و يشتكي بأن عليه ديون للمصرف و لا يملك سيولة عند حولان الحول ليدفع الزكاة و في نفس الوقت نراه يخرج و يسهر و يصرف مئة من هنا و مئتين من هناك ثم يجد نفسه في آخر السنة لا يملك النصاب و بذلك يعفي نفسه من دفع الزكاة ، بينما الأولى بل الواجب تقديم دفع الزكاة على الصرف على الكماليات .

60- هل يجوز للجمعيات الخيرية التي تجمع أموال الزكاة تأخير دفع الزكاة إلى المستحقين ؟ وماذا عليهم لو أخروها ؟

نص العلماء على أنَّ الوكيل ليس له تأخير دفع الزكاة إلى المستحقين إن وُجِدوا و إن أخَّر دفع الزكاة و كان ضامناً أثم اتفاقاً .

61- هل يجوز للمسلم أن يُعَجِّل في أداء الزكاة أي أن يدفعها قبل استحقاقها عليه ؟

نعم يجوز و لكن بشرط بقاء المالك أهلاً لوجوب الزكاة عليه لآخر الحول .

62- هل تجب النية عند دفع الزكاة ؟ وهل تجب عند عزل الحال ؟ وماذا لو دفع الزكاة ثم نواها ؟ وماذا لو وكل وكيلاً بالتصدق بماله ولو لم ينوي بها زكاة ونواها الوكيل عنه ؟

نعم تجب النية عند دفع الزكاة و تجب عند العزل .

لو دفع الزكاة ثم نواها في حال وكَّل لا بد من أن ينوي الزكاة عند تسليم المبلغ إلى الوكيل و لا يجب على الوكيل بعد ذلك أن يستحضر أي نية عند إعطائه للمستحقين و الأفضل أن ينوي الوكيل أيضاً .

نية الوكيل لا تكفي إذا لم ينوِ المالك الموكِّل .

63- رجل حي لا يزكي فأحبَّ ابنه أن يرفع عن والده هذا الإثم فهل يزكي عنه من مال الابن الخاص ؟ ماذا لو كان من مال الوالد ولكن بغير إذنه ؟

كلا ليس له ذلك أما إن كان من مال الوالد فلا بد من إذنه .

64- كيف يزكي الدائن الدين إذا كان حالاً وكان الدائن قادراً على أخذه ؟

إذا كان الدَّين حالاًّ و كان الدائن قادراً على أخذه في أي وقت ، فهو كماله الذي في يده عند الشافعية و يخسم من الزكاة الديون المستحقة و عند الأحناف يزكيه لما مضى من السنين .

65- وماذا لو كان الدين حالاً وكان الدائن غير قادر على أخذه أو دين أنكره المدين ؟

أما إذا كان الدَّين حالاً و كان غير قادر على أخذه فإذا قبضه زكّى عما مضى عليه من السنين ، و عند الأحناف لا زكاة في غير مرجو الأداء ، و عند مالك زكّاه لسنة واحدة .

66- كيف يزكي الدائن دينه إن كان مؤجلاً ؟

ما كان عليه دفع بالتقسيط أو دين مؤجل لم يستحق فليس عليه زكاة حتى يحل الأجل فإذا قبضه زكاه عما مضى من السنين .

67- رجل اشترى بيتاً بالتقسيط على أربع سنوات قيمته 000،200 دفع منها أربعون ألفاً وباقي عليه مئة وستون ألفاً ويدفع كل سنة أربعون ألفاً ومعه مبلغاً و قدره سبعون ألفاً لا يستعمله ولكن هو للاحتياط وحال على هذا المال الحول فهل يزكيه أم يُعتَبَر مَديناً ؟

لا يُعتبر مديناً و عليه دفع الزكاة .

68- شاب غير متزوج ولا يوجد عنده بيت - و هو من الحاجات الأساسية التي لا زكاة فيها - يعمل ويجمع المال حتى يشتري به بيتاً وبلغ هذا المال نصاباً وحال عليه الحول فهل فيه زكاة ؟

نعم .

69- رجل يجمع المال ليحج به وحال عليه الحول هل فيه زكاة ؟ رجل يجمع المال ليجهز ابنته للزواج ووضع هذا المال في المصرف باسم ابنته وبلغ نصاباً وحال عليه الحول فهل فيه زكاة ؟

نعم في كلا الحالتين .

70- إذا بلغ المال عند جمعية من الجمعيات الخيرية التي تجمع أموال الزكاة نصاباً وحال عليه الحول فهل عليه زكاة ؟ وماذا لو بلغ مال الوقف نصاباً وحال عليه الحول هل فيه زكاة ؟

نعم عليه زكاة و الأصل أن تعرف الجمعيات زكاة كل عام في عامها و المفروض أن لا تُبقي عندها شيئاً من المال بل تصرفهم كلهم للفقراء و المساكين و المستحقين قبل حولان الحول و في حال بقي لديها شيء من مال الزكاة وجب عليها دفعه و توزيعه فوراً إلى مستحقيه ، أما إذا كان ما بقي لديها هو من مال الصدقات و حال عليه الحول وجبت فيه الزكاة و لا يجوز أن يختلط مال الزكاة بمال الصدقات و لكن إن أرادت أن تُبقي شيئاً للطوارىء فلا بأس متى كان في ذلك مصلحة . أما بالنسبة لمال الوقف خاصة و المال العام عموماً مثل بيت المال فلا زكاة فيهما .

71- كيف يُزكى المال الموروث ؟

المال الموروث صرَّح المالكية بأنه لا زكاة فيه إلا بعد قبضه ، يستقبل الوارث به حولاً و لو كان قد أقام سنين و سواء علم الوارث به أو لم يعلم . و هو يُعتَبَر مالاً مستفاداً عند قبضه لا عند لزومه بالزمة ، مثاله : رجل مات و ترك 300.000 و عنده صبي و بنت ، للبنت 100.000 و هي لن تحصل عليها بالفعل إلا بعد حصر الإرث فلا تزكي عليها إلا عند قبضها .

72- لو ورث عقاراً ثم نواها للبيع و بقي عرضة للبيع عشرة سنين ثم باعه كيف يزكيه ؟

يضم المال إلى رأس ماله ويزكيه بعد قبضه عند حولان الحول كالمال المستفاد .

73- كيف تزكى الأجور المقبوضة سلفاً مثل استثمار البيوت والمتاجر ؟

عند الحنابلة و قول عند الأحناف أن هذه الأجور تضاف إلى رأس المال و يُزَكَّى عن الجميع بعد حولان الحول . و عند المالكية و الشافعية لا تجب إلا زكاة ما استقر .

يـــتـــبـــع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://pontera.yoo7.com
غــــريــــب
الــمــديــر الــعــام


عدد المساهمات: 2566
نقاط: 7147
تاريخ التسجيل: 01/10/2010
الموقع: الــمــغــرب

مُساهمةموضوع: رد: الفقه الإسلامي   الثلاثاء أكتوبر 12, 2010 5:47 am

74- ما هو تعريف المال المستفاد ؟ وكيف يزكى ؟

المال إما أن يكون مالاً نامياً و هو المال الذي نتج عن تجارة أو عن أساس مال ( مثاله رجل عنده 40 غنمة تكاثرت و أصبح لديه 75 ، أو تاجر رأس ماله 100.000 ربح من تجارته 30.000 فأصبح رأس ماله 130.000 ) أو أن يكون مالاً مستفاداً كالهبة أو الهدية أو الميراث أو الجائزة أي كل مال جاء من غير طريق التجارة أو أصل مال نام عندنا . و يزكى المال المستفاد عند أبي حنيفة بعد إضافته إلى رأس المال عند حولان الحول .

مثل : رجل يتاجر برأس مال قدره 100.000 و حوله في 15 رمضان ، و في هذا الموعد أصبح لديه 120.000 و جاءه 100.000 كوميسيون ( سمسرة ) فيضيف المال المستفاد و هو 100.000 إلى 120.000 و يزكي على المجموع 220.000 في 15 رمضان القادم .

و عند الشافعية إما أن يكون هذا المال المستفاد دون النصاب أو فوقه ، فإن كان دونه يضيفه إلى رأس المال و يزكي عن الكل عند حولان الحول كما عند الأحناف . أما إن فاق المال المستفاد النصاب قالوا بأن يُنشأ له حولاً جديداً ، و الذي نفتي و نعمل به هو قول الأحناف لأنه الأحوط لنا و الأنفع للفقير .

75- كيف تزكى الارض المستعارة أو الأرض المستأجرة وكيف يزكي المالك بيتاً له أجره ؟

ذهب جمهور الفقهاء ( المالكية و الشافعية و الحنابلة و الصاحبان ) إلى أنَّ من استعار أرضاً أو استأجرها فزرعها فالزكاة على المستعير و المستأجِر . و الأرض التي تُستَغلُّ بالمزارعة أو المساقاة على كل من المالك و العامل دفع الزكاة كلٌّ بحسب نصيبه ، فالمالك مثلاً يقبض أجرة الأرض و يضيفها إلى رأس ماله و يزكي عند حولان الحول عن الكل . و زكاة الزروع يدفعها المستأجر . و المساقاة تعني أن يقدم شخص الأرض و آخر الزراعة و يُقسَم المنتوج بين الاثنين ، و في هذه الحالة زكاة الزروع لا يشترط فيها الحول بل الحصاد كما مر معنا .

76- لو اشترى عقاراً بنية التجارة ولم يتمكن من بيعه إلا بعد خمس سنوات فكيف يزكيه ؟

يحسب قيمة العقار في كل سنة و يحسم منها 2,5 % لا يدفعهم و عندما يبيع العقار يزكي عن ما مضى من السنين. مثاله في أول سنة كان سعر العقار 60.000 يحسم منها 2,5 % و في السنة الثانية يصبح سعره 80.000 فيحسم منها 2,5 % و هكذا ، و يزكي عن ثمن العقار الذي قبضه و الذي هو مال مستفاد بالإضافة إلى ال2,5 % عن كل سنة يدفعها عن ما مضى من السنين .

77- لو اشترى عقاراً بنية القنية وبقي عنده خمس سنوات ثم نواه للتجارة و بعد ثلاث سنوات باعه فكيف يزكيه ؟

عند بيع العقار يصبح هذا المال كالمال المستفاد فيضيفه إلى رأس ماله و يزكيه مرة واحدة فقط عند حولان الحول لأن القاعدة أنَّ ما كان للتجارة ينقلب للقنية بمجرد النية و ما كان للقنية لا ينقلب للتجارة إلا بالقبض .

78- ما حكم من مات وعليه زكاة سنون خلت ولم يوصِ بإخراجها ؟ وهل على الورثة شيء ؟

من ترك الزكاة التي وجبت عليه حتى مات و لم يوصِ بإخراجها أثم إجماعاً .

و ذهب جمهور الفقهاء مالك و الشافعي و أحمد إلى أنَّ من مات و عليه زكاة لم يؤدها فإنها لا تسقط عنه بالموت كسائر حقوق الله تعالى المالية و منها الحج و الكفارات و يجب إخراجها من ماله قبل توزيع التركة سواء أوصى بها أو لم يوصِ و تُخرَج من كل ماله لأنها دَين الله تعالى و قال بعض الفقهاء لو أنَّ شخصاً يملك مليون دولاراً مثلاً و أخرجه كله في سبيل الله تعالى صدقةً لم تزل الزكاة مُعلَّقة في ذمته فلا تجزىء الصدقة عن الزكاة .

و ذهب الحنفية إلى أنَّ الزكاة تسقط بالموت بمعنى أنه لا يجب إخراجها فإن كان قد أوصى بها فهي وصية تزاحم سائر الوصايا في الثلث و إن لم يوصِ بها سقطت لأنها عبادة من شرطها النية فإن أخرجها الورثة فهي صدقة تطوع منهم و يُستثنى من هذا عندهم عشر الخارج من الأرض .





79- ما حكم من مرت عليه سنون ولم يؤد زكاة ماله وهي واجبة عليه ؟

لم يسقط عنه منها شيء اتفاقاً و وجب عليه أن يؤدي الزكاة عن كل السنين التي مضت كما يقضي الصلاة و الصيام و يُقَدَّر قيمتها و يُدفَع زيادة احتياطاً .و يمكن لمن عليه قضاء زكاة أن يدفع 5 % من ماله بدلاً من ‌2,5 % عن سنة حالية و سنة ماضية حتى يتيقَّن أنه قضى كل ما فاته . و يمكن أيضاً أن يدفع زكاته شهرياً بنسبة 5 % ينوي منها 2,5 % زكاة هذه السنة و 2,5 % زكاة عن ما فاته من السنين . و من كان عليه قضاء زكاة و كان معتاداً أن يدفع الصدقات وجب عليه أن لا ينوها صدقة بل ينوها قضاء زكاة عمّا فاته و يدفعها في مصارف الزكاة . و عليه أن ينوي القضاء و أن يبادر به فإن توفاه الله تعالى قبل أن يدفع كل ما عليه نرجو الله عز و جل أن يغفر له لأن النية موجودة و كافل اليتيم الفقير له أن يعتبر ما يدفعه زكاة أيضاً .

80- ما حكم من شك هل أدى الزكاة ماله هذا العام أم لا ؟ وما حكم من شك هل أدى زكاة ماله منذ خمسة أعوام أم لا ؟.

الأصل أنه لم يؤدها فمن شك هل أدى الزكاة أم لا يكون لم يؤدها .

لو شك هل أدى الزكاة منذ خمسة أعوام أم لا و كان ممن اعتاد دفعها في كل سنة فيعتبر أنه أدّاها أما إذا شكَّ و لم يكن معتاداً هل أدّاها أم لا وجب عليه أن يؤدي الزكاة عن كل السنين التي مضت . و في حال شك هل أدى زكاة خمس سنوات أو أربع سنوات يعتبر أنه أدّى زكاة الأربع سنوات ( يعتمد العدد الأقل ) و يزكّي عن السنة الخامسة.

81- هل للدائن أن يسقط دَينه عن فقير من أهل الزكاة وينويها من الزكاة ؟ الصورة كما يلي : دائن له مال على فقير والفقير غير قادر على سداده فيقول له سامحتك بالدين عن زكاة مالي فهل له ذلك ؟

لا يجوز و لا يُجزؤه ذلك عند الأئمة الأربعة . فإذا كان هذا الفقير الذي استدان المال غير قادر على سداد دينه لا يجوز للمدين أن يعفيه عن دينه و يحسبه زكاة ماله لأنه بذلك يكون قد أسقط حقاً و لم يُمَلِّك الفقير المال حتى تصح الزكاة . فإن فُعلَت هذه الصورة لا عن شرط مُسبَق صح .

82- هل تجزىء الزكاة الواجبة لو طلب غني من فقير مستحق للزكاة أن يقبض ديناً لهذا الغني على آخرَ وينويه عن زكاة عين عنده ؟

نعم لأن الفقير يقبض عيناً و يملكها فكانت عيناً بعين و إن كانت هذه ليست الطريقة المُثلى فالأولى أن يمتثل أمامه و يعطيه من أطيب ماله .



83- هل يحسب ما يدفعه التاجر من الضرائب أو الجمارك من الزكاة ؟

كلا فإنَّ ما يؤخذ من التاجر من المكس ( ضرائب ) لا يُحسب عنه زكاة و لو نوى به زكاة اتفاقاً .



84- هل له أن يدفع زكاة ماله من فوائد أمواله في البنوك الربوية ؟

كلا لا يجوز ، لأن هذه الفوائد ليست ملكه ثم إنه لا زكاة في المال الحرام و يمكن إعطاؤها للفقراء ( أي الفائدة ) و لا تحسب زكاة و لا صدقة و لا بد من الحذر من أخذ مال فيه شبهة ليصَّدَّق به . قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : " لأن أردَّ درهماً من حرام أحَبّ إليَّ من أن أتصدَّق بمائة ألف درهم و من يُحسن الصنعة يحرم عليه السؤال و ما يأخذه حرام " .

85- ولو أن تاجراً له مال في المصرف الربوي يأخذ عليه فائدة واقترض قرضاً من المصرف بالفائدة فهل له أن يدفع من الفوائد التي يأخذها على ماله ليغطي شيئاً من الفوائد التي عليه بسبب القرض ؟

إذا طلب التاجر من البنك أن لا يأخذ فائدة منه و أن يحسم منه الفائدة إذا استدان منه صح لأنه ليس عقداً ربوياً .

86- هل في صداق المرأة زكاة ؟ وماذا لو لم تقبضه كأن كان مؤخراً ؟

نعم ، و الأصل في المهر أن يكون مقدَّماً إلا أنها تنازلت و رضيت بأن يكون إما كله مؤخر - و المؤخر عرفاً يكون بأقرب الأجلين أي تقبضه حين الطلاق أو بوفاة زوجها - أو قسم مُقَدّم و آخر مؤخر و تجب الزكاة عن صداق المرأة الذي قبضته (المُقَدَّم ) أما المؤخر فيجب عليها إخراج زكاته عند الشافعية لأنها هي أخَّرته و إن لم تقبضه و عند الأحناف تزكي عمَّا قبضته فقط . و يُنصح أن تُبرِأ المرأة الرجل من مؤخر صداقها أو أن يعجِّل الزوج بدفعه إن كان ذو سعة لأنه طاعة و هو دين يجب الوفاء به .

فائدة : من المعلوم أنَّ أحَلَّ الحلال من المال هو صداق المرأة فكان إذا أراد أحد شراء دواء من مال حلال أخذه من هذا الصداق . قال تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4] .

87- هل تحرم الصدقة في حالة من الأحوال ؟ وما هي آداب الصدقة ؟

نعم قد تحرُم كأن يعلم أنَّ من أخذها سوف يصرفها في معصية .

من أدب الصدقة أن لا تطلب من الفقير الدعاء لك فإن دعا فادعُ له لكي تكون صدقتك لله تعالى .



88- هل يجوز أن يجمع المسلم المال من حرام بنية التصدق به كأن يشتري ورقة يانصيب وينوي بها إذا ربحت فهي صدقة لله تعالى ؟

كلا لا يجوز .

89- كيف تزكى الأسهم والسندات ؟.

تُعتَبر هذه الأسهم مالاً نقداً تجب فيها الزكاة كالأموال تماماً .

90- هل من الضروري أن يُوَكِّلَ الشريك في الشركة مجلس الإدارة بدفع الزكاة إن كانت هذه الشركة تخرج زكاة مالها أم تصح من غير توكيل منه ؟

لا بد من أن يقول لأحدهم : " أنا وكَّلتُكَ لدفع الزكاة عني " ، لأن المجلس ليس موكَّلاً لدفع الزكاة فعمله هو إدارة الشركة ، لذلك على كل واحد أن يدفع الزكاة بنفسه إلا إذا قررت الشركة أن تدفع الزكاة فعليها حينئذ أن تأخذ توكيلاً و ليس من الضروري أن يكون خطِّياً و لنعلم أنه لا بد من النية عند دفع الزكاة حتى تصح فإذا دُفِعَت من غير نية لم تجزىء . فمثلاً لو أنَّ شخصاً امتنع عن دفع الزكاة فأرسلت الدولة من يأخذها منه عنوة ، إذا لم ينوِ ذاك الشخص لحظة أخذها و نوى بعد أن أصبح المال في صندوق الدولة ، لم تصح زكاته و لم تنعقد و يجب عليه ديانةً أن يُخرِجَها .

و من الجدير بالذكر أنه إذا امتنعت مثلاً إحدى القبائل عن دفع الزكاة يبعث الحاكم بدعاة يأمرونهم و يعظونهم فإذا لم يستجيبوا أخذوها عنوة ، و في حال قاتل مانعوا الزكاة الجباة عندها تقاتلهم الدولة . و قاتل مفاعلة عن طرفين كما فعل سيدنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه ، قاتل مانعي الزكاة و معنى قاتل أي أنه لم يكن الذي ابتدرهم بالقتال بل هم من بدأ .

91- رجل باع منزله الذي يسكن فيه ليشتري بيتاً آخر يسكن فيه ولم يوفق بشراء بيت وصرف نصف المبلغ وحال الحول فهل في ذلك المال زكاة ؟

نعم يزكي قولاً واحداً .

92- كيف يزكي الموظف صاحب الراتب الشهري ماله ؟

الواجب الشرعي هو أن يمر الحول على ملكه النصاب لا أن يحول الحول على المبلغ، فيرى كم معه من المال و يخرج 2,5 % منه. إذا ملك أحدهم النصاب في 1 رمضان، فكل 1 رمضان جديد يأتي يكون قد حال الحول، فيحسب كم معه من المال ناقص ما عليه من ديون للآخرين و يدفع زكاة ماله.

فائدة : الشراء بالتقسيط هو غير الدَّين فالشراء بالتقسيط لا يحسم من الزكاة . مثلاً أنت تزكي مالك في 1 رمضان و معك 3000 $ ، قبل شهر رمضان المقبل جاءك 10.000 $ فيكون عليك أن تزكي على 13.000 $ و إذا كان عليك 40.000 $ تقسيط بيت تزكّي على 13.000 $ و لا تحسم تقسيط البيت إذ أنَّ العبرة تكمن بالدَّين المستحِق الذي حان وقت دفعه .

93- كيف يزكي المصنع ؟

زكاة المصنع ( مثلاً مصنع البيبسي ) : زكاة النقد + ديون + المواد تحت التصنيع + المواد المُصنَّعة إذا كانت للبيع.

مثل آخر : مصنع للثياب يشتري القماش و الخيطان ليصنع الثياب ، فعندما يريد أن يزكي يرى ما عنده من الثياب و يحسب قيمتها الشرائية زائد قيمة ما عنده من مواد أوَّلية كالقماش و الخيطان و الأزرار … و يزكي بقيمة

2,5 % من المجموع . أما الماكينات و ما يستهلكه من مازوت فلا يحسب .

94- رجل اشترى عقاراً للتجارة ومضى عليه خمس سنوات ولم يبعها ثم غيَّر نيته وأراده للسكن فكيف يزكي؟

يزكي عن ما مضى من الخمس سنوات حيث كان العقار فيها معروضاً للتجارة .

95- رجل تشارك مع رجل آخر على عمارة بناية ما : قَدَّمَ الأول الأرض مقابل خمسين بالمئة وتحمل الثاني نفقات البناء مقابل خمسين بالمئة . والبناية قيد الإنشاء ويباع منها بيوت على الخريطة فكيف تزكى ؟

في أول سنة حُفِرَت فيها الأرض ، و في السنة الثانية أصبح هناك طابقين من الباطون ، في الثالثة أربعة طوابق و هما يبيعان على الخريطة ( الرسم الهندسي للعمارة ) . في كل سنة يحسبان قيمة الأرض مع ما عليها من إنشاءات و يزكي كل منهما حسب حصته أي 50 % من قيمة الزكاة على كل واحد منهما ، و يمكنهما تأجيل دفع الزكاة في حال كان البناء معروضاً للبيع و لم يبيعا حتى الآن و يدفعان الزكاة عند البيع على ما مضى من السنين . و لكن هناك مشكلة تكمن في أنَّ هذه البيوت المباعة على الخريطة يدفع المشتري قيمتها بالتقسيط فيصعب تقدير قيمة البناية مع قيمة الأرض مع العلم بأنها مثلاً الآن ثلاثة طوابق و باع أصحابها عشرة طوابق على الخريطة ! البيوت المباعة لا زكاة عليها إنما يزكي عليها من اشتراها و ثمن هذه البيوت يدخل ضمن المال النقدي فيُزَكّى المال كالمال المستفاد . و في حال كان هناك بيوتاً غير مباعة يُزَكَّى حينئذ عليها فقط أما البيوت المباعة فيزكيها أصحابها .

96- مكتب لتأجير السيارات كيف يخرج زكاته ؟

السيارات لا تُحسب في هذه الحالة كالبضاعة لأنها كالآلات في المصنع و لا زكاة عليها لأنها ليست عرضة للتجارة فصاحب المكتب يزكي على ما لديه من مال فقط .



97- كيف يخرج الطبيب زكاته ؟ وكيف يخرج المحامي زكاته ؟

كلاهما يحسبان ما معهما من مال في آخر السنة و يزكيان عنه بنسبة 2,5 % .

98- مكتب خدمات مثلا الاتصالات الدولية أو للطباعة أو ما شابه ذلك كيف يخرج زكاته ؟

يحسب ما معه من المال النقدي زائد ديونه في السوق ناقص ما عليه من ديون و يزكي .

99- كيف يخرج صاحب الفندق أو المطعم زكاته ؟

يحسب المال الذي معه زائد قيمة المواد الغذائية التي عنده و يزكي .

100- كيف يخرج صاحب المدرسة و صاحب المستشفى زكاة مالهما ؟

يحسب ما عنده من مال زائد قيمة ما عنده من قرطاسية للبيع و يزكي عن القيمة الحاصلة و كذلك الأمر بالنسبة لصاحب المستشفى .

101- هل يجوز دفع زكاة مصنع أدوية من الأدوية وهل له التجزئة ؟

نعم و له التجزئة على أن تُدفَع الزكاة كاملة قبل تمام السنة .

102- شركة كبيرة تجرد بضائعها كل رأس سنة ميلادية و لا تستطيع ذلك عند حولان الحول فكيف تزكي ؟

تزكي 2,575 % التي هي عبارة عن 356\360 أي الفرق بين السنة الشمسية و السنة القمرية لأن الزكاة تجب في كل سنة قمرية .

103- رجل اشترى عقارا بمئة ألف ودفع خمس وثمانون ألفاً و أبقى معه خمسة عشرة ألفاً حتى التوثيق ( كالفراغ أو ما شابه ) وهو يضع هذا المال على حدة ليدفعه لصاحبه وحال عليه الحول فهل في هذا المال زكاة ؟ .

نعم فيه زكاة .

104- شركة تجارية أو محل تجاري خسر آخر السنة فهل عليه زكاة ؟

لو كان معه مئة ألف و أصبح معه سبعين ألفاً يزكي عن السبعين ألف .

105- تاجر يستورد بضائع من الخارج بالطريقة التالية : يفتح اعتماداً ويدفع خمس وعشرون بالمئة من قيمة البضائع عندئذ الشركة البائعة تجهز له البضاعة وترسلها له ، وحين ترسلها له يدفع هو باقي الثمن أي الخمس وسبعين بالمئة المتبقية وذلك بأنه حين تشحن أو ترسل البضائع تذهب بوالص هذه البضاعة إلى المصرف فيسدد المصرف المبلغ أي الخمس والسبعون بالمئة المتبقية .







والآن السؤال ما يلي :

تاجر اشترى صفقة ما ودفع خمس وعشرون بالمئة من ثمنها وهو بانتظار شحنها لكي يتمم المبلغ واشترى صفقة أخرى ودفع ثمنها كاملاً وأرسلت له واستلمها وكيله هناك ولكنها لم تصله بعد فهي ما زالت في الشحن فكيف يزكي ؟

الجواب : أما البضاعة الأولى التي دفع خمس وعشرون بالمئة من ثمنها فيضم هذا المبلغ أي الخمس

والعشرون بالمئة الذي دفعه إلى رأسماله وكأنه لم يدفعه و يزكي عن ال 25 % فقط التي دفعها أي في حال كانت الصفقة ثمنها مئة ألف يزكي عن 25 الف فقط وأما بالنسبة للبضاعة التي اشتراها ودفع ثمنها كاملاً ولم تصله بعد فيقدر قيمتها كاملة وكأنه استلمها ويضمها إلى رأسماله ويزكي عليها وذلك لأن وكيله استلم البضاعة هناك والبضاعة مؤمن عليها .

و الحمد لله رب العالمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://pontera.yoo7.com
غــــريــــب
الــمــديــر الــعــام


عدد المساهمات: 2566
نقاط: 7147
تاريخ التسجيل: 01/10/2010
الموقع: الــمــغــرب

مُساهمةموضوع: رد: الفقه الإسلامي   الثلاثاء أكتوبر 12, 2010 5:50 am

الــحــج
1- تعريف الحج :

الحَجُّ في اللغة : القصد إلى مُعَظَّم.

وفي الشريعة : قصد البيت العتيق لأداء الأفعال المفروضة من الطواف بالكعبة والوقوف بعرفة محرماً بنية الحج.

2- فرضية الحج وأدلتها:

الحج فريضة محكمة، محتمة، ثبتت فرضيته بالقرآن والسنة والإجماع.

دليل الكتاب : فقد قال تعالى في سورة آل عمران : {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ البَيْتِ مَنِ اَسْتَطَاعَ ِإلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ العَالَمِينَ} [آل عمران: 97].

فهذه الآية نص في إثبات الفرضية، حيث عبر القرآن بصيغة {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ} وهي صيغة إِلزام وإيجاب، وذلك دليل الفرضية.

دليل السنة : فمنها حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج" متفق عليه.

وعن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا" فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ..." رواه مسلم والنسائي.

دليل الإجماع : فقد تمَّ الإجماع منذ الصحابة إلى يومنا هذا، وأجمعوا على أن الحج فريضة محكمة على كل مستطيع في العمر مرة واحدة.

حكم العلماء على منكر هذه الفريضة وعلى من اعتقد حجاً آخر بدل الحج إلى الكعبة المشرفة والمناسك أنه مرتد عن الإسلام، كافر بالله ورسوله، والعياذ بالله تعالى.

3- التعجيل بالحج :

لكن اختلفوا في وجوب الحج هل هو على الفور أو على التراخي :

ذهب الإمام أبو حنيفة في رواية عنه ومالك وأحمد إلى أنه يجب على الفور، فمن تحقق فرض الحج عليه في عام فأخره يكون آثماً. واستدلوا بأدلة منها :

1) الحديث "من ملك زاداً وراحلته تبلغه إلى بيت الله الحرام ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً" اخرجه الترمذي.

وذهب بعض الحنفية والشافعي إلى أنه يجب على التراخي فلا يأثم المستطيع بتأخيره، لكن التأخير إنما يجوز بشرط العزم على الحج في المستقبل، فلو خشي العجز أو خشي هلاك ماله حرم التأخير، أما التعجيل بالحج لمن وجب عليه فهو سنة عند الشافعي، ما لم يمت، فإذا مات تبين أنه كان عاصياً من آخر سنوات الاستطاعة، ودليلهما :

1) أن الأمر بالحج في قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ البَيْتِ} مطلق عن تعيين الوقت، فيصح أداؤه في أي وقت، فلا يثبت الالزام بالفور لأن هذا تقييد للنص، ولا يجوز تقييده إلا بدليل، ولا دليل على ذلك.

2) أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة عام ثمان من الهجرة، ولم يحج إلا في السنة العاشرة، ولو كان الحج واجباً على الفور لما وقع منه صلى الله عليه وسلم هذا التأخير.

ومهما الأمر فلا شك أن التعجيل بالأداء أفضل وأحوط، فينبغي على المؤمن أن يبادر لأداء الحج وهو في صحته وشبابه ويسره، ولا يؤخره حتى يوشك أن يفوته لتقدم سنة فيؤديه بغاية المشقة ويحرم نفسه المتعة الروحية في الحج بسبب وهنه وشيخوخته، وإن الفكرة الشائعة بين الناس من تحبيذ تأخير الحج، أو التعجب ممن يعجل بأدائه لهي من نسج الشيطان وجنوده المنافقين الذي يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، وذلك مما يجب محاربته والتحذير من أخطاره.

4- حكمة مشروعية الحج :

تشتمل فريضة الحج على حكم جليلة كثيرة تمتد في ثنايا حياة المؤمن الروحية، ومصالح المسلمين جميعهم في الدين والدنيا، منها :

آ- أن في الحج إظهار التذلل لله تعالى، وذلك لأن الحاج يرفض أسباب الترف والتزين، ويلبس ثياب الإحرام مظهراً فقره لربه، ويتجرد عن الدنيا وشاغلها التي تصرفه عن الخلوص لمولاه، فيتعرض بذلك لمغفرته ورحماه، ثم يقف في عَرفَة ضارعاً لربه حامداً شاكراً نعماءه وفضله مستغفراً لذنوبه وعَثَرَاتِه، وفي الطواف حول الكعبة البيت الحرام يلوذ بجناب ربه ويلجأ إليه من ذنوبه ومن هوى نفسه ووسواس الشيطان.

ب- أن أداء فريضة الحج يؤدي شكر نعمة المال، وسلامة البدن، وهما أعظم ما يتمتع به الإنسان من نعم الدنيا، ففي الحج شكر هاتين النعمتين العظيمتين، حيث يجهد الإنسان نفسه وينفق ماله في طاعة ربه والتقرب إليه سبحانه، ولا شك أن شكر النعماء واجب تقرره بداهة العقول، وتفرضه شريعة الدين.

جـ- أن الحج يربي النفس على روح الجندية بكل ما تحتاج إليه من صبر وتحمل ونظام، وخلق سام يتعاون به المرء مع الناس، ألا ترى الحاج يتكبد مشقات الأسفار حتى يتجمع الحجاج كلهم في مكة، ثم ينطلقون انطلاقاً واحداً يوم الثامن من ذي الحجة لأداء المناسك، فيتحركون جميعاً ويقيمون جميعاً، وهم في ذلك مسرورون منقادون، لا تلفتهم مشقات الزحام، ولا تزعجهم أعباء تلك التنقلات.

د- يجتمع المسلمون من أقطار الأرض في مركز اتجاه أرواحهم، ومهوى أفئدتهم، فيتعرف بعضهم على بعض، ويألف بعضهم بعضاً، هناك حيث تذوب الفوارق بين الناس، فوارق الغنى والفقر، فوارق الجنس واللون، فوارق اللسان واللغة، تتحد كلمة الإنسان في أعظم مؤتمر بشري، مؤتمر كله خير وبر وتشاور، وتناصح وتعاون على البر وتآزر.

هـ- وفي الحج ذكريات تغرس في النفس روح العبودية الكاملة، والخضوع الذي لا يتناهي لأوامر الله وشريعته، هناك العبرة تنبثق في ثنايا النفس المؤمنة، توجهها نحو بارئها بالطاعة والتبتل، فعند هذا البيت حطّ أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام رَحْلَهُ بزوجه هاجر ووليده إسماعيل.

فضيلة الحج :

قال تعالى : {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ... } [الحج: 27-28].

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" أخرجه الستة إلا أبا داود.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو(1) ثم يباهي بهم الملائكة .. " أخرجه مسلم والنسائي.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكيرُ خَبثَ الحديدِ والذهب والفضة، وليس للحَجَّة المبرورة ثواب إلا الجنة". أخرجه الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه.

_________________-

(1) يتجلى



المبحث الثاني

5- في شروط فرضية الحج



الشرط الأول : الإسلام :

فلو حج الكافر ثم أسلم بعد ذلك تجب عليه حجة الإسلام، لأن الحج عبادة، بل هو من أعظم العبادات والقربات، والكافر ليس من أهل العبادة.

الشرط الثاني : العقل :

لأن العقل شرط للتكليف، والمجنون ليس مكلفاً بفروض الدين، بل لا تصح منه إجماعاً لأنه ليس أهلاً للعبادة، فلو حج المجنون فحجه غير صحيح، فإذا شفي من مرضه وأفاق إلى رشده تجب عليه حجة الإسلام.

قال النبي صلى الله عليه وسلم : "رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل" أخرجه الترمذي وحسنه، وأبو داود، وابن ماجه.

الشرط الثالث : البلوغ :

لأن الصبي ليس بمكلف، فلو حج صح حجه وكان تطوعاً.

الشرط الرابع : الحرية :

فالعبد المملوك لا يجب عليه الحج، لأنه مستغرق في خدمة سيده.

الشرط الخامس : الاستطاعة :

فلا يجب الحج على من لم تتوفر فيه، لأن القرآن خص الخطاب بهذه الصفة في قوله تعالى : {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ البَيْتِ مَنِ اَسْتَطَاعَ ِإلَيْهِ سَبِيلاً}.

والاستطاعة التي تشرط لوجوب الحج قسمان :

القسم الأول : الاستطاعة التي تشترط في الرجال والنساء :

القدرة على الزاد وآلة الركوب، وصحة البدن، وأمن الطريق، وإمكان السير.

آ- القدرة على الزاد وآلة الركوب والنفقة :

ذهب الجمهور الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يختص اشتراط القدرة على آلة الركوب بمن كان بعيداً عن مكة ذهاباً وإياباً.

والمسافة البعيدة عند الشافعية والحنابلة فهو من كان بينه وبين مكة مرحلتان، وهي مسافة القصر عندهم. وتقدر بـ 88.5 كم.

وعند الحنفية تقدر بـ 81 كم وقيل 83.5 كم.

وذهب المالكية إلى أنه يجب عليه الحج إذا كان صحيح البنية يقدر على المشي، وهو يملك الزاد.

اختلاف العلماء في الزاد ووسائل المواصلة هل يشترط ملكية المكلف لما يحصلها به أو لا يشترط ؟ :

ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن ملك ما يحصل به الزاد ووسيلة النقل شرط لتحقق وجوب الحج.

وذهب الشافعي إلى أَنه يجب الحج بإباحة الزاد والراحلة إذا كانت الإباحة ممن لا منَّةَ له على المباح له، كالوالد إذا بذل الزاد والراحلة لابنه.

- شروط الزاد وآلة الركوب وما يتفرع عليها :

وقد ذكر العلماء شروطاً في القدرة على الزاد وآلة الركوب هي تفسير وبيان لهذا الشرط، نذكرها فيما يلي :

أ- أن الزاد الذي تشترط القدرة عليه هو ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه من مأكول ومشروب وكسوة بنفقة وسط لا إسراف فيها ولا تقتير، فلو كان يستطيع زاداً أَدنى من الوسط الذي اعتاده لا يعتبر مستطيعاً للحج، ويتضمن اشتراط الزاد أيضاً ما يحتاج إليه من آلات للطعام والزاد مما لا يستغنى عنه.

ب- صرح الفقهاء : بأنه يشترط في الراحلة أن تكون مما يصلح لمثله إما بشراء أَو بكراء.

ومعلوم أن تقدم الحضارة أَلغى استعمال الدواب في الأسفار وأَحل مكانها الطائرات والبواخر والسيارات، فمن وجد نفقة وسيلة للسفر لا تناسبه لا يكون أيضاً مستطيعاً للحج حتى يتوفر لديه أَجر وسيلة سفر تناسب أمثاله.

جـ- إن ملك الزاد ووسيلة النقل يشترط أن يكون فاضلاً عما تمس إليه الحاجة الأصلية.

والحاجة الأصلية تشمل ثلاثة أمور هي :

1) نفقة عياله ومن تلزمه نفقتهم مدة ذهابه وإيابه، لأن النفقة حق للآدميين، وحق العبد مقدم على حق الشرع، وقد روى عبد الله ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت" أخرجه أبو داود والحاكم.

2) ما يحتاج إليه هو وأهله من مسكن، ومما لابد منه لمثله كالخادم وأثاث البيت وثيابه بقدر الأعتدال المناسب له في ذلك كله.

3) قضاء الدين الذي عليه، لأن الدين من حقوق العباد، وهو من حوائجه الأصلية فهو آكد، وسواء كان الدين لآدمي أو لحق الله تعالى كزكاة في ذمته، أو كفارات ونحوها.

فإذا ملك الزاد والحَمولة زائداً عما تقدم فقد تحقق فيه الشرط، وإلا لم يجب عليه الحج.

وهنا فروع تتعلق بهذه المسألة نذكر منها :

1) ذهب الحنفية إلى أنَّ من كان له مسكن واسع يفضل عن حاجته بحيث لو باع الجزء الفاضل عن حاجته من الدار الواسعة لو في ثمنه للحج لا يجب عليه البيع.

وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب البيع.

وذهب الحنفية أيضاً إلى أنه لو كان مسكنه نفسياً يفوق على مثله لو أبدل داراً أدنى لوَفَّى تكاليف الحج، لا يجب عليه البيع.

وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب ذلك.

2) من ملك بضاعة لتجارته هل يلزمه صرف مال تجارته للحج ؟

ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يشترط بقاء رأس مال لحرفته زائداً على نفقة الحج، ورأس المال يختلف باختلاف الناس، والمراد ما يمكنه الاكتساب به قدر كفايته وكفاية عياله لا أكثر، لأنه لا نهاية له.

وذهب الشافعي إلى قولين الأصح أنه يلزمه صرف مال تجارته لنفقة الحج ولو لم يبق له رأسمال لتجارته.

3) من ملك نفقة الحج وأراد أن يتزوج فله حالان :

الحال الأولى : إن يكون في حالة اعتدال بالنسبة للشهوة فهذا يجب عليه تقديم الحج على الزواج إذا كان ملك ذلك في أشهر الحج.

الحال الثانية : أن يكون في حالة توقان نفسه والخوف من الزنا، فهذا يكون الزواج في حقه مقدماً على الحج إتفاقاً.

4) إذا ملك نقوداً لشراء دار يحتاج إليها وجب عليه الحج، وإن جعلها في غيره أثم، إذا حصلت له النقود وقت خروج الناس للحج، أما قبله فيشتري به ما شاء لأنه مَلَكَه قبل الوجوب.

5) ليس من الحوائج الأصلية ما جرت به العادة المُحْدَثَة برسم الهدية للأقارب والأصحاب، فلا يعذر بترك الحج لعجزه.

ب- صحة البدن :

1) إذا وجدت سائر شروط الحج في شخص وهو مريض زَمِن أو مصاب بعاهة دائمة أو مقعد أو شيخٍ كبير لا يثبت على آلة الركوب بنفسه فلا يجب عليه أن يؤدي هو فريضة الحج اتفاقاً، ولكن اختلفوا هل صحة البدن شرط لأصل الوجوب أو هي شرط للأداء بالنفس - أي لوجوب أداء الحج بنفسه -.

ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنها شرط للوجوب، وبناء على ذلك لا يجب على فاقد صحة البدن أن يحج بنفسه ولا بإنابة غيره ولا الإيصاء بالحج عنه في المرض، لقوله تعالى : {مَنِ اَسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً }، وهذا غير مستطيع بنفسه فلا يجب عليه الحج.

وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن صحة البدن ليست شرطاً للوجوب، بل هي شرط للزوم الأداء بالنفس، فمَن كان هذا حاله يجب الحج عليه.

ويتفرع على ذلك :

1) أَن مَنْ كان قادراً على الحج بمساعدةِ غيره كالأعمى وجب عليه الحج بنفسه إذا تيسر له مَن يعينه تبرعاً، أو بأجرة إن كان قادراً على أجرته إذا كانت أجرة المثل، ولا يكفيه حج الغير عنه إلا بعد أن يموت. ومن لم يستطع الحج بمساعدة غيره وجب عليه أن يرسل غيره ليحج عنه. ويجب على المريض أن يوصي بالحج عنه بعد موته.

2) إذا وجدت شروط الحج مع صحة البدن فتأخر حتى أصيب بعاهة تمنعه من الحج ولا يُرجَى زوالهُا فالحجُّ واجب عليه اتفاقاً، ويجب عليه أَن يرسل شخصاً يحج عنه. أَما إذا أُصيب بعاهة يرجى زوالها فلا تجوز الإنابة، بل يجب عليه الحج بنفسه عند زوالها عنه.

3) ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه من كان غير مُعافى وملك المال وجب أن ينيب من يحج عنه.

وذهب الشافعية والحنابلة إلى وجوب ذلك، وهذا هو الأحوط لبراءة الذمة.

ج- أمن الطريق وعدم الحبس أو المنع من السلطان أو الخوف منه :

وذلك وقت خروج الناس للحج، ومثله تنظيم الدور إن لم يستطع تخطيه لأن الاستطاعة لا تثبت دونه. واختلفت الرواية في أمن الطريق بين الفقهاء :

ذهب أبو حنيفة في رواية والشافعية وأحمد في رواية إلى أنه شرط الوجوب، لأن الاستطاعة لا تتحقق بدون أمن الطريق.

وذهب أبو حنيفة في رواية أخرى وهي الأصح وأحمد في رواية أخرى وهي الراجحة إلى أنه شرط للأداء لا للوجوب وهو الأصح، فعلى هذا المذهب من استوفى شروط الحج عند خوف الطريق فمات قبل أمنه يجب عليه أن يوصي بالحج. أما إذا مات بعد أمن الطريق فتجب الوصية اتفاقاً بين الجميع.

د- إمكان السير :

وهو أن تكمل فيه شرائط الحج والوقت متسع يمكنه الذهاب للحج.

ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه شرط لأصل الوجوب.

وذهب الحنبلية إلى أنه شرط للأداء.

القسم الثاني : الشروط الخاصة بالنساء :

أما الشروط الخاصة بالنساء فهي شرطان لابد منهما لكي يجب الحج على المرأة، يضافان إلى شرط الاستطاعة التي ذكرناها، وهذان الشرطان هما : الزوج أو المحرم، وعدم العدة :

أ- الزوج أو المحرم الأمين :

ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يشترط أن يصحب المرأة زوجها أو ذو رحم محرم منها مؤبد التحريم - إذا كانت المسافة بينها وبين مكة ثلاثة أيام، وهي مسيرة القصر في السفر : (83 كيلومتراً أو 88.5).

استدلوا بحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا تسافر المرأة ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم" أخرجه الشيخان.

وذهب الشافعية إلى أنها إذا وجدت نسوة ثقات اثنتين فأكثر تأمن معهن على نفسها كفى ذلك بدلاً من المحرم أو الزوج بالنسبة لوجوب حجة الإسلام على المرأة، وعندهم: "الأصح أنه لا يشترط وجود محرم لإحداهن لأن الأطماع تنقطع بجماعتهن" فإن وجدت امرأة واحدة ثقة فلا يجب عليها الحج، لكن يجوز لها أن تحج معها حجة الفريضة أو النذر، بل يجوز لها أن تخرج وحدها لأداء الفرض أو النذر إذا أمنت.

وذهب المالكية : إلى أنَّ المرأة إذا لم تجد المحرم أو الزوج ولو بأجرة تسافر لحج الفرض أو النذر مع الرفقة المأمونة، بشرط أن تكون المرأة بنفسها هي مأمونة أيضاً. والرفقة المأمونة جماعة مأمومنة من النساء أو الرجال الصالحين.

أما حج النفل فلا يجوز للمرأة السفر له إلا مع الزوج أو المحرم فقط، باتفاق العلماء، ولا يجوز لها السفر بغيرهما، بل تأثم به.

وههنا مسائل تتعلق بالمحرم :

1) اختلفوا في المحرم هل هو شرط وجوب أو شرطٌ للزوم الأداء بالنفس، والراجح أنه شرط للزوم الأداء بالنفس.

2) يشترط في المحرم أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً صاحب استقامة، لكي يحصل به المقصود وهو حمايتها ورعايتها. وذهب الحنفية والحنبلية إلى أنه لو كان محرمها فاسقاً فإنه لا يكفي لتوفر الشرط في حقها، لأن المقصود لا يحصل به.

وذهب المالكية مثل ما ذهب إليه الحنيفة والحنبلية، لكن لم يشترطوا البلوغ بل التمييز والكفاية. أما عند الشافعي فلا تشترط العدالة في المحرم والزوج، بل يكفي ولو كان فاسقاً إذا كان له غَيْرَة تمنعه أن يرضى بالزنا. وتشترط الثقة في النساء.

3) ذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يشترط أن تكون قادرة على نفقتها ونفقة المحرم، لأنه يستحقها عليها، أما الزوج فعليه هو نفقتها.

وذهب المالكية والشافعية إلى أن له أخذ الأجرة إذا كانت أجرة المثل.

4) ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه إذا وجدت محرماً لم يكن للزوج منعها من الذهاب لحج الفرض، ويجوز أن يمنعها من الحج النفل.

وقال الشافعية : ليس للمرأة الحج إلا بإذن الزوج فرضاً أو غيره، لأن في ذهابها تفويت حق الزوج، وحق العبد مقدم، لأنه فرض بغير وقت إلا في العمر كله، فإن خافت العجز البدني بقول طبيبين عدلين لم يشترط إذن الزوج.

ب- عدم العدة :

ذهب الحنفية إلى أنه يشترط ألا تكون المرأة معتدة عن طلاق رجعي أو سابق أو وفاة مدة إمكان السَّيْرِ للحج، لأن الله تعالى نهى المعتدات عن الخروج من بيوتهن بقوله : {لا تُخرِجُوهُنَّ من بيوتهِنَّ ولا يخرُجْنَ إلا أنْ يأتينَ بفاحشةٍ مُبيِّنةٍ} [الطلاق: 1] والحج يمكن أداؤه في وقت آخر فلا تلزم بأدائه الآن.

وذهب الحنبلية إلى أنه لا تخرج المرأة إلى الحج في عدة الوفاة، ولها أن تخرج إليه في عدة الطلاق المبتوت، وذلك لأن لزوم البيت فيه واجب في عدة الوفاة والطلاق المبتوت لا يجب فيه ذلك وأما عدَّة الرجعية فالمرأة فيه بمنزلتها في طلب النكاح لأنها زوجة.

وذهب الشافعية : إلى أنَّ للزوج أن يمنع المطلقة الرجعية للعدة وذلك لأنه يحق للزوج عندهم منعها عن حجة الفرض.



الفصل الثاني

6- الحَج عن الغَيْر



مشروعية وشروط وجوب الإحجاج :

ذهب الجمهور - الحنفية والشافعية والحنابلة - إلى أنه من وجب عليه الحج فحضره الموت قبل أن يحج عليه أن يوصي بالإحجاج عنه، ومن استوفى شروط وجوب الحج بنفسه فلم يحج عن الأداء بنفسه لكبر سن أو مرض مزمن لا يرجى برؤه، أو ذهاب البصر أو عدم أمن الطريق أو عدم المحرم بالنسبة للمرأة، وكذا من توفرت فيه سائر شروط وجوب الحج في حالة العجز عن الأداء يجب عليهما الاحجاج عن أنفسهما، أو الوصية بالاحجاج إذا لم يرسلا من يحجج عنهما.

والأصل في هذا حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:

"جاءت امرأة من خَثْعَم عام حجة الوداع، قالت: يا رسول الله: إن فريضةَ اللهِ على عباده في الحجّ أدْرَكَتْ أبي شيخاً كبيراً لا يستطيعُ أنْ يستويَ على الراحلة فهل يقضي عنه أنْ أحجَّ عنه ؟ قال : "نعم". متفق عليه.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً أن امرأة من جُهَيْنَةَ جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : "إنَّ أمي نذَرَتْ أنْ تحجَّ فلم تحُجَّ حتى ماتت، أفأ حجُّ عنها ؟ ".

قال صلى الله عليه وسلم: "نعم، حُجّي عنها، أرأيتِ لو كانَ على أمِّك دينٌ أكنتِ قاضية؟! أقضوا اللهَ، فاللهُ أحقُّ بالوفاء" أخرجه البخاري والنسائي.

وذهب المالكية إلى الأخذ المالكية بالأصل، وهو عدم جريان النيابة في العبادة البدنية كالصوم.

7-شروط جواز الإحجاج:

أ- شروط الحج الفرض عن الغير:

يشترط لصحة حجة النائب عن الفريضة الواجبة على المحجوج عنه ما يلي:

1) يشترط أن يأمر الأصيل بالحج عنه، فلا يجوز الحج عن الغير الحي بدون إذنه اتفاقاً. ذهب الحنفية والمالكية إلى أنَّ الميت لا بد من وصيته، واستثنى الحنفية الوارث فإنه إذا حج أو أحج عن مورثه بغير إذنه فإنه يجزئه وتبرأ ذمة الميت إن شاء الله تعالى، إذا لم يكن أوصى بالحج عنه.

وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه مَن مات وعليه حج وجب الإحجاجُ عنه من تركته، سواء أوصى به أم لا، كما تُقْضَى منها ديونه سواء أوصى بها أم لا، فلو لم يكن له تَرِكَةٍ اسْتُحِبَّ لوارثه أن يُحِجُّ عنه، فإنْ حَجَّ عنه بنفسه أو أرسل مَنْ حج عنه سقط الحج عن الميت، ولو حج عنه أجنبي جاز، وإنْ لم يأذن له الوارث، كما يقضي دينه بغير إذن الوارث.

2) ذهب الحنفية إلى أنه تكون نفقة الحج من مال الآمر كلها أو أكثرها سوى دم التمتع القرآن فهما على الحاج عندهم، إلا الوارث إذا تبرع بالحج عن مورثه تبرأ ذمة الميت إذا لم يكن قد أوصى بالإحجاج عنه.

وذهب الشافية والحنابلة إلى إجازة أنْ يُتَبرَّعَ بالحج عن الغير مطلقاً كما يجوز أن يتبرع بقضاء دينه، من أي شخص كان، وتبرأ ذمته.

وذهب المالكية إلى أن الأمر تابع للوصية أو لتبرع النائب، لا لإسقاط الفريضة عن الميت.

3) ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه يشترط أن يحج عنه من وطنه إن اتسع ثلث التركة، وإن لم يتسع يحج عنه من حيث يبلغ.

وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه يعتبر اتساع جميع مال الميت، لأنه دين واجب، فكان من رأس المال كدين الآدمي، لكن عند الشافعية يجب قضاء الحج عنه من الميقات، وقال الحنابلة يجب أن ينوب عنه من بلده.

4) أن يحج المأمور بنفسه : نص الحنفي والمالكية والشافعية على هذا الشرط.

فلو مرض المأمور أو حُبِسَ فَدَفع المال إلى غيره بغير إذن المحجوج عنه لا يقع الحج عن الميت، والحاج الأول والثاني ضامنان لنفقة الحج، إلا إذا قال الآمر بالحج اصنع ما شئت، فله حينئذ أن يدفع المال إلى غيره، ويقع الحج عن الآمر.

5) أن يحرم من الميقات بالحج أو العمرة عن الشخص الذي يحج عنه ويذكر اسمه حسبما أمر به من غير مخالفة، فلو أمره بالإفراد فقرن عن الآمر فهو مخالف ضامن للنفقات عند أبي حنيفة، أما إذا أمره بالإفراد فتمتع عن الآمر لم يقع حجه عنه ويضمن اتفاقاً عند أئمة الحنفية والشافعية، أما إذا أمره بالإفراد فقرن عن الآمر فيقع ذلك عن الآمر عند الشافعي، ولا يقع عن الآمر والنائبُ مخالف ضامن للنفقات عند أبي حنيفة.

6) أهلية المأمور لصحة الحج بأن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً، فلا يشترط أن يكون المأمور قد حج الإسلام عند الحنفية، بل تصح هذه الحجة البدلية وتبرأ ذمة الميت عندهم مع الكراهة التحريمية.

واستدلوا باطلاق حديث الخَثْعَمِيّة السابق، فإنه صلى الله عليه وسلم قال لها : "حجي عن أبيك" من غير استخبارها عن حجها لنفسها قبل ذلك.

وذهب الشافعية والحنبلية إلى أنه يُشْتَرَط لإجزاء الحج عن الغير أن يكون من يحج عن الغير قد حج حجة الإسلام.

واستدلوا بما أخرج أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول : لبيك عن شُبْرمَةَ قال : "من شبرمة ؟" قال : أخ لي أو قريب لي. قال: "حَجَجْتَ عن نفسك ؟" قال : لا. قال : "حُجَّ عن نفسك ثم حج عن شبرمة".



ب- الحج النفل عن الغير:

ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن حجَّ النفل لا يشترط فيه شيء منها إلا الإسلام، والعقل، والتمييز، والنية، وذلك لاتساع باب النفل، فإنه يُتَسامحُ في النفل ما لا يتسامح في الفرض. وهذا مذهب الحنفية وأحمد.

وذهب المالكية إلى إجازة ذلك مع الكراهة فيه وفي النيابة في الحج المنذور.

وذهب الشافعية إلى التفصيل في ذلك : وقالوا : لا تجوز الاستنابة في حج النفل عن حيّ ليس بمعضوب، ولا عن ميت لم يوص به. أما الميت الذي أوصى به والحي المعضوب إذا استأخر من يحج عنه ففيه قولان مشهوران للشافعية أصحهما الجواز، وأنه يستحق الأجرة.

الاستئجار على الحج :

ذهب الحنفية وأحمد في الأشهر إلى أنه لا يجوز الاستئجارُ على الحج فرضاً أو نفلاً، فلو عقدت الإجارة للحج عن الغير فهي عند أبي حنيفة باطلة، لكن الحجة عن الأصيل صحيحة، ويُسَمُّونَ الأجير مأموراً ونائباً. وقالوا : له نفقة المِثْل في مال الأصيل، لأنه حبس نفسه لمنفعة الأصيل، فوجبت نفقته في ماله.

وذهب الشافعية إلى جواز الاستئجار على الحج الفرض أو النفل، وبه أخذ المالكية مراعاة لخلاف الشافعية في جواز النيابة في الحج النفل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://pontera.yoo7.com
غــــريــــب
الــمــديــر الــعــام


عدد المساهمات: 2566
نقاط: 7147
تاريخ التسجيل: 01/10/2010
الموقع: الــمــغــرب

مُساهمةموضوع: رد: الفقه الإسلامي   الثلاثاء أكتوبر 12, 2010 5:53 am

أحــكــام الــنــكــاح
في التعريف بالزواج وشرعيته وحكمة مشروعيته

وصفته الشرعية



تعريف الزواج من حيث اللغة:

الزواج لفظ عربي موضوع لاقتران أحد الشيئين بالآخر وازدواجهما بعد أن كان كل منهما منفرداً عن الآخر ومنه قوله تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التكوير: 7] أي: يقرن كل واحد بمن كانوا يعملون كعمله. فيقرن الصالح مع الصالح، والفاجر مع الفاجر، أو قرنت الأرواح بأبدانها عند البعث للأجساد أي رُدَّت اليها، وقيل قرنت النفوس بأعمالها فصارت لاختصاصها بها كالتزويج.

وقوله تعالى: {وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} [الطور: 20] أي قرناهم بهن، وقوله تعالى {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات: 22] أي وقرناء هم الذين كانوا يجلسون معهم ويشاهدون ظلمهم ولا ينكرونه. أو وقرناءهم من الشياطين.

ثم شاع استعماله في اقتران الرجل بالمرأة على وجه مخصوص لتكوين أسرة حتى أصبح عند أطلاقه لا يفهم منه إلا ذلك المعني بعد أن كان يستعمل في كل اقتران سواء كان بين الرجل والمرأة أو بين غيرهما.

تعريف الزواج من حيث الاصطلاح الفقهي:

وفي اصطلاح الفقهاء: هو عقد وضعه الشارع ليفيد بطريق الأصالة اختصاص الرجل بالتمتع بامرأة لم يمنع مانع شرعي من العقد عليها وحل استمتاع المرأة به.

التعريف يفيد: أن الزواج يحل استمتاع كل من الزوجين بالآخر متى تم العقد، وأن الزوج يختص بالتمتع بزوجته فلا يحل لأحد أن يتميع بها ما دام العقد قائماً ولو حكماً، أما الزوجة فيحل لها التمتع بزوجها دون أن تختص بذلك التمتع حيث يباح له شرعاً أن يضم إليها ثانية وثالثة ورابعة.

شرعية الزواج:

استخلف الله الإنسان في الأرض بقوله سبحانه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] وجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، وأودع في كل منهما ما يجعله يميل للآخر ليتم الازدواج بينهما، ويكون من ثمراته التناسل ليبقى النوع الإنساني يعمر الأرض حتى يبلغ الكتاب أجله.

ولكن المولى سبحانه الذي كرم بني آدم لم يتركهم إلى ما تمليه عليهم طبيعتهم في أمر الازدواج كبقية المخلوقات الأخرى من الحيوانات والطيور، بل سن لهم طريقة خاصة تتفق ومنزلتهم بين سائر المخلوقات.

فشرع الزواج الذي يختص فيه الرجل بالأنثى لا يشاركه فيها غيره ليسلم العالم من شر الإباحة التي يترتب عليها التزاحم والتنازع بل والتقاتل أحياناً، ومن طغيان الشهوات التي تجعل من الإنسان حيواناً سفاحاً لا يعرف رباط العائلة، ولا يفقه معنى الرحمة، ولا يفطن لسر المودة فيضيع النسل حيث لا رابط يربط الأبناء بآبائهم.

ولم تخل شريعة من الشرائع السماوية من الإذن به بل وتنظيمه من يوم أن أرسل الله الرسل. يقول جل شأنه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 189].

ويقول سبحانه مخاطباً لرسوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ} أي أرسلنا قبلك الرسل الكرام {وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38].

ولقد تزوج الأنبياء والرسل كلهم، ولم يذكر المؤرخون من عاش منهم بلا زواج سوى يحيى وعيسى عليهما السلام، ولم يكن عدم تزوجهما لعدم شرعية الزواج في زمنهما، لأن الناس كانوا يتزوجون في عصرهما، وقد قيل إن سبب عدم زواج عيسى انحطاط أخلاق نساء بني إسرائيل فرغب عنهن للعبادة وأداء الرسالة.

والسبب في عدم زواج يحيى أنه لم يكن عنده المقدرة على إتيان النساء، لأن الله قال في وصفه:{وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} [آل عمران: 39]والحصور في اللغة هو الذي لا يأتي النساء كأنه محجم عنهن، وعلى القول بأن الحصور هو الذي يكف نفسه عن النساء ولا يقربهن مع القدرة، فيمكن أن يعلل سبب امتناعه عنه بمتابعته لعيسى لأنه كان في زمنه وأول من آمن به كما قال الله في شأنه: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ} [آل عمران: 39] أي عيسى على ما عليه أكثر المفسرين.

ولهذا لم تكن الرهبانية - وهي الإعراض عن الزواج - مشروعة في أي دين سماوي، وإنما هي شيء ابتدعه النصاري في عصر اضطادهم كما أخبر القرآن عن ذلك في قوله تعالى {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 27].

أما الإسلام فقد عنى بهذا العقد عناية خاصة، وأضفى عليه قدسية تجعله فريداً بين سائر العقود الأخرى لما يترتب عليه من آثاره خطيرة لا تقتصر على عاقديه ولا على الأسرة التي توجد بوجوده، بل يمتد إلى المجتمع فهو أهم علاقة ينشئها الإنسان في حياته، لذلك تولاه الشارع بالرعاية من حين ابتداء التفكير فيه إلى أن ينتهي بالموت والطلاق.

فبين الطريقة المثلى لاختيار الزوجة وكيفية إنشاء العقد ورسم طريقة المعاشرة الزوجية مبيناً ما لكل من الزوجين قبل الآخر من حقوق وما عليه من واجبات.

ولم ينس أنه قد يطرأ على الحياة الزوجية ما يعكر صفوها من نزاع أو شقاق فرسم طريق الإصلاح، وبَيَّنَ الطريقة التي ينهي بها العقد إذا ما عجز الإصلاح وباءت الحياة الزوجية بالفشل وغير ذلك مما يترتب على الإنهاء من آثار تتعلق بالزوجين أو بأولادهما.

ومن يتتبع نصوص التشريع في القرآن والسنة يجد هذا العقد قد ظفر بعدد كبير منها.

فالقرآن يخبر أولاً بأنه من أكبر النعم التي أنعم الله بها علينا ثم معروض امتنانه بنعمه وآلائه فيقول جل شأنه: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل: 72].

وفي آية أخرى يعده من آيات قدرته {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21].

ثم يحله في صراحة ويأمر به في غير آية.

يقول سبحانه بعد عد المحرمات من النساء: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24].

ويقول سبحانه وتعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3].

ويقول {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 32-33].

فقد خاطب الأولياء بأن يزوجوا من لا زوج له من الرجال والنساء، لأن الأيامى جمع أيم - وهو من لا زوج له من النساء والرجال، وإن كان أكثر استعماله في النساء.

والرسول صلى الله عليه وسلم يرغب فيه بشتى أنواع الترغيب فيقول: فيما روي في الصحيحين "أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وآكل اللحم وأتزوج النساء فمن رغب سنتى فليس مني. ويقول "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج" ويقول: "تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة". ويروي لنا مسلم عن عمرو بن العاص أن رسول الله قال "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة".

ويروي أبو داود عن ابن عباس عن رسول الله قال: "ألا أخبركم بخير ما يكنز المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا غاب عنها حفظته وإذا أمرها أطاعته".

وقد بعث رسول الله والعرب يتزوجون بطرق شتى بعضُها يتفق ومنهجَ العقلاء، وبعضُها لا يفعله إلا السفهاء، فألغى فاسده وأقر صحيحه.



حكمة مشروعية الزواج أو الغاية من تشريعه:

للزواج كثير من الحكم منها ما يعود على الزوجين، ومنها ما يعود على المجتمع.

فمن الحكم :

1- حفظ النوع الإنساني.

2- تحقيق الأنس والراحة وبين الزوجين فتستقر الحياة ويسعد المجتمع.

3- تحصين النفس بقضاء الحاجة الجنسية من طريق سليم لا يترتب عليه فساد المجتمع.

حكم الزواج:

الزواج لا يأخذ حكماً واحداً في جميع الحالات، بل يختلف حكمه باختلاف أحوال الناس، لأن منهم القادر على تكاليفه والعاجز عنها، وفيهم من يحسن العشرة الزوجية ومن لا يحسنها، كما أن منهم من اعتدل مزاجه فلا يخشى على نفسه الوقوع في الفاحشة، ومنهم من لا يستطيع ضبط نفسه عنها إذا لم يتزوج، وتبعاً لهذا الاختلاف يختلف حكمه فتعدد أحكامه.

فتارة يكون مطلوباً محتماً فيكون فرضاً يثاب فاعله ويعاقب تاركه، وأخرى يكون مطلوباً طلباً غير محتم فيكون مندوباً إليه فيثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، وطوراً يكون ممنوعاً منعاً باتاً فيكون حراماً يعاقب عليه عقاباً شديداً، وتارة يكون مكروهاً يعاقب فاعله عقاباً أقل من عقاب الحرام.

والأصل في الإنسان أن يكون معتدلاً، بمعنى أن يكون قادراً على تكاليف الزواج واثقاً من نفسه أنه يؤدي حقوق دون جور أو ظلم ولا يخشى على نفسه الوقوع في الفاحشة إذا لم يتزوج.

لذلك جعل الفقهاء حالة الاعتدال هي الأصل في الزواج، واختلفوا في حكمها على أقوال.

ذهب الحنابلة في رواية عن الإمام أحمد: أنه فرض عين.

وذهب بعض الفقهاء الحنفية إلى أنه فرض كفاية، فإن فعله البعض سقط الإثم عن الآخرين.

وذهب بعض الشافعية إلى أنه مباح كالأكل والشرب.

وذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية ووافقهم الحنابلة في المشهور عندهم وبعض الشافعية إلى أنه سنة مندوب إليه، لأن القرآن أمر به، وحض عليه رسول الله في أكثر من حديث.

وقد يعرض للزواج ما يجعله فرضاً أو واجباً أو حراماً أو مكروهاً.

فيكون فرضاً: فيما إذا كان الشخص قادراً على تكاليف الزواج واثقاً من نفسه أن يعدل مع زوجته ولا يلحق بها الضرر، ويتيقن أنه لو لم يتزوج وقع في الفاحشة ولا يستطيع التحرز عنها بأي وسيلة، لأن ترك الزنى مفروض عليه والمانع من وقوعه فيه هو التزوج فيكون وسيلة إلى الفرض. ومن المقرر أن ما لا يتوصل إلى الفرض إلا به يكون فرضاً.

فالزواج في هذه الحالة فرض لا لذاته، بل لأنه وسيلة إلى ترك الحرام، فإذا لم يتزوج كان آثماً مستحقاً للعقاب وهذا في حق الرجل.

أما المرأة فإنه يفرض عليها الزواج إذا عجزت عن اكتساب قوتها وليس لها من ينفق عليها، وكانت عرضة لمطامع أهل الفساد فيها ولا تستطيع أن تصون نفسها إلا بالزواج.

ويكون واجباً: فيما إذا كان قادراً واثقاً من العدل وخاف الوقوع في الفاحشة إذا لم يتزوج خوفاً لا يصل إلى درجة اليقين، فإذا لم يتزوج كان آثماً مستحقاً للعقاب لكنه أقل من العقاب في الحالة السابقة.

وقد يكون حراماً: إذا كان الشخص غير قادر على التكاليف أو كان قادراً عليها لكنه يقطع بأنه يظلم زوجته إذا تزوج سواء كان ظلمها بالإيذاء أو بعدم القدرة على المخالطة الجنسية. وذلك لأن الظلم حرام فما يكون طريقاً إليه يأخذ حكمه غير أن حرمته لا لذاته.

ويكون مكروهاً: إذا خاف الوقوع في الظلم إن تزوج إما لعجزه عن الإنفاق أو إساءة العشرة لشذوذ في خلقه أو عدم قدرته على المخالطة الجنسية، فإذا خاف الوقوع في واحدة من ذلك كره له التزويج كراهة تحريم أن تنزيه حسبما يخشاه من أنواع الظلم.

بقيت حالة أخيرة يتعارض فيها ما يجعل الزواج فرضاً وما يجعله حراماً. وهي ما إذا كان يقطع بالوقوع في الفاحشة إن لم يتزوج كما يقطع بظلم الزوجة إن تزوج.

وهذه الحالة يقرر الفقهاء فيها أنه لا يتزوج دفعاً للظلم، لأنه العلاج المتعين لذلك لقوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله)، وليس معنى هذا أنه يباح له الزنى، بل الزنى حرام لا يباح في حال من الأحوال.

وعليه بعد أن يترك الزواج أن يقاوم كلا المحظورين، فيحارب شهوته بشتى الوسائل ليتغلب عليها، ويقوم نفسه ليخلصها من رذيلة ظلم الغير. وما يجده سهلاً عليه يسير على ما يقتضيه، فإن سهل عليه محاربة الشهوة دون الأخرى بقي على كفه عن التزويج، وان استعصى عليه محاربة الشهوة ووجد من نفسه ميلاً إلى ترك الظلم تزوج.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://pontera.yoo7.com
غــــريــــب
الــمــديــر الــعــام


عدد المساهمات: 2566
نقاط: 7147
تاريخ التسجيل: 01/10/2010
الموقع: الــمــغــرب

مُساهمةموضوع: رد: الفقه الإسلامي   الثلاثاء أكتوبر 12, 2010 6:07 am

كــتــاب الــبــيــوع
[color=blue]كتاب الربَا

كتاب الرهن

كتاب الكفالة

كتاب السلم

كتاب الشركات

كتاب البيوع

الفصل الأول: تعريف الربا وحكمه
المبحث الأول: تعريف الربا من حيث اللغة ومن حيث الاصطلاح

المبحث الثاني: حكم الربا من حيث الوصف الشرعي القائم به

المبحث الثالث: حكم الربا من حيث الأثر النوعي المترتب عليه


الفصل الثاني: الأموال التي يجري فيها الربا وعلة الربا

المبحث الأول: الأموال التي يجري فيها الربا

المبحث الثاني: علة الربا ومذاهب الفقهاء فيه.


الفصل الثالث: أنواع الربا وشرائعه جريان الربا

المبحث الأول: أنواع الربا: ربا الفضل وربا النساء

المبحث الثاني: شرائط جريان الربا


المبحث الأول: تعريف الربا:

الربا في اللغة الفضل والزيادة، ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج: 5] وقوله سبحانه: {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} [النحل: 92] وهو مقصور على الأشهر. وهو من الباب الأول، ويثنى على (ربوان) وينسب إليه فيقال (ربوي) على أصله.

والربا في الاصطلاح الفقهي:

عند الحنفية (فضل خال عن عوض بمعيار شرعي مشروط لأحد المتعاقدين في المعاوضة). وعند الشافعية: (عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد، أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما) وعند الحنبلية: (الزيادة في أشياء مخصوصة) والمالكية في تعريفهم للربا لا يخرجون عن هذه التعاريف.

ومن التعاريف يتضح أن الربا إنما هو الزيادة الخالية عن عوض مقابل، فلو كانت زيادة يقابلها عوض لم تكن ربا. وكذلك فإن الربا خاص بالمعاوضات، أما الهبة فلا يجري فيها الربا.

والربا لا يكون إلا مشروطاً، فلو زاد أحد المتبايعين الآخر دون شرط لم يكن ربا.

وكذلك فإن الزيادة فيه لا تتحقق إلا إذا كان العوضان منضبطين بمعيار شرعي وهو الكيل أو الوزن لا غير.



المبحث الثاني: حكم الربا من حيث الوصف الشرعي القائم به:
الربا محرم باتفاق الفقهاء من غير خلاف، قليلاً كان أو كثيراً، وقد ثبت تحريمه بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.

1- دليل الكتاب: ففي آيات كثيرة، منها قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 278-279].

2- دليل السنة: ففي أحاديث كثيرة مستفيضة منها:

أ- ما رواه جابر -رضي الله عنه- قال: (لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء) رواه مسلم. وروى الخمسة مثله عن ابن مسعود.

ب- ما رواه ابن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الربا ثلاثة وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وان أربى الربا عرض الرجل المسلم) رواه ابن ماجه مختصراً، والحاكم بتمامه وصححه.

جـ- ما رواه الدارقطني، والبيهقي، وأحمد، عن عبدة الله بن حنظلة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (درهم ربا يأكله ابن آدم أشد عند الله من ست وثلاثين زنية).

3- وأما الإجماع فهو محكي عن جميع الفقهاء في كل العصور، لم يشذ منهم واحد، حتى أن الماوردي قال: (إنه لم يحل في شريعة قط) لقوله تعالى: (وأخذهم الربا وقد نهوا عنه) يعني في الكتب السابقة.



المبحث الثالث: حكم الربا في البيع من حيث الأثر النوعي المترتب عليه:
ذهب الحنفية إلى أن اشتراط الربا في المعاوضات مفسد لها، وقد تقدم أن العقد الفاسد يثبت به الملك عند الحنفية خلافاً للعقد الباطل، إلا أنه ملك خبيث، لا يجوز الانتفاع به معه، وهو عقد واجب الفسخ وعلى هذا يكون بين الربا والعقد الفاسد عموم وخصوص مطلق، فكل عقد ربوي فاسد ولا عكس.

وذهب الجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة- إلى أن الربا في المعاوضات مبطل لها، ذلك أن الجمهور لا يفرقون بين الفساد والبطلان في العقود، وقد تقدم ذلك، فيكون العقد الربوي عندهم كأنه لم يكن، فلا ينتج عنه ملك ما.


الفصل الثاني: الأموال التي تجري فيها الربا، وعلة الربا:
المبحث الأول: الأموال التي يجري فيها الربا:

اتفق الفقهاء على جريان الربا في أموال معينة، واختلفوا في جريانه في أموال أخرى، وذلك على الوجه الآتي:

أ- اتفقوا على أن الربا يجري في الأموال التالية، وهي ستة: الذهب، والفضة، والبن، والشعير، والتمر، والملح. وذلك إذا استجمعت شرائط الربا. ودليلهم على ذلك:

1- ما رواه عبادة بن الصامت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُن بالبُن، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) متفق عليه.

2- ما رواه أبو سعيد الخدري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تُشفَّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الوَرِق بالوَرِقَ إلا مثلاً بمثل ولا تُشِفَّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز) متفق عليه.

3- ما رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (الذهب بالذهب وزناً بوزن مثلاً بمثل، والفضة بالفضة وزناً بوزن مثلاً بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا) رواه مسلم والنسائي وأحمد.

4- ما رواه أبو سعيد الخدري وأبو هريرة -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استعمل رجلاً على خيبر، فجاء بتمر جنيب، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أكُل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا تفعل بع الجَمْع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً، وقال في الميزان مثل ذلك) متفق عليه. وفي رواية لمسلم (وكذلك الميزان).

والتمر الجنيب هو التمر الجيد، والتمر الجَمْع هو التمر الذي اختلط فيه الجيد بغيره فكان من أصناف متفاوتة في الجودة، وقيل هو التمر الرديء، والمعنيان متقاربان، لأن المختلط ملحق بالرديء في السعر غالباً: ومعنى رواية مسلم (وكذلك الميزان) أي وكذلك ما بيع بالميزان، فإنه في الحكم مثل ما بيع بالمكيال.

فإن هذه الأحاديث الصحيحة وغيرها مما جاء في معناها يدل دلالة صريحة على حرمة التفاضل في بيع الأموال الستة كل بجنسه، وعلى حرمة الأجل فيه، ولذلك أجمع جماهير العلماء منذ الصدر الأول إلى يومنا هذا على جريان الربا فيها، وذلك إن بيعت بجنسها، كبيع الذهب بالذهب والملح بالملح ... متفاضلاً في الحال، أو غير متفاضل ولكن إلى أجل، لصراحة النصوص السابقة.

إلا ما روي عن بعض التابعين من عدم جريان ربا الفضل فيها وفي غيرها من الأموال، وهو خلاف قول الجماهير فلا نعمل به.

ب- واختلفوا في جريان الربا فيما عدا هذه الأنواع الستة من المال وذلك على مذهبين:

أولاً: مذهب الظاهرية، وهو عدم جريان الربا في غير هذه الأموال الستة، لأن جريان الربا فيها كان تعبدياً غير معلل، فلا يقاس عليها غيرها فيه، وهذا المذهب مروي عن عطاء وقتادة.

ثانياً: مذهب جماهير العلماء غير الظاهرية، وفيهم أئمة المذاهب الأربعة، وهو أن الربا يجري في غير هذه الأموال الستة كما يجري فيها، ذلك أن التحريم فيها معلل، فيقاس عليها غيرها.

إلا أن هؤلاء العلماء اختلفوا في العلة التي يتعدى بها الحكم إلى غير هذه الأموال، ذلك أن العلة غير منصوص عليها، ولا بد لاستخراجها من الاجتهاد وبذل الجهد.

المبحث الثاني: علة الربا:

اختلف الجماهير في علة الربا إلى أربعة مذاهب كالآتي:

1- مذهب الحنفية: وهو أن علة التحريم في هذه الأموال وصفان هما: القدر (وهو الكيل أو الوزن)، والجنس. ذلك أن هذه الأموال الستة بعضها موزون كالذهب والفضة، وبعضها مكيل، كالبن والشعير، وليس فيها غير مقدر.

وقد نص النبي -صلى الله عليه وسلم- على تحريم بيع الجنس بجنسه فيها متفاضلاً، فكان على التحريم الجنس مع القدر. وعلى ذلك إذا باع صاعاً من حنطة بصاع منها ناجزاً جاز، لانعدام أحد وصفي العلة، وهو التفاضل في القدر. فإذا باعه بصاعين حرم لقيام الوصفين وهما: التفاضل في القدر مع اتحاد الجنس، ولا يؤثر في ذلك أن يكون الصاعان قيمتهما كقيمة الصاع الواحد المقابل لرداءتهما وجودة الصاع، فإن الجودة في أموال الربا ساقطة الاعتبار. فيكون الاعتبار للوزن والكيل دون القيمة. وذلك لصراحة الحديث الشريف المتقدم: بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً).

وكذلك الحكم في كل مكيل أو موزون، كأنواع الخضار، والمعادن، والسوائل التي تباع بالكيل أو الوزن، فأنها أموال ربوية قياساً على الأموال الستة.

وأما الأقمشة التي تباع ذرعاً، والأدوات التي تباع عداً، فإنها مما لا يجري فيه الربا عندهم لانعدام الكيل أو الوزن فيها وهما القدر الوارد في الأموال الستة فلا يزاد عليه. فلو باع بطيخة ببطيختين أو بيضة ببيضتين جاز، إذا كان العرف يجري على بيعه بالعدد، ولو باع طناً من البطيخ بطنين منه لم يجز إذا كان العرف جار على بيعه بالوزن، لأنه في المرة الأولى غير مقدر بالمقدار المحرم، وفي الثانية مقدر به.

ولا يتم التحريم عند الحنفية في البيع المنجز إلا باجتماع وصفي العلة معاً، فإذا وجد أحد الوصفين دون الآخر لم يحرم البيع الحال، وأما البيع لأجل، وهو (النَّساء) فإنه يحرم بوصف واحد.

2- مذهب الشافعية: وهو أن علة الربا إنما هي الثمنية، أو الطعم، ذلك أن الذهب والفضة ثمنان، والأنواع الأربعة الأخرى مطعومة، فكانت العلة في تحريم الربا فيها ذلك. والجنس شرط التحريم في كل، فإذا باع حنطة بحنطة حرم التفاضل وكذلك كل مطعوم إذا بيع بجنسه، والطعام عندهم هو كل ما قصد للغذاء كاللحم، أو التفكه بالفواكه، أو لسلامة البدن كالأدوية، فإنها كلها مطعومة في حق الربا.

فإذا بيع بخلاف جنسه، لم يحرم ما دام البيع منجزاً، لاختلال شرط التحريم وهو اتحاد الجنس بين البدلين.

وكذلك إذا باع فضة بفضة منجزاً، فإنه محرم إلا إذا تساويا وزناً، وكذلك الذهب بالذهب للثمنية في كل واتحاد الجنس.

فإذا باع حديداً بحديد متفاضلاً لم يحرم، لانعدام العلة، وهي الطعم أو الثمنية.

3- مذهب المالكية: وهو أن علة الربا إنما هي الطعمية مع الاقتيات والادخار في الأنواع الأربعة، والثمنية في الذهب والفضة مع الجنس.

والطعمية عندهم معناها كل ما يطعمه الناس للتفكه، أو التداوي، أو التغذي أو غير ذلك.

وأما الاقتيات عندهم، فيشمل كل مأكول يصلح البدن بالاكتفاء به، ويكون في معنى المقتات به عندهم ما هو ضروري لحفظ المقتات به كالملح.

وأما الادخار فمعناه إمكان استبقاء المطعوم إلى الأمد المبتغى منه عادة، ولا حد لذلك على ظاهر المذهب، بل هو في كل شيء يحسبه.

وأما الجنس فإنه أحد وصفي العلة، ولا يحرم التفاضل إلا معه، إلا أنه ينزل منزلة الجنس الواحد الجنس المقارب على المعتمد. فالبن والشعير والسلت جنس واحد في الربا، لتقارب منفعتها، فيحرم لذلك بيع بعضها ببعض متفاضلاً كبيع البر بالبر نفسه متفاضلاً تماماً.

هذا في البيع المنجز، أما البيع إلى أجل (النَّساء) فإن علة التحريم فيه إلى جانب الجنس الطعم مطلقاً سواء أكان مقتاتاً به أو لا، مدخراً أو لا. بشرط أن يكون طعماً لغير التداوين فإذا كان للتداوي لم يجر فيه النَّساء.

وعلى هذا لو باع فاكهة طازجة بفاكهة من جنسها حرم النساء، وجاز التفاضل، فحرمة النساء للطعم، وإباحة التفاضل لانتفاء الادخار وهكذا ...

4- مذهب الحنبلية: وأما الحنبلية فقد ثبت عنهم ثلاث روايات في علة الربا.

أولاها- كمذهب الحنفية، وهي القدر مع الجنس وهي الأشهر عندهم.

وثانيها- كمذهب الشافعية، وهي الطعم أو الثمنية، مع الجنس.

وثالثها- الثمنية، أو الطعم مع القدر الشرعي إذا اتحد الجنس، وعلى هذا فلا ربا في مطعوم إلا إذا كان مكيلاً أو موزوناً، خلافاً للرواية الثانية السابقة فإنها تكتفي بالطعم وحده للتحريم.

مواضع الاتفاق بين المذاهب الأربعة في علة الربا:

ومن تتبع ما تقدم ندرك أن هنالك اتفاقاً بين أكثر المذاهب في بعض النقاط واختلافاً في نقاط أخرى.

فمحل الاتفاق في علة الربا هو نقطتان:

1- اتحاد الجنس، فإنه أحد أوصاف علة الربا عند الحنفية والمالكية والحنبلية، وهو شرط العلة عند الشافعية فلا ربا مع اختلاف الجنس، إلا أن المالكية -كما تقدم- يقيمون الجنس المقارب مقام الجنس الواحد في التحريم.

2- الثمنية، فإنها أحد أوصاف علة الربا أيضاً عند الأئمة الثلاثة إلا الحنفية، فإذا اجتمعت مع الجنس حرم التفاضل والنساء باتفاق الثلاثة، وذا انفردت عنه حل التفاضل وحرم النساء.

ومحل الاختلاف بينهم هو:

1- أن الحنفية حرموا الربا عند اتحاد الجنس في كل مقدر مكيلاً كان أو موزوناً. وتبعهم في ذلك الحنبلية في الأشهر من روايات ثلاث عنهم دون المالكية والشافعية.

2- أن الشافعية استبدلوا القدر لدى الحنفية بالطعم، وزادوا عليه الثمنية، وتبعهم في ذلك الحنبلية في رواية ثانية عنهم.

3- أن المالكية استبدلوا القدر بالطعم مع الاقتيات والادخار في ربا الفضل، واكتفوا بالطعمية وحدها في ربا النسيئة. هذا إلى جانب الثمنية فإنها أحد أوصاف علة الربا عندهم كالشافعية.

وعلى هذا إذا باع إنسان مثقال ذهب بمثقالي ذهب كان ربا في الحال والنساء عند الجميع. عند الثلاثة للثمنية مع الجنس، وعند الحنفية للقدر مع الجنس.

فإذا باع فضة بذهب، حل التفاضل وحرم النساء بالاتفاق أيضاً، لاتفاقهم على أن النساء يحرم بأحد أوصاف علة ربا الفضل، وهو هنا القدر عند الحنفية، والثمنية عند الثلاثة.

فإذا باع حنطة بحنطة حرم التفاضل والنساء بالاتفاق أيضاً لاتحاد القدر مع الجنس عند الحنفية، وللطعم مع الجنس عند الشافعية، وللطعم والادخار والاقتيات مع الجنس عند المالكية، لأن الحنطة من المطعوم المقتات به المدخر.

وإذا باع حديداً بنحاس، حل التفاضل والنساء عند الشافعية والمالكية لانعدام علة الربا، وحل التفاضل وحرم النساء عند الحنفية والحنبلية لوجود القدر وحده وهو الوزن هنا، وهكذا ...


المبحث الأول: أنواع الربا:
قسم الجمهور وفيهم الحنفية الربا إلى نوعين: ربا الفضل، وربا النساء، والفضل في اللغة الزيادة، والنساء التأخير.

1- ربا الفضل:

وعلى هذا فربا الفضل عندهم هو (زيادة عين مال شرطت في عقد بيع على المعيار الشرعي "وهو الوزن أو الكيل" عند اتحاد الجنس) أي ما يستجمع وصفي علة الربا وهما القدر والجنس، فإذا باع المقدر بخلاف جنسه كالبن بالشعير متفاضلاً حالاً لم يحرم، لانعدام الجنس، وهو أحد وصفي علة الربا، وإن كان يحرم بيعه كذلك نساء (مؤجلاً) لأن النساء يحرم بأحد وصفي علة الربا. وهو هنا القدر، فإن كُلاً من الحنطة والشعير مكيل.

هذا والعبرة في القدر عند جمهور الفقهاء ما ثبت عن الشارع، أو ما كان متعارفاً عند تنزل النص، وهو عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- فما كان من السلع مكيلاً في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتبر مكيلاً دائماً وإن تعارف الناس بيعه وزناً أو جزافاً كالحنطة والشعير ...، وما كان في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- موزوناً اعتبر موزوناً دائماً ولو تغير العرف كالملح، أما ما لم يثبت فيه عرف قديم في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- فالعبرة فيه لعرف الناس وقت التعامل، كالخضار بأنواعها .... فلو جرى العرف الآن ببيع الحنطة وزناً والشعير كيلاً فباع حنطة بشعير نساء لم يجن لاتحاد القدر، ذلك أن كلا النوعين مكيل شرعاً ولا عبرة بتغير العرف.

وذهب البعض إلى أن العبرة في القدر للعرف مطلقاً، فإذا جرى بيع الحنطة الآن وزناً كانت موزونة وهكذا ...

2- ربا النساء:

أما ربا النساء فهو : (فضل العين على الدين وفضل الحلول على الأجل) وذلك عند اتحاد القدر أو اتحاد الجنس.

فإذا باع صاعاً من بر بصاع من بر مؤجلاً لم يصح لزيادة الصاع الأول عن الصاع الثاني في الحقيقة، وإن لم يبد ذلك ظاهراً. لأن الصاع المعجل في العرف أكثر ثمناً من الصاع المؤجل، فكان فيه زيادة فمنع، ولهذا لم تشترط فيه الزيادة الظاهرة بخلاف البيع المعجل، فإنه يشترط للتحريم فيه الزيادة الظاهرة، لعدم وجود الأجل فيه.

وذهب الشافعية إلى أن الربا أنواع ثلاثة، ربا الفضل، وربا النساء، وربا اليد، فربا الفضل والنساء عندهم كمثيليهما عند الجمهور، وربا اليد عندهم يكون في البيع الذي لم يشترط فيه الأجل ولكن تأخر فيه فعلاً قبض أحد البدلين، وهو عند الحنفية كالبيع المنجز، لا يجري فيه الربا إلا بزيادة أحد البدلين عن الآخر في العقد، فان تساويا فلا ربا لعدم اشتراط الأجل.

ولذلك فإننا نجد أن الجميع متفقون تقريباً في تقسيم الربا إلى نوعين هما: الفضل والنساء، فالفضل ما فضل فيه أحد البدلين عن الآخر في القدر في بيع منجز، والثاني ما فضل فيه أحد البدلين عن الآخر في القيمة المقابلة بالأجل في بيع مؤجل. فإذا أجله من غير شرط كان كالمنجز عند الحنفية وكالنسبة عند الشافعية.

وقد اتفق الفقهاء على أن ربا النساء يحرم بوجود أحد وصفي علة الربا، أما الفضل فلا يحرم إلا بوجود وصفي العلة معاً: وهما عند الحنفية القدر مع الجنس.

وعند الشافعية الجنس مع الثمنية. أو الجنس مع الطعم.

وعند المالكية الجنس مع الطعم والاقتيات والادخار، أو الجنس مع الثمنية.



المبحث الثاني: شرائط جريان الربا:
لا يجري الربا في المعاوضات ولا تحرم به إلا إذا توافرت فيها شرائط هي:

أ- أن يكون بدلا المعاوضة التي يتحقق فيها الربا معصومين، أي مملوكين ملكاً لا يجوز الاعتداء عليه وسلخه عن صاحبه بغير حق مشروع، فلو كان البدلان أو أحدهما مباحاً غير معصوم، كمال الحربي.

فقد ذهب جمهور الحنفية إلى أنه لا يجري الربا فيه إذا كان المسلم هو الآخذ. بل تصح المعاوضة مع قيامه، فإذا كان المسلم هو المعطي لم يجز.

وذهب الجمهور وبعض الحنفية إلى عدم اشتراط ذلك، وأن الربا يجري وتحرم المعاوضة متى توافرت علة الربا فيها، سواء أكان البدلان معصومين أو لا، وسواء أكان المسلم هو الآخذ للربا أو المعطي له.

وعلى هذا لو دخل تاجر مسلم إلى دار الحرب فعامل أهل تلك الدار من غير المسلمين بمعاوضات كسب منهم فيها بعض المال عن طريق اشتراط الربا. فإنه يجوز عند جمهور الحنفية ولا يحرم على التاجر المسلم ذلك. لعدم عصمة مال أهل دار الحرب من غير المسلمين.

ولا يجوز عند جمهور الفقهاء لأنه لا يشترط لجريان الربا عنده عصمة البدلين.

ومثله إذا أسر أحد المسلمين في دار الحرب فباع منهم شيئاً أو أشترى بربا فإنه يجوز عند جمهور الحنفية خلافاً لجمهور الفقهاء. أما الذمي فإن ماله معصوم بالاتفاق. وكذلك المستأمن، فلا يجوز التعامل بالربا معهما. ولا عبرة باختلاف الدِّين، لأن اتحاد الدين ليس شرطاً من شروط جريان الربا بالاتفاق.

الأدلة:

1- استدل بعض الحنفية والجمهور لمذهبهم بأدلة منها:

أ- إن حرمة الربا كما هي ثابتة في حق المسلمين فهي ثابتة في حق الكفار، لأنهم مخاطبون بالحرمات في الصحيح من الأقوال. فاشتراط الربا في البيع لهم موجب لفساده، كما في بيع المسلم للمسلم تماماً.

ب- عموم الأخبار التي جاءت بتحريم الربا، مثل قوله تعالى: {وحرم الربا} وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} [البقرة: 278] فإنها تعم المعاملة مع المسلم وغير المسلم، ولا مخصص لها، فتبقى على عمومها.

2- واستدل جمهور الحنفية لمذهبهم بأدلة منها:

أ- إن مال الحربي مال غير معصوم، وهو مباح في نفسه، إلا أن المسلم ممنوع من تملكه بغير رضاه، لما فيه من الغدر والخيانة، فإذا بذله الكافر باختياره ورضاه، فقد زال هذا المعنى، فكان الآخذ استيلاء على مال مباح غير مملوك، وإنه مشروع مثبت للملك كالاستيلاء على الحطب والحشيش في البرية قبل إحرازه من قبل أحد، فإنه جائز، فكذلك الزيادة هنا.

ب- بما روي عن مكحول عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب) وهو حديث مرسل، والمرسل حجة عند الحنفية.

أن لا يكون بدلا المعاوضة معاً ملكاً لأحد المتبايعين. كبيع الشريك المفاوض مع شريكه مثل ذلك، فإنه لا يحرم لامتلاكهما معاً البدلين. وكذلك الشريكان شركة عنان إذا تبايعا مع بعضهما من مال الشركة، فإنه لا يجري فيه الربا، لاستوائهما في امتلاك البدلين، فلو باعا من غير مال الشركة جرى فيه الربا.

جـ- عدم الخلو عن احتمال التفاضل، وذلك كمن باع المال الربوي بجنسه مجازفة -أي بغير وزن أو كيل- بأن باع صبرة بُن بصبرة بُن، أو بكيل معين منه، فإنه لا يجوز لاحتمال التفاضل بينهما في الكيل، أو لعدم الخلو عن احتمال التفاضل، فإن احتمال التفاضل في المعاوضة مفسد لها مثل تحققه فيها.

وقد ورد في النهي عن ذلك حديث جابر -رضي الله تعالى عنه- قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم- عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر) رواه مسلم والنسائي.

كما ورد عن ابن مسعود موقوفاً عليه قوله: (ما اجتمع الحلال والحرام في شيء إلا وقد غلب الحرام والحلال). ومنه أخذ الفقهاء القاعدة الفقهية الشهيرة (إذا تعارض المانع والمقتضي يقدم المانع).

وكذلك لو باع طناً من حنطة بطن من حنطة، فإنه لا يجوز لأن الحنطة تباع شرعاً كيلاً ولا يدرى إن كان طن الحنطة الأول يساوي طن الحنطة الثاني كيلاً أو لا، فكان كبيع المجازفة، وخالف في ذلك بعض الحنفية بالجواز، لأن القدر عندهم يختلف باختلاف العرف.

وعلى هذا لا يجوز بيع المزابنة والمحاقلة، والمزابنة هي في اللغة والاصطلاح بيع التمر على رؤوس الشجر بمثل وزنه من التمر المجذوذ خرصاً وتخميناً، كأن يبيع ما على هذه الشجرة من تمر بعشرين صاعاً من تمر مجذوذ، فإنه لا يجوز لعدم الجزم بتساوي المقدارين، وكذلك بيع الزبيب بالعنب على وجه لا يدري فيه أيهما أكثر.

والمحاقلة بيع الحب في سنبله بمثل كيله خرصاً، فإنه مثل التمر، تجهل فيه المساواة في القدر فلا يجوز.

وقد ثبت النهي عن ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد روي عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قوله: (نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعام نهى عن ذلك كله) متفق عليه.


يـــتـــبـــع







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://pontera.yoo7.com
غــــريــــب
الــمــديــر الــعــام


عدد المساهمات: 2566
نقاط: 7147
تاريخ التسجيل: 01/10/2010
الموقع: الــمــغــرب

مُساهمةموضوع: رد: الفقه الإسلامي   الثلاثاء أكتوبر 12, 2010 6:36 am

كتاب الرهن

الفصل الأول


تعريف الرهن

مشروعية الرهن

حكمة الرهن

حكم الرهن

الفصل الثاني
أركان عقد الرهن

المبحث الأول: في العاقد

المبحث الثاني:في الصيغة

المبحث الثالث: في المرهون

المبحث الرابع:في المرهون به

المبحث الخامس: في رهن المشاع

الفصل الثالث:في قبض الرهن وكيفية القبض
المبحث الأول: في قبض الرهن

المبحث الثاني:في كيفية قبض الرهن المنقول وغير المنقول والمشاع

الفصل الرابع:في أحكام الرهن الصحيح

المبحث الأول: في أحكام الرهن الصحيح: وفيه مسائل

المبحث الثاني:في أحكام الرهن الصحيح حال هلاك العين المرهونة

الفصل الخامس:في أحكام الرهن الفاسد

المبحث الأول: في معنى الفساد والبطلان

المبحث الثاني: في أحكام الرهن الباطل عند الحنفية

المبحث الثالث: في أحكام الرهن الفاسد عند الحنفية


الفصل السادس:في أحكام تتعلق بالرهن
المبحث الأول: في وضع الرهن على يد العدل

المبحث الثاني: في الرهن المستعار

المبحث الثالث: في الزيادة في الرهن أو الدين.

المبحث الرابع: في تعدد أطراف الرهن.


- خطة مفصلة عن كتاب الرهن -
كتاب الرهن



الفصل الأول

تعريف الرهن - مشروعيته وحكمة الرهن - حكمه.
المبحث الأول: في تعريف الرهن:
أ- تعريف الرهن من حيث اللغة:

للرهن في اللغة معان فمن معانيه اللغوية:

1- الحبس: وهو أشهر معانيه، ومن معنى الحبس قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38] وقوله: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21]، أي محتبس بعمله ورهينة محبوسة.

2- الثبوت والدوام: ومنه ماء راهن ونعمة راهنة. "أرهنت لهم الطعام والشراب أدمته لهم، وهو طعام راهن".

ب- تعريف الرهن من حيث اصطلاح الفقهاء:

1- تعريف الحنفية: وعرف الحنفية الرهن بأنه: "جعل الشيء محبوساً بحق يمكن استيفاؤه من الرهن كالديون".

2- تعريف المالكية: وعرفه المالكية بأنه: "ما قبض توثقاً به في دين" واعترض على هذا التعريف بأن الرهن لا يشترط قبضه، فيرجع تعريفهم إلى قريب من تعريف الشافعية.

3- تعريف الشافعية: عرفه الشافعية بأنه: "جعل عين متمولة وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذر وفائه".

4- تعريف الحنابلة: وعرفه الحنابلة بأنه: "المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه" وهذا التعريف قريب من تعريف الشافعية.

المبحث الثاني: في مشروعية الرهن وحكمة الرهن وحكم الرهن:

1- مشروعية الرهن: الرهن مشروع في الإسلام لحاجة الناس، ولقد ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة والإجماع.

أ- أما الكتاب فقوله تعالى: "وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة" دلت هذه الآية على مشروعية الرهن.

واتفق الفقهاء على أن الرهن مشروع سواء أكان في سفر أم لم يكن سفر، وجد كاتب أم لم يوجد، عملاً بما ورد في السنة.

ب- وأما السنة فأحاديث كثيرة منها:

- عن أنس رضي الله عنه قال: "ولقد رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه بشعير" رواه البخاري.

وعن عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً إلى أجل ورهنه درعه". رواه البخاري.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير".

ج- وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة.

2- الحكمة من تشريع الرهن: الحكمة الأولى: هي أن الإسلام دين التعاون، وكثير من الناس من يرغب في مساعدة الآخرين والتنفيس عن كربتهم، إلا أنه ليس عنده من الوثوق بمن يساعده ما يشجعه على دفع ماله له أو التعامل معه دون أن يحصل على وثيقة يضمن بها حقه وتطمئنه على ماله، فشرع الإسلام الرهن تيسيراً للمعاملات وسداً للحاجات، وتوثيقاً لأصحاب الحقوق حتى يستوفوها من الرهن حينما يعجز أصحاب الرهن عن الوفاء أو يتقاعسون عنه.

الحكمة الثانية: وهي: أن الدائن حينما يأخذ الرهن يصبح في مأمن من هلاك دينه، بجحده من قبل الراهن المدين، أو إفلاسه، فيستوفي حقه من العين المرهونة، ولا يصير أسوة الغرماء فيما إذا كثر الدائنون، لأن الرهن يجعل له الأحقية على غيره في الاستيفاء.

3- حكم الرهن:

اتفق الفقهاء على أن الرهن من الأمور الجائزة وأنه ليس بواجب.



* * *



الفصل الثاني

أركان عقد الرهن

تمهيد:

ذهب الشافعية إلى أن أركان عقد الرهن أربعة: عاقد - وصيغة - ومرهون - ومرهون به.

وذهب الحنفية إلى أن ركن عقد الرهن الصيغة فقط، وما تبقى من الأركان فإنما هو شرائط لهذا الركن.

المبحث الأول: في العاقد:
الركن الأول: العاقد، وهما الراهن والمرتهن، ويشترط في كل منهما ما يلي:

أولاً: أن يكون مكلفاً وذلك بأن يكون بالغاً عاقلاً، فلا يصح الرهن والارتهان من صبي غير بالغ ولو كان مميزاً عاقلاً، كما لا يصح ذلك من مجنون.

وذهب الحنفية إلى أنه لا يشترط البلوغ في عقد الرهن، بل يكتفي بأن يكون عاقلاً مأذوناً، وهذا الإذن يكون من وليه.

ثانياً: أن يكون مختاراً: فلا يصح الرهن والارتهان من المكره، لأن عقد المكره غير صحيح.

ثالثاً: أن يكون من أهل التبرع: فلا يصح أن يرهن الولي مال من هو ولي عليه، من صبي أو مجنون أو سفيه،ولا يصح أن يرتهن لهم، لأنه ليس أهلاً للتبرع من أموالهم.

أما المنع من الرهن لهم فلأنه يمنع من التصرف في المرهون، فهو حبس لما لهم من غير عوض.

وأما المنع من الارتهان، فلأن الولي في حال الاختيار، لا يبيع إلا بحال مقبوض قبل التسليم فلا ارتهان.

وقد استثنى الفقهاء: من أهلية التبرع مسألتين: يصح فيهما للولي أن يرهن وأن يرتهن:

المسألة الأولى: أن يكون الرهن والارتهان للضرورة، وذلك كأن يرهن على ما يقترض لحاجة المؤنة والنفقة، ليوفي من غلة منتظرة أو دين لهم يحّل أجله، أو من متاع كاسد يرجى نفاقه.

وكأن يرتهن على ما يقرضه أو يبيعه مؤجلاً لضرورة خوف نهب أو نحوه.

المسألة الثانية: أن يكون في الرهن والارتهان غبطة ظاهرة، وذلك كأن يرهن ما يساوي مائة على ما اشتراه بمائة نسيئة وهو يساوي مائتين مثلاً.

وكأن يرتهن على ثمن ما يبيعه نسيئة بمائتين، وهو يساوي أقلّ من ذلك.

فائدة: ويشترط في حال الرهن أن يكون الرهن عند أمين موسر، وأن يشهد بذلك، وأن يكون الأجل قصيراً عرفاً، فإن فقد شرط من ذلك لم يصح الرهن.

المبحث الثاني: في الصيغة:

الركن الثاني: الصيغة، وهي الإيجاب والقبول، كأن يقول الراهن:

رهنتك داري هذه بما لك عليّ من الدين، أو خذ هذا الكتاب رهناً بما لك عليّ من الدين، فيقول المرتهن قبلت.

ولا يشترط في الصيغة أن تكون بهذه الألفاظ، بل يقوم مقامها كل لفظ يدل عليها.

- الرهن بالمعاطاة:

الأصح عند الشافعية أنه لا ينعقد الرهن بالمعاطاة.

وصورة المعاطاة كما ذكره المتولي أن يقول الراهن: أقرضني عشرة لأعطيك ثوبي هذا رهناً، فيعطيه العشرة ويقبضه الثوب.

وذهب بعض الحنيفة إلى أن الركن الإيجاب فقط، لأن الرهن عقد تبرع كالهبة وغيرها من التبرعات فلا يلزم فيه القبول. بل القبول شرط لتمام العقد.

وذهب البعض الآخر إلى إجازة الرهن بالتعاطي.

وذهب جمهور الفقهاء من أنه لابدّ في الرهن من إيجاب وقبول بلفظ يدل على الرهن والارتهان.

المبحث الثالث: في المرهون:

الركن الثالث: المرهون، وقد اشترط الفقهاء في الشيء الذي يصح أن يكون رهناً شروطاً منها:

أولاً: أن يكون عيناً: فلا يصح رهن المنفعة، كأن يرهن سكنى دار، لأن المنفعة تتلف بمرور الزمن، فلا يحصل بها استيثاق، ولا يصح أيضاً رهن الدين لأنه غير قادر على تسليمه.

ثانياً: أن يكون قابلاً للبيع، وذلك بأن يكون موجوداً وقت العقد، وأن يكون مالاً متقوماً قد وقع عليه التملك مقدوراً على تسليمه.

وعلى هذا فلا يجوز رهن المعدود عند العقد، كما إذا رهن ما يثمر نخيله العام، أو ما تلد أغنامه السنة ونحو ذلك.

- ولا يصح رهن الميتة والدم والخنزير والخمر لانعدام ماليته، ومن الميتة صيد الحرم والإحرام، فإنهما ليسا بمال بالنسبة إلى الصائد.

- وأجاز الحنفية رهن الخمر والخنزير وارتهانهما فيما بين أهل الذمة، لأن ذلك مال بالنسبة لهم، وأما في حق المسلم راهناً أو مرتهناً فلا يصح.

- ولا يصح رهن ما لم يقع عليه التملك كالحطب والحشيش والصيد من المباحات.

- ولا يصح رهن الطير بالهواء، والأموال الغارقة في البحر لأنه غير مقدور على تسليمها.

ولا يشترط في العين المرهونة أن تكون مملوكة للراهن، بل يصح أن يرهن عيناً مملوكة للغير إذا أذن المالك له برهنها.

ثالثاً: أن يكون مفرغاً وهذا شرط الحنفية بخلاف الجمهور بمعنى أن لا يكون مشغولاً بما ليس بمرهون مما يملكه الراهن، فإن رهنه داراً فيها متاعه لم يصح، والعبرة بالتفريغ وقت القبض لا وقت العقد، لأن المانع هو الشغل.

فلو كان الأمر على العكس بأن كان الرهن شاغلاً ملك الراهن، بأن رهنه المتاع الذي في الدار فإنه يصح.

رابعاً: أن يكون محوزاً : وهذا شرط عند الحنفية بخلاف الجمهور أي مجموعاً لا متفرقاً، فلا يصح رهن الثمر على الشجر.

خامساً: أن يكون مميزاً: وهذا شرط عند الحنفية بخلاف الجمهور أي لا يكون مشاعاً كنصف دار على الشيوع، أو نصف سيارة أو ما أشبه ذلك.

- ولم يشترط جمهور الفقهاء التميز، بل أجازوا رهن المشاع.

المبحث الرابع: في المرهون به:

الركن الرابع: المرهون به، وهو الدين الذي يكون في مقابلة الرهن، وقد اشترط فقهاء الشافعية في المرهون به شروطاً هي:

أولاً: أن يكون ديناً مهما كان سببه، سواء أكان بيعاً أم قرضاً أم إتلافاً، فلا يصح الرهن بالعين مضمونة كانت كالمغصوب، أو أمانة كالوديعة والعارية، لأن الله سبحانه ذكر الرهن في المداينة فلا يثبت في غيرها، ولأنها لا تستوفى من ثمن المرهون، وذلك مخالف لغرض الرهن عند البيع.

أما الحنفية فقد قسموا العين إلى ثلاثة أقسام:

الأول: عين غير مضمونة أصلاً، وهي كالوديعة والعارية ومال الشركة والمضاربة، فهذه لا يجوز الرهن بها بالاتفاق.

الثاني: عين مضمونة بغيرها، وتلك كالمبيع في يد البائع فإنه مضمون بغيره وهو الثمن لا بنفسه، فلو هلك المبيع في يد البائع سقط الثمن عن المشتري، وهذا أيضاً لا يصح الرهن به.

الثالث: عين مضمونة بنفسها، وهي التي يجب مثلها عند الهلاك، إن كان لها مثل، أو قيمتها إن لم يكن لها مثل، وهذه كالمغصوب في يد الغاصب، والمقبوض على سوم الشراء، والمهر في يد الزوج، وبدل الخلع في يد الزوجة، وبدل الصلح على دم العمد، فهذه يجوز الرهن بها، فإن كانت قائمة وجب تسليمها، وإن هلكت وجبت قيمتها، والقيمة دين، فيكون الرهن بها في مقابل دين فصح.

وذهب الحنابلة إلى أنه يجوز الرهن بالعين المضمونة، لأن الرهن شرعاً: "هو توثقة دين غير سلم ودين كتابة لعدم لزومه، أو توثقة عين مضمونة كعارية ومقبوض على وجه سوم بعين ..."

ثانياً: ذهب الشافعية والحنابلة أن يكون هذا الدين ثابتاً، فلا يصح الرهن بغير الدين الثابت، كنفقة زوجة عن يوم غد، وعمّا سيقترضه، لأن الرهن وثيقة بحق، فلا تقدم عليه كالشهادة.

وذهب الحنفية إلى جواز الرهن "بالدين الموعود" كأن يقول الراهن: رهنتك هذه الدار لتقرضني ألف دينار مثلاً، فهذا رهن بدين على وشك الثبوت، وقد أجاز ذلك الحنفية نظراً للحاجة.

ثالثاً: أن يكون الدين لازماً أو آيلاً إلى اللزوم: وذلك كدين القرض وثمن المبيع نسيئة والأجرة والصداق وعوض الخلع ومال الصلح وأرش الجناية، وكثمن المبيع في زمن الخيار إذا كان الخيار للمشتري، لأنه آيل إلى اللزوم، والثمن فيه ملك للبائع فيصح الرهن به، وأما إذا كان الخيار للبائع وحده فإن ملك المبيع له والثمن للمشتري فلا رهن.

وعلى هذا فلا يصح الرهن بجعل الجعالة قبل الفراغ، لأنه لا لزوم فيها، إذ لكل من الطرفين فسخها متى شاء.

رابعاً: أن يكون الدين معلوماً للعاقدين قدراً وصفة: فلا يصح الرهن بدين مجهول لهما أو لأحدهما.

المبحث الخامس: في رهن المشاع:

ذهب الحنفية إلى أن المرهون يجب أن يكون مميزاً، وعلى هذا فلا يصح عندهم رهن المشاع، سواء أكان قابلاً للقسمة أم غير قابل لها.

والمشاع هو كل مملوك ليس بمقسوم ولا معزول.

وذهب جمهور الفقهاء من شافعية وحنابلة ومالكية إلى جواز رهن المشاع، لأن ما جاز بيعه عندهم جاز رهنه.





* * *



الفصل الثالث

في قبض الرهن وكيفية القبض

المبحث الأول: في قبض الرهن:

ذهب الجمهور - الحنفية والشافعية والحنابلة- إلى أن قبض الرهن شرط للزوم عقد الرهن فما لم يحدث قبض لا يلزمه الرهن، بل للراهن أن يرجع عن العقد.

وذهب المالكية إلى أن الرهن يلزم بمجرد العقد ولا يحق للراهن الرجوع بعد العقد، بل يجبر على الإقباض.

المبحث الثاني: في كيفية قبض الرهن:

الرهن إما أن يكون منقولاً وإما أن يكون غير منقول وإما أن يكون مشاعاً.

1- كيفية قبض الرهن المنقول:

ذهب الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية إلى أن المنقول قبضه نقله أو تناوله، ولا يكتفي فيه بالتخلية بينه وبينه.

وذهب جمهور الحنفية إلى أن التخلية في الرهن وفي البيع قبض لأن التخلية تسليم.

2- كيفية قبض الرهن غير المنقول:

اتفق الفقهاء على أن قبض الرهن غير المنقول إنما يكون بالتخلية، وهي عبارة عن رفع الموانع من القبض، والرهن غير المنقول كالعقار ونحوه.

3- كيفية قبض المرهون المشاع:

إذا كان المرهون مشاعاً، فإن كان مما ينقل تم القبض بتسليم كله، ويشترط إذن الشريك بالنقل والقبض، لأنه لا يحصل قبضه إلا بالنقل، فإن أبى الشريك ولم يأذن بالنقل، فإن رضي المرتهن بكونه في يد الشريك جاز وناب عنه في القبض، وإن تنازعا نصب الحاكم عدلاً يكون في يده لهما.

وأما إن كان مما لا ينقل كالعقار، فإقباضه يكون بالتخلية، ولا يشترط إذن الشريك في هذه الحالة.





* * *



الفصل الرابع

في أحكام الرهن الصحيح



المبحث الأول: في أحكام الرهن الصحيح:

وهو الرهن الذي استوفت شروطه وأركانه.

أحكام الرهن الصحيح حال بقاء الرهن في يد المرتهن وفيه مسائل:

1- حبس الرهن.

2- حفظ الرهن ومؤنته.

3- يد المرتهن.

4- الانتفاع بالرهن.

5- التصرف في الرهن.

6- تسليم الرهن وردّه عند فكاكه بوفاء الدين.

7- بيع الرهن.

المسألة الأولى: في حبس الرهن:

ذهب الشافعية إلى أن استدامة القبض ليس بشرط، وأن حبس الرهن ليس على وجه الدوام، بل يجوز للراهن استرداد العين المرهونة للانتفاع بها، إن لم يمكن الانتفاع إلا بالاسترداد، فإن أمكن الانتفاع بغير استرداد لم يسترد إلا إذا أذن له المرتهن. لكن لا ينتفع بما ينقص العين المرهونة كما سيأتي.

وذهب الجمهور -الحنفية والمالكية والحنابلة- إلى أن مقتضى عقد الرهن ثبوت يد الاستيفاء واستحقاق الحبس الدائم، لتحصيل مقصوده وهو الاستيثاق، وذلك لا يحصل إلا بثبوت اليد عليه.

وعلى رأيهم هذا لا يمكّن الراهن من استرداد العين للانتفاع بها بوجه ما، وهذا هو الذي يدفع الراهن إلى المبادرة إلى تسديد الدين حتى يسترد الرهن.

المسألة الثانية: في حفظ الرهن ومؤنته:

- حفظ الرهن: يجب على المرتهن أن يحفظ الرهن الذي تحت يده، لأن من كانت له اليد كان عليه الحفظ، ولأن له مصلحة في حفظ الرهن وبقائه، كي يستوفي حقه منه عند تعذر الاستيفاء من الرهن.

وعلى المرتهن أن يحفظ الرهن بنفسه، وهذا هو الأصل، لما أنه العاقد الملتزم بالحفظ بمقتضى العقد.

وذهب الحنفية إلى أن الرهن كالوديعة، فكما أن الوديعة يجوز أن يحفظها بمن في عياله، كذلك الرهن يجوز فيه ذلك.

ومعنى بمن في عياله أي: من يساكنه دون اعتبار للنفقة كالزوجة والخادم والأجير الذي يتصرف في مال المرتهن.

وأما مؤنة الرهن:

ذهب الشافعية إلى أن على الراهن مؤنة الرهن، ويجبر عليها للمحافظة على حق المرتهن، فعلى الراهن علف دابة وسقي أشجار، وقطع ثمر ونحو ذلك. والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الرهن: "له غنمه وعليه غرمه".

وذهب الحنفية إلى التفصيل فقالوا:

1- إن كل ما يحتاج إليه لمصلحة الرهن وتبقيته فهو على الراهن، لأنه ملكه، فعليه كفايته ومؤنته. وذلك كعلف الدابة وسقي البستان وأجرة الراعي وما أشبه ذلك.

2- إن ما كان لحفظه فهو على المرتهن، وهذا لأن الإمساك والحبس حق له، والحفظ واجب عليه، فيكون بدله عليه، وذلك كأجرة الحافظ وأجرة محل الحفظ وما أشبه ذلك.

وبناء على هذا أنه لو شرط الراهن للمرتهن أن يعطيه أجرة حفظ الرهن لا يستحق شيئاً لأن الحفظ واجب عليه.

3- إن كل ما كان لردّ الرهن إلى يد المرتهن، كحيوان ندّ، أو ردّ جزء منه إلى يده، كمداواة عضو جريح أو ما أشبه ذلك فهو منقسم على المضمون والأمانة، فالمضمون على المرتهن والأمانة على الراهن، وذلك يكون عندهم إذا كانت قيمة الرهن أكثر من قيمة الدين، فما يقابل الدين فهو مضمون، وما يزيد فهو أمانة، وأما إذا كانت قيمة الرهن مماثلة للدين فهو مضمون كله ومؤنة ردّه على المرتهن وحده.

المسألة الثالثة: في يد المرتهن:

ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن يد المرتهن يد أمانة، فلا يضمن المرتهن العين المرهونة، ولا يسقط عن الراهن شيء بمقابلة هلاك الرهن. إلا إذا تعدى المرتهن في هلاك الرهن.

وذهب الحنفية إلى أن يد المرتهن يد ضمان، فيضمن المرتهن عند هلاك الرهن، ولو لم يكن منه تعدٍ ولا تقصير.



فائدة: الفرق بين يد الأمانة ويد الضمان:

أن يد الأمانة لا يضمن صاحبها إلا بالتعدي وأما يد الضمان فإن صاحبها يضمن سواء تعدى أو لم يتعدَّ.

المسألة الرابعة: في الانتفاع بالرهن:

الانتفاع بالرهن على نوعين:

أحدهما: انتفاع الراهن بالرهن. ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الراهن يحق له الانتفاع بالرهن، بسكنى الدار، والاكتساب بالسيارة والدابة.

واشترطوا أن لا ينقص الانتفاع من العين المرهونة أو يتلفها، ودليلهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَغْلَق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه".

أما الانتفاع الذي فيه ضرر على المرتهن كلبس الثوب والسفر بالرهن، أو تأجيره ممن يسافر به فيمنع منه الراهن، لأن لبس الثوب يعرضه للتلف، ولأن في السفر خطراً محتملاً ولا ضرورة له.

لكن إن أذن المرتهن فيما منع منه الراهن جاز.

وذهب الحنفية إلى أنه ليس للراهن الانتفاع بالرهن مطلقاً بوجه من الوجوه، لا بلبس ولا ركوب ولا سكنى ولا غير ذلك، بل تعطل المنافع حتى يكون الوفاء.

ثانيهما: انتفاع المرتهن بالرهن:

اتفق الفقهاء على الأمور التالية:

1- أن عين الرهن ومنافعه ملك للراهن.

2- أن المرتهن لا يحلّ له أن ينتفع بشيء من الرهن إذا لم يأذن له المالك، إذا لم تكن العين المرهونة مركوباً أو محلوباً.

واختلفوا في أمرين:

الأول: في انتفاع المرتهن بالرهن إذا أذن الراهن.

الثاني: فيما إذا كان المرهون مركوباً أو محلوباً.

الأمر الأول: انتفاع المرتهن بالرهن إذا أذن الراهن:

ذهب الشافعية إلى أنه إذا شرط في العقد أن يكون الانتفاع بالمرهون للمرتهن فسد الشرط، وكذا فسد الرهن في الأظهر، لمخالفة الشرط مقتضى العقد.

وأما إذا لم يكن مشروطاً في العقد، فالظاهر جواز ذلك عندهم، لأن للمالك أن يتصرف في ملكه بما لا يضيع فيه حق الآخرين.

وذهب الحنابلة إلى أنه إن كان الانتفاع بغير عوض، وكان دين الرهن قرضاً لم يجز، لأنه يكون قرضاً يجر منفعة وذلك حرام، وإن كان الرهن بثمن مبيع أو أجر دار أو دين غير القرض جاز ذلك.

وأما إذا كان الانتفاع بعوض مثل إن استأجر المرتهن الدار من الراهن بأجرِة مثلها من غير محاباة جاز في القرض وغيره، لكونه ما انتفع بالقرض بل بالإجارة، وإن حاباه في ذلك فحكمه حكم الانتفاع بغير عوض، لا يجوز في القرض ويجوز في غيره.

وذهب الحنفية إلى ثلاثة أقوال مختلفة:

أحدها: أنه لا يحلّ انتفاع المرتهن بالرهن ولو أذن الراهن وعلل ذلك بأنه إذن له بالربا، لأنه يستوفي دينه كاملاً، فتبقى المنفعة فضلاً، فيكون ربا. ولعلَّ هذا القول محمول على الديانة لا الحكم.

ثانيها: أنه يجوز له الانتفاع بالرهن إذا أذن الراهن بذلك، سواء أكان الإذن في العقد أم كان خارجه، لأن الرهن يقتضي الحبس إلى أن يستوفي دينه دون الانتفاع، فلا يجوز له الانتفاع إلا بتسليط منه، وإن فعل كان متعدياً، ولا يبطل الرهن بالتعدي.

ثالثها: أنه يمنع الانتفاع المشروط في العقد، لأنه قرض جر منفعة فهو ربا، فإذا لم يكن مشروطاً فلا بأس، والغالب من أحوال الناس أنهم يريدون عند الدفع الانتفاع، ولولاه لما أعطاه الدراهم، وهذا بمنزلة الشرط، لأن المعروف كالمشروط وهو مما يعين المنع.

الأمر الثاني: إذا كان المرهون مركوباً أو محلوباً:

ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز الانتفاع للمرتهن بالرهن بغير إذن الراهن ولو كان مركوباً أو محلوباً.

وذهب الحنابلة إلى جواز الانتفاع بالرهن للمرتهن إذا كان ظهراً يركب، أو حيواناً يحلب، بمقدار ما ينفق المرتهن ولو لم يأذن الراهن.

لقولِ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة".

المسألة الخامسة: في التصرف في الرهن:

المراد بالتصرف كل عمل ينشئ التزاماً وينتج أثراً شرعياً، وذلك كالهبة والبيع والوقف والعتق وما أشبه ذلك.

أولاً: تصرف الراهن بغير إذن المرتهن:

ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه ليس للراهن في هذه الحال تصرف يزيل الملك كالهبة والبيع والوقف، فإن تصرف الراهن بطل هذا التصرف ولم يترتب عليه أي أثر شرعي. وإنما لم يجيزوا تصرفات الراهن، لأنه وثيقة بيد المرتهن، فلو أجزنا ذلك لفاتت الوثيقة.

وكما إنه لا يجوز أن يتصرف تصرفاً يزيل الملك لا يجوز له أن يتصرف تصرفاً ينقص المرهون كإجارته مدة تحلّ الدين قبل انتهائها، لأن ذلك يقلل الرغبة في شراء المرهون، فإن كان الدين يحّل مع انتهاء المدة أو بعدها جاز له التصرف في ذلك.

وكذلك لا يجوز له رهنه من غيره، لأنه يزاحم حق الأول، فيفوت مقصود الرهن.

وذهب الحنفية إلى التفصيل في هذا التصرف:

1- إذا كان التصرف بيعاً انعقد البيع موقوفاً، سواء علم المشتري بذلك أم لم يعلم.

ووجه الوقف هو أن الراهن لا يتصرف في خالص حقه، إذ تعلق به حق المرتهن، وهو الحبس، فيتوقف على إجازته.

فإذا أجاز المرتهن البيع نفذ، لأن عدم النفاذ لمكان حقه، فإن رضي ببطلان حقه زال المانع فنفذ البيع. وإن لم يجزه بطل البيع.

هذا الكلام في حق البائع، أما المشتري، وإن لم يجز المرتهن البيع فإن المشتري بالخيار إن شاء صبر إلى فكاك الرهن، أو رفع الأمر إلى القاضي ليفسخ البيع لأن هذا الفسخ لقطع المنازعة وهو إلى القاضي.

2- إذا كان التصرف هبة من غير المرتهن أو صدقة انعقد أيضاً موقوفاً على إذن المرتهن، فإن لم يأذن بطل ذلك، وأن أذن نفذ، وفي هذه الحالة يبطل عقد الرهن، لأنه زال عن ملكه لا إلى بدل بخلاف البيع.

3- إذا كان التصرف إجارة توقف على إذن المرتهن، فإن لم يأذن بطلت، لأن قيام ملك الحبس له يمنع الإجارة، ولأن الإجارة بعقد الانتفاع، وهو لا يملك الانتفاع بنفسه، فكيف يملكه غيره، وإن أذن جازت الإجارة، وبطل عقد الرهن، لأن الإجارة إذا جازت -وهي عقد لازم - لا يبقى الرهن ضرورة، والأجرة للراهن لأنها بدل منفعة مملوكة له، وولاية قبض الأجرة له لأنه هو العاقد، ولا تكون الأجرة رهناً، لأن الأجرة بدل المنفعة، والمنفعة ليست بمرهونة فلا يكون بدلها مرهوناً، كل هذا إذا كانت الإجارة لغير المرتهن، أما إذا كانت له جازت الإجارة وبطل الرهن إذا جدد المرتهن القبض للإجارة، لأن قبض الرهن غير قبض الإجارة، فقبض الرهن مضمون، وقبض الإجارة أمانة.

ثانياً: تصرف المرتهن بغير إذن الراهن:

ذهب الجمهور إلى أنَّ تصرف المرتهن بغير إذن الراهن يعدُّ تصرفاً لاغياً، فإذا أسلم العين كان في ذلك متعدياً غاصباً.

وذهب الحنفية إلى أن تصرفاته موقوفة على إذن الراهن، فإن أجاز صحت ويبطل الرهن، وإلا بطلت، لكن في حال إجازة البيع يبقى الثمن رهناً.

ثالثاً: تصرف الراهن بإذن المرتهن:

ذهب الشافعية إلى أنه إذا تصرف الراهن بإذن المرتهن تصرفاً يزيل الملك نفذ هذا التصرف، وبطل الرهن، لكن للمرتهن الرجوع عن الإذن قبل تصرف الراهن، لأن حقه باق، كما للمالك أن يرجع قبل تصرف الوكيل.

وذهب الحنفية إذا باع أو وهب من أجنبي خرج المرهون عن الرهن فلا يعود إلا بعقد مبتدأ.

رابعاً: تصرف المرتهن بإذن الراهن:

ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه إذا تصرف المرتهن بإذن الراهن تصرفاً يزيل الملك صح هذا التصرف ويبطل الرهن.

المسألة السادسة: في تسليم الرهن للراهن وردّه عند فكاكه بوفاء الدين:

الفرع الأول: تسديد بعض الدين:

ذهب الفقهاء إلى أنه لا ينفك شيء من الرهن حتى يؤدي دينه كله أو يبرئه المرتهن من الدين أو يفسخ الرهن.

الفرع الثاني: في تسديد الدين كله:

ذهب الفقهاء إلى أنه إذا سدّد الراهن ما عليه من الدين انفك الرهن، ووجب تسليمه إليه.

وذهبت الحنفية إلى أنه يتبع في التسليم المراحل التالية:

أولاً: إذا طالب المرتهن بدينه يؤمر بإحضار الرهن إن كانت المطالبة في البلد الذي وقع فيه الرهن، فإن كانت المطالبة بالدين في غير البلد الذي وقع فيه العقد وكان الرهن مما لا مؤنة في إحضاره أمر المرتهن أيضاً بإحضار الرهن. لأن الأماكن كلها في حق التسليم كمكان واحد فيما ليس له حمل ولا مؤنة.

ثانياً: فإذا أحضر المرتهن الرهن يؤمر الراهن بتسديد الدين، فإذا فعل سلمه المرتهن الرهن.

وإنما أمر الراهن بذلك ليتعين حق المرتهن بتسليم الدين كما تعين حق الراهن في الرهن تحقيقاً للتسوية بينهما.

أما إذا طالب المرتهن بالدين في غير محل العقد وكان لحمله مؤنة يستوفي دينه ولا يكلف إحضار الرهن، لأن هذا نقل، والواجب عليه التسليم بمعنى التخلية، لا النقل من مكان إلى مكان لأنه يتضرر به ولم يلزمه، لكن في هذه الحال للراهن أن يحلفه بالله أنه ما هلك.

ثالثاً: وهو وجوب تسليم المرهون عند الافتكاك - فيتعلق به معرفة وقت وجوب التسليم، فوقت وجوب التسليم ما بعد قضاء الدين، يقضي الدين أولاً ثم يتسلم الرهن، لأن الرهن وثيقة، وفي تقديم تسليمه إبطال للوثيقة، ولأنه لو سلم الرهن أولاً فمن الجائز أن يموت الراهن قبل قضاء الدين، فيصيرَ المرتهن كواحد من الغرماء فيبطل حقه، فلزم تقديم قضاء الدين على تسليم الرهن، إلا أن المرتهن إذا طلب الدين يؤمر بإحضار الرهن أولاً، ويقال له أحضر الرهن إذا كان قادراً على الإحضار من غير ضرر زائد، ثم يخاطَب الراهن بقضاء الدين، لأنه لو خوطب بقضائه من غير إحضار الرهن، ومن الجائز أن الرهن قد هلك وصار المرتهن مستوفياً دينه من الرهن، فيؤدي إلى الاستيفاء مرتين.

المسألة السابعة: في بيع الرهن:

ذهب الشافعية إلى أن حق البيع للراهن أو وكيله، ويكون ذلك بإذن من المرتهن، لأن له حقاً فيه، فإن لم يأذن المرتهن بالبيع قال له الحاكم، ائذن في بيعه أو أبرئه، وذلك دفعاً لضرر الراهن، فإن أصر على الامتناع باعه الحاكم عليه، ووفى الدين من ثمنه دفعاً للضرر.

ولو طلب المرتهن بيعه فأبى الراهن ذلك ألزمه القاضي قضاء الدين أو بيعه، فإن أصر على الامتناع باعه الحاكم دفعاً للضرر عن المرتهن. هذا إذا لم يكن له وفاء غير الرهن، فإن كان له ما يفي به الدين لم يتعين بيع الرهن. وكذلك الحكم إذا طلب المرتهن بيعه وكان الدين حالاًّ، وكان الراهن غائباً.

أما إذا باعه المرتهن بإذن الراهن فالأصح أنه إن باع بحضرته صح البيع، وإلا فلا، لأن بيعه لغرض نفسه فيتهم في الغيبة بالاستعجال وترك التحفظ دون الحضور.

وهناك قول ثانٍ أنه يصح مع عدم حضوره كما لو أذن له في بيع غيره.

وهناك قول ثالث عندهم هو أنه لا يصح بيعه حضر الراهن أم لم يحضر، لأن الإذن له فيه توكيل فيما يتعلق بحقه، إذ المرتهن مستحق للبيع.

وذهب الحنفية إلى أن للراهن والمرتهن حقاً في العين المرهونة، أما الراهن فملكه، وأما المرتهن فلأنه أحق بماليته من الراهن ولذلك لا ينفرد أحدهما ببيعه دون إذن من الآخر.

فإذا أذن الراهن للمرتهن ببيعه باعه، واستوفى حقه منه، وكذلك إذا أذن الوكيل له في البيع.

فإن حّل الأجل وكان الراهن غائباً أجبر الوكيل على بيعه، لأن حق المرتهن تعلق بالبيع، وفي الامتناع إبطال لحق، فيجبر عليه.

وكيفية الإجبار أن يحبسه القاضي أياماً ليبيع، فإن امتنع بعد ذلك فالقاضي يبيعه عليه دفعاً للضرر.

وأما إذا لم يأذن بالبيع لأحد، طولب بالوفاء، فإن امتنع أجبره القاضي على البيع بما يراه مناسباً، من حبس أو تعزيز.

وعند أبي حنيفة لا يبيعه عليه، لأن البيع عليه بمثابة الحجر على ماله، ولا يكون إلا في الغائب للضرورة، وأما الحاضر فلا يحجر عليه عنده.

المبحث الثاني: في أحكام الرهن الصحيح حال هلاك العين المرهونة:

إن هلاك العين المرهونة لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تهلك بنفسها وإما أن تهلك باستهلاك أحد لها، سواء أكان المستهلك الراهن أم المرتهن أم أجنبياً.

أولاً: هلاك العين المرهونة بنفسها:

إذا هلكت العين المرهونة بنفسها فلا يخلو الأمر من إحدى حالين: إما أن يكون هلاكها بتعد وتقصير وإهمال، أو يكون من غير تعد ولا تقصير:

الحالة الأولى: هلاك العين بتعد أو تقصير:

اتفق الفقهاء على أن العين المرهونة إذا هلكت بتعد أو تقصير فإن المتعدي يضمنها، سواء أكان المتعدي الراهن أم المرتهن أم الأجنبي، وسواء أقلنا إن يد المرتهن على الرهن يد أمانة أم قلنا إن يده يد ضمان. فيلزم الضمان بالتعدي، فيوضع مثلها إن كانت مما له مثل، أو توضع قيمتها إن كان قيمية، ويوضع ذلك رهناً مكانها.

الحالة الثانية: هلاك العين المرهونة بلا تعد أو تقصير:

اتفق الفقهاء فيما إذا هلكت العين المرهونة عند المرتهن بلا تعدٍ أو تقصير،

ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا ضمان على المرتهن في ذلك، لأن يده على الرهن يد أمانة، فإذا هلكت تهلك من مال الراهن، ولا يسقط شيء من الرهن بهلاكها:

وذهبت الحنفية إلى أنه مضمون المرتهن بدينه على خلاف في كيفية الضمان عندهم، إذ ذهب جمهورهم إلى أن الضمان يكون بالأقل من قيمته أو الدين، فلو هلك وقيمته مثل الدين صار مستوفياً دينه، وإن كانت أكثر من دينه فالفضل أمانة، وبقدر الدين صار مستوفياً، وإن كانت أقل صار مستوفياً بقدره ورجع المرتهن بالفضل.

وذهب مالك إلى أن الرهن إن هلك بسبب ظاهر كموت الحيوان واحتراق الدار فضمانه على الراهن، وإن هلك بسبب خفي كسرقة مثلاً فضمانه على المرتهن، ما لم تقم بينة بهلاكه فيكون ضمانه على الراهن.

ثانياً: في حكم استهلاك العين المرهونة:

استهلاك العين المرهونة إما أن يكون من قبل الراهن وإما أن يكون من قبل المرتهن، وإما أن يكون من أجنبي، ولكل من هذه الأقسام الثلاثة بحث يخصه.

القسم الأول: في استهلاك الراهن العين المرهونة:

إذا استهلك الراهن الرهن ترتبت على ذلك الأحكام التالية:

1- إن كان الدين حالاً يطالب بالدين، إذ لا فائدة في المطالبة بالضمان.

2- إن كان الدين مؤجلاً يضمن مثل الرهن إن كان مثلياً، أو قيمته إن كان قيمياً.

3- يكون المضمون رهناً في يد المرتهن لقيامه مقام العين المرهونة.

4- المرتهن هو الذي يخاصم الراهن في التضمين، لأنه صاحب الحق في مالية الرهن بالحبس ووضع اليد للاستيفاء.

القسم الثاني: في استهلاك المرتهن للعين المرهونة:

إذا استهلك المرتهن العين المرهونة ترتب على ذلك الأحكام التالية:

1- إذا كان الدين مؤجلاً ضمن مثله إن كان مثلياً، أو قيمته إن كان قيمياً. لأنه أتلف مال غيره، وكانت رهناً في يده حتى يحّل الأجل، لأن الضمان بدل العين فأخذ حكمه.

2- تعتبر قيمة المتلّف بالنسبة إلى المرتهن يوم القبض، لأن المعتبر في ضمان الرهن يوم قبضه، لأنه به دخل في ضمانه، لأنه قبض استيفاء.

3- على هذا فإذا نقص سعره يوم الاستهلاك وجب قيمته يوم القبض، فلو كانت قيمته يوم القبض ألفاً، ويوم الاستهلاك خمسماية، غرم خمسماية وتكون رهناً، وسقط من الدين خمسماية.

4- إذا كان الدين حالاً والمضمون من جنس حقه استوفى المرتهن منه وردّ الفضل على الراهن إن كان به فضل، وإن كان دينه أكثر من قيمته رجع على الراهن بالفضل.

القسم الثالث: استهلاك الأجنبي للعين المرهونة:

إذا كان المستهلك للعين أجنبياً ترتب على ذلك الأحكام التالية:

1- يضمن ما أتلفه إن كان مثلياً ضمن مثله، وإن كان قيمياً ضمن قيمته.

2- يجب على هذا المستهلك قيمته يوم الاستهلاك لا يوم القبض كالمرتهن، فلو كانت قيمته يوم القبض ألفاً ويوم الاستهلاك خمسماية وجب بالاتلاف خمسماية، ويسقط من الدين خمسماية، كأنها هلكت بآفة سماوية.

3- تصبح قيمة العين المستهلكة رهناً بدل الرهن السابق.

4- المخاصم للأجنبي هو المرتهن عند الحنفية، والراهن عند الشافعية.





* * *



الفصل الخامس

في أحكام الرهن الفاسد



المبحث الأول: في معنى الفساد والبطلان:

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الفساد والبطلان بمعنى واحد ويكون الفساد والبطلان بنقص شرط أو ركن أو غير ذلك كما هو مذكور في الأصول. إلا أنهم قالوا إن حكم فاسد العقود حكم صحيحها في الضمان، فإذا اقتضى صحيحه الضمان كالبيع والإعارة، ففاسده أولى، وإذا لم يقتض صحيحه الضمان كالإجارة والرهن ففاسده كذلك.

وعلى هذا فإذا رهن عيناً في عقد رهن فاسد، فإن تلفت العين المرهونة من غير تعد ولا تقصير، فلا ضمان على المرتهن، لأنه في هذا الحال إذا وقع العقد صحيحاً فلا ضمان، فكذلك الفاسد، لأنه واضع اليد أثبتها بإذن مالكها، ولم يلتزم بالعقد ضماناً.

وذهب الحنفية إلى الفرق بين البطلان والفساد، فعرفوا الباطل: بأنه غير مشروع بأصله ولا بوصفه وعرّفوا الفاسد بأنه ما كان مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه.

وعلى هذا فعندهم رهن باطل ورهن فاسد، ويترتب على كل أحكام، فالرهن الباطل هو الذي لا يكون فيه المرهون مالاً، أو لا يكون في مقابلة دين مضمون، أي افتقد شرطاً من شروطه الصحة.

والرهن الفاسد هو الذي يكون المرهون فيه مالاً، والدين المقابل به مالاً مضموناً، إلا أنه افتقد بعض صفات شروط الجواز، وذلك كأن يكون المرهون مشاعاً.

المبحث الثاني: في أحكام الرهن الباطل عند الحنفية:

إذا وقع الرهن باطلاً تعلق به الأحكام التالية:

أولاً: لا يكون العقد في الرهن منعقداً أصلاً.

ثانياً: لا تترتب عليه أحكام الرهن ولا آثاره، ومن أحكامه أنه:

أ- يجوز للراهن أن يعود برهنه، كما لو رهن مسلم عيناً بخمرِ مسلمٍ. فللراهن استرداد العين المرهونة من المرتهن.

ب- ليس للمرتهن حبس الرهن، فإن حبسه كان مغتصباً.

ج- إذا هلك الرهن هلك بغير شيء ولا يكون مضموناً، فلا يقابله شيء من الدين.



المبحث الثالث: في أحكام الرهن الفاسد عند الحنفية:

إذا وقع الرهن فاسداً عندهم كان له من الأحكام ما للرهن الصحيح.

وعلى هذا يتعلق بالرهن الفاسد الأحكام التالية:

أولاً: أن الرهن إذا هلك يهلك مضموناً على المرتهن.

ثانياً: إذا أراد الراهن استرداد المرهون كان للمرتهن حبسه حتى يؤدي الراهن ما عليه من الدين.

ثالثاً: إذا مات الراهن وعليه ديون كثيرة كان المرتهن أحق به من سائر الغرماء.


* * *


الفصل السادس

في أحكام تتعلق بالرهن

وهذه الأحكام هي: وضع الرهن على يد العدل - رهن المستعار - نماء الرهن وزيادته - التعدد في الرهن.

المبحث الأول: في وضع الرهن على يد العدل:

وينقسم إلى: معنى العدل - حكم وضع الرهن عند العدل - صفة يد العدل على الرهن - الأحكام التي تتعلق بوضع الرهن على يد العدل.

القسم الأول: معنى العدل:

قد لا يثق كل من الراهن والمرتهن بصاحبه فيريدان أن يضعا هذا الرهن عند إنسان يثق به كل منهما، لعدالته وأمانته وحرصه على رعاية المصالح، فهذا الإنسان هو العدل، فالعدل إذاً هو الشخص الثقة الأمين الذي يرضى به كل من الراهن والمرتهن ليضعا عنده الرهن، وينوب عنهما في قبضه وحفظه، وقد يسلطانه على بيعه عند حلول أجل الدين.

القسم الثاني: حكم وضع الرهن عند العدل:

ذهب الجمهور من الفقهاء إلى أنه إذا شرطا كون الرهن على يدي عدل رضيا به واتفقا عليه جاز، وكان وكيلاً للمرتهن نائباً عنه في القبض، فمتى قبضه صح قبضه.

القسم الثالث: صفة يد العدل على الرهن:

يد العدل لها صفتان: صفة أمانة من حيث إنه نائب عن المالك، فهو أمانة عنده، ويد ضمان من حيث إنه نائب عن المرتهن، وهو وديعه في ماليتها.

القسم الرابع: الأحكام التي تتعلق بوضع الرهن على يد العدل:

هناك أحكام تتعلق بوضع الرهن على يد العدل. فمن هذه الأحكام:

أولاً: ليس للعدل دفع العين المرهونة إلى أحد المتراهنين بلا إذن صاحبه، لأن كل واحد منهما لم يرض بيد صاحبه، بل رضيا بيد العدل، ولأنه قد تعلق بالعين المرهونة حقهما، لأن حق الراهن تعلق في الحفظ بيده وأمانته، وحق المرتهن في الاستيفاء فلا يملك كل واحد منهما إبطال حق الآخر.

ثانياً: لو دفع العدل الرهن إلى أحدهما ضمن، لأنه مودع الراهن في حق العين، ومودع المرتهن في حق المالية، وكل منهما أجنبي عن الآخر، والمودع يضمن بالدفع إلى الأجنبي.

ثالثاً: إذا هلك الرهن في يد العدل يهلك مضموناً على المرتهن، لأن يده من حيث المالية يد المرتهن وهي مضمونة، هذا عند الحنفية، وأما عند الشافعية فلا يضمن إلا بالتعدي، ويده كيد المرتهن يد أمانة لا يد ضمان.

رابعاً: ليس للعدل أن يبيع الرهن ما لم يسلط عليه، وهذا لأن الثابت له بالوضع حق الإمساك لا التصرف، ولو شرط أن يبيعه العدل جاز، ولا يشترط مراجعة الراهن في الأصح عند الشافعية. وإن عزل الراهن العدل عن البيع صح عزله، ولم يملك البيع، وبهذا قال الشافعي.

وقال أبو حنيفة ومالك: لا ينعزل لأن وكالته صارت من حقوق الرهن، فلم يكن للراهن إسقاطه كسائر حقوقه.

خامساً: إذا ضمن العدل قيمة الرهن بالتعدي بإتلافه أو بدفعه إلى الراهن أو المرتهن وأتلفه المدفوع إليه، لا يستطيع العدل أن يجعل القيمة رهناً في يده، نص على ذلك الحنفية.

ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن للراهن أن يفسخ الوكالة ويعزله عما فوضه إليه من البيع، كما يحق له أن يعزل نفسه، بناء على أن الوكالة عقد جائز فلكل واحد من الطرفين فسخه متى شاء.

وذهب الحنفية إلى التفريق بين أن تكون الوكالة في صلب عقد الرهن، وأن تكون الوكالة بعد عقد الرهن.

أ- فإذا وقعت الوكالة في عقد الرهن ترتبت عليه الأحكام التالية:

1- لا ينعزل الوكيل بعزل الموكل، لأن الوكالة لما شرطت في عقد الرهن صارت وصفاً من أوصافه وحقاً من حقوقه، ألا ترى أنها لزيادة الوثيقة؟ فتلزم بلزوم أصله، ولأنه تعلق به حق المرتهن، وفي العزل إبطال لحقه.

2- إذا وكله بالبيع مطلقاً ملك البيع بالنقد والنسيئة، فإذا نهاه بعد ذلك عن البيع بالنسيئة، لم يعمل نهيه، لأنه لازم بأصله فكذا هو لازم بوصفه.

3- لا ينعزل هذا الوكيل بالعزل الحكمي كموت الموكل وارتداده ولحقوقه بدار الحرب، لأن الرهن لا يبطل بموته، لأنه لو بطل في هذه الحال لبطل لحق الورثة، وحق المرتهن مقدم على حق الورثة.

4- أن الوكيل هنا إذا امتنع عن البيع أجبر عليه، فإن أبى حبس، فإن أبى باع القاضي عليه، لدفع الضرر عن المرتهن.

5- إذا مات العدل بطلت الوكالة في ظاهر الرواية، فلا يقوم وارثه ولا وصيه مقامه، لأن الوكالة لا يجري فيها التوارث، ولأن الموكل رضي برأيه دون رأي سواه.

ب- إذا وقعت الوكالة مفردة عن عقد الرهن ترتبت عليه الأحكام التالية:

1- تبطل الوكالة بموت الموكل

2- ينعزل الوكيل بعزل الموكل

3- إذا امتنع الوكيل هنا عن البيع لم يجبر عليه.

المبحث الثاني: في الرهن المستعار:

وينقسم المبحث الثاني إلى سبعة أقسام:

1- جواز رهن المستعار

2- إطلاق الإعارة وتقييدها

3- موافقه الراهن المستعير لشروط المعير ومخالفته في ذلك

4- هلاك العين المستعارة للرهن

5- استعمال المستعير العين المستعارة للرهن

6- فك الرهن المستعار

7- موت المعير أو المستعير مفلساً

القسم الأول: في جواز رهن العين المستعارة للرهن:

اتفق الفقهاء إلى أنه إذا استعار شخص من آخر عيناً ليرهنها في دين فذلك جائز. وذلك لأن الرهن توثق وهو يحصل بما لا يملكه بدليل الإشهاد والكفالة. ولأن الرهن بمثابة إيفاء الدين وقضائه. والإنسان بسبيل أن يقضي دين نفسه بمال غيره بإذنه.

القسم الثاني: إطلاق الإعارة وتقييدها:

ذهب الشافعية والحنابلة في الأصح عندهم أنه يشترط في هذه الإعارة ذكر جنس الدين وقدره وصفته وكذا المرهون عنده. لاختلاف الأغراض في ذلك.

وبناء على اشتراط التقييد أنه إذا رهن بأقل مما عينه كأن عين له ألف فرهنه بمائة أن الرهن لا يبطل لرضا المعير به في ضمن رضاه بالأكثر، هذا إذا كان من جنسه، فلو قال: ارهنه بمائة دينار فرهنه بمائة درهم لم يصح لاختلاف الجنس.

وذهب الحنفية إلى أن للمعير أن يطلق الإعارة من أجل الرهن، وفي هذه الحال يعدّ الإطلاق حقاً للمستعير، ولا يعدّ ذلك جهالة تفسد الإعارة، لأن الجهالة المفسدة هي الجهالة التي تفضي إلى المنازعة، وتمنع من التسليم والتسلم، ومبنى الإعارة على التسامح، فلا تجري فيها المضايقة، ولا تفضى إلى المنازعة.

وللمعير عندهم أن يقيد عاريته برهنها من مرتهن معين، أو في بلدة معينة أو بمقدار محدد من الدين وما إلى ذلك، وفي هذه الحال يتقيد المستعير بما قيده به المعير، وذلك لأن التقييد مقصود مفيد.

القسم الثالث: في موافقة الران المستعير لشروط المعير ومخالفته في ذلك:

أ- ذهب الشافعية إلى أنه إذا وافق الراهن المستعير شروط المعير كان الرهن صحيحاً، وأصحبت العين مرهونة بعد القبض، وترتب على ذلك أحكام الرهن، ومن هذه الأحكام أنها إذا تلفت عند المرتهن تهلك أمانة في يده، فلا يضمن شيئاً، كما أن الراهن أيضاً لا يضمن شيئاً، لأنه لم يسقط عنه شيء من الحق. وهاك قول بضمان المستعير، لأنه لم يتلف بالاستعمال المأذون به.

وذهب الحنفية - بناء على أصلهم في الضمان - إلى أنه مضمون على المرتهن بالأقل من قيمته أو قيمة الدين، فإن كانت العين المرهونة قيمتها مثل الدين أو أكثر، سقط الدين عن الراهن، لأن المرتهن استوفى دينه بالهلاك، ويرجع المعير على المستعير بمثل ما قضى من الدين، ولا يرجع بما زاد عن الدين بقيمتها، لأن هذه الزيادة أمانة فلا تضمن.

وإن كانت قيمتها أقل من الدين سقط من الدين بمقدار قيمتها، ويرجع المرتهن على الراهن بما بقي من الدين، لأن الزائد لم يستوف، ويضمن المستعير للمعير مقدار ما سقط عنه من الدين وهو قيمتها في هذه الصورة.

ب- وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا خالف المستعير شروط المعير، كأن أعاره ليرهنه عند واحد، فرهنه عند اثنين مثلاً، بطل الرهن. وكما لو أعاره متاعاً ليرهنه بمائة دينار فرهنه بمائة درهم، لاختلاف الجنس، وكما لو أعاره متاعاً ليرهنه بدين حالّ فرهنه بدين مؤجل، أما لو أعاره ليرهنه بمقدار معين فرهنه بمقدار أقل مع اتحاد الجنس فجائز.

ولو أعاره متاعاً ليرهنه بمائة وخمسين مثلاً فرهنه بمائتين فالصحيح أن الرهن يبطل في الجميع، وذهب بعض المتأخرين إلى صحة الرهن بالمائ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://pontera.yoo7.com
غــــريــــب
الــمــديــر الــعــام


عدد المساهمات: 2566
نقاط: 7147
تاريخ التسجيل: 01/10/2010
الموقع: الــمــغــرب

مُساهمةموضوع: رد: الفقه الإسلامي   الثلاثاء أكتوبر 12, 2010 6:41 am

ولو أعاره متاعاً ليرهنه بمائة وخمسين مثلاً فرهنه بمائتين فالصحيح أن الرهن يبطل في الجميع، وذهب بعض المتأخرين إلى صحة الرهن بالمائة والخمسين وبطلانه في الزائد، ولكن هذا القول ليس بمعتمد.

وذهب الحنفية إلى أن للمعير فسخ الرهن واسترداد متاعه، لعدم صحة الرهن، فإن هلك الرهن كان للمعير تضمين الراهن والمرتهن إذ إنهما غاصبان لماله، ثم إن ضمن المعير المستعير الراهن، تم عقد الرهن، لأنه قد ملكه بأداء الضمان، فتبين أنه رهن ملك نفسه.

وإن ضمن المرتهن رجع هذا على المستعير بما ضمن للمعير، ورجع عليه أيضاً بدينه، كما هو الشأن في استحقاق الرهن في المرتهن بعد هلاكه وضمانه.



القسم الرابع: في هلاك العين المستعارة للرهن بيد المستعير:

ذهب الشافعية إلى أنه إذا هلك في يد المستعير ضمنه، لأنه لم يهلك بالاستعمال، لأن العارية عندهم تكون مضمونة إذا تلفت بغير الاستعمال، وإن لم يكن هناك تعدٍ.

وذهب الحنفية إلى أنه لا ضمان على المستعير، سواء أكان الهلاك قبل عقد الرهن أو بعد الفكاك، لأن العين المرهونة إن هلكت قبل الرهن فقد هلكت في قبض العارية لا في قبض الرهن، وقبض العارية قبض أمانة لا قبض ضمان.

وإن هلكت بعد الفكاك من يد المرتهن فقد هلكت أيضاً في قبض العارية، لأنها بالافتكاك من يد المرتهن عادت عارية، فكان الهلاك في قبض العارية.

القسم الخامس: في استعمال المستعير العين المستعارة للرهن:

ذهب الحنفية إلى أنه إذا استعمل المستعير العين المعارة للرهن قبل أن يرهنها، ثم رهنها، ثم قضى الدين فهلكت العين عند المرتهن قبل أن يستردها، فلا ضمان على الراهن، لأنه وإن كان يضمن بالاستعمال لكنه برئ من الضمان بعد أن رهنها، فكان أميناً خالف ثم عاد إلى الوفاق، فبرئ من الضمان.

وكذلك الحكم إذا افتك المستعير العين المستعارة ثم استعملها، فلم تتلف بالاستعمال ثم تلفت بعد ذلك، لأنه بعد الفكاك بمنزلة الوديع، والوديع إذا خالف ثم رجع إلى الوفاق، فإنه يبرأ عن الضمان.

القسم السادس: في فك المعير للرهن المستعار:

ذهب الحنفية إلى أنه إذا عجز الراهن عن افتكاك الرهن المستعار فأراد المعير المالك أن يفتكه أجبر المرتهن على القبول، لأن المعير غير متبرع بقضاء الدين، لما في من تخليص ملكه، ويرجع بجميع ما قضى على المستعير.

وأما الأجنبي إذا قضى الدين فلا يجبر المرتهن على القبول لأنه متبرع، إذ هو لا يسعى في تخليص ملكه ولا في تفريغ ذمته، فكان للطالب أن لا يقبله.

القسم السابع: في موت المستعير أو المعير مفلساً:

وذهب الحنفية إلى أنه إذا مات المستعير مفلساً فالرهن باق على حاله، ولا يباع إلا برضا المعير، لأنه ملكه، ولو أراد المعير البيع وامتنع المرتهن من بيعه، بيع من غير رضاه إذا كان فيه وفاء، لأن حقه في الاستيفاء وقد حصل، وإن لم يكن فيه وفاء لم يبع إلا برضاه، لأن له في الحبس منفعة، فلعل المعير يحتاج إلى الرهن فيخلصه بالإيفاء، أو تزداد قيمته بتغير السعر فيستوفى حقه منه.

ب- وذهب الحنفية إلى أنه لو مات المعير مفلساً وعليه دين أمر الراهن بقضاء دين نفسه، ويردّ الرهن ليصل كل ذي حق إلى حقه، وإن عجز لفقره فالرهن باق على حاله كما لو كان المعير حياً، ولورثته أخذه إن قضوا دينه، لأنهم بمنزلة المورث، فإن طلب غرماء المعير وورثته بيعه، فإن كان فيه وفاء بيع، وإلاّ فلا يباع إلا برضا المرتهن، كما مرّ في المعير.

المبحث الثالث: في نماء الرهن:

معنى نماء الرهن: هو ما يكون متولداً من الرهن الأصلي، كثمر الشجر، وولد الشاة ولبنها وصوفها وأجرة الدار وما أشبه ذلك.

ذهب الشافعية إلى التفرقة بين الزيادة المتصلة كالسمن والزيادة المنفصلة كالولد واللبن والثمرة وما أشبه ذلك، فذكروا أن الزيادة المتصلة تدخل في الرهن لعدم انفصالها وتمييزها عنه، وأما الزيادة المنفصلة فلا تدخل في الرهن.

وذهب الحنفية إلى أن نماء الرهن داخل في الرهن سواء أكان متصلاً أم منفصلاً، غير أن ما يكون بدلاً عن المنفعة، كالأجرة في الدار، لا تدخل في الرهن.

وذهب الحنابلة إلى أن نماء الرهن جميعه وغلاته تكون رهناً في يد من الرهن في يده كالأصل.

وذهب مالك إلى التفريق في الزيادة المنفصلة فقال: ما كان من نماء الرهن المنفصل على خلقته وصورته فإنه داخل في الرهن، كولد الجارية، وأما ما لم يكن على خلقته فإنه لا يدخل في الرهن، كان متولداً عنه كثمر النخل، أو غير متولد ككراء الدار وخراج الغلام.

المبحث الرابع: في الزيادة في الرهن أو الدين:

أ- ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه إذا رهن شخص داراً في دين، ثم أراد الراهن وضع دارٍ أخرى، لتكون مع الأول رهناً بهذا الدين جاز ذلك.

وعلى القول بزيادة الرهن تصبح الزيادة مرهونة قصداً. ويجري عليها جميع أحكام الرهن.

ب- ذهب جمهور الفقهاء والشافعي في الجديد إلى عدم جواز الزيادة في الدين على ما كان مرهوناً، وذلك كأن يرهن إنسان داراً على ألف دينار يقترضها، ثم يأتي ويريد أن يقترض ألفاً أخرى على أن تكون الدار قرضاً بالألفين.

وذهب الشافعي في القديم إلى جواز الزيادة في الدين، كما أجازوا الزيادة في الرهن.

المبحث الخامس: في تعدد أطراف الرهن:

وهو على ثلاثة أمور: تعدد الراهينن مع اتحاد الرهن - تعدد المرتهنين - تعدد العين المرهونة.



الأمر الأول: تعدد الراهنين:

مثال تعدد الراهنين كأن يرهن شخصان بدين عليهما رهناً واحداً كدار أو سجادة أو بستان سواء أكان ثبوت الدين عليهما في صفقة واحدة، أم كان كل منهما على حدة.

اتفق الفقهاء على جواز ذلك، لأن هذا ليس فيه شيوع، فرهن الاثنين من الواحد يحصل به القبض من غير إشاعة، فصار كرهن واحد، وصار المرتهن كالبائع، والراهنان كالمشتريين.

- أمَّا إذا وفى أحد الراهنين ما عليه من الدين فهل يصح له أن يفتك ما يقابله من الرهن؟

ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إن دفع أحد الراهنين ما عليه من الدين انفك قسطه من الرهن.

وذهب الحنفية إلى أنه يحق للمرتهن حبس الرهن وإمساكه حتى يستوفي الدين كله، فإذا أدى أحدهما ما عليه من الدين لم يكن له أن يقبض شيئاً من الرهن. لأن فيه تفريق الصفقة على المرتهن في الإمساك، ولأن قبض الرهن يحصل في الكل من غير شيوع.

الأمر الثاني: تعدد المرتهنين:

مثال تعدد المرتهنين أن يرهن شخص داره من رجلين بدين لكل واحد منهما عليه، ويقبل الرجلان ذلك، سواء أكانا شريكين في الدين، أم لم يكونا شريكين فيه.

اتفق الفقهاء على جواز هذا الرهن.

- أما إذا وفى دين أحدهما فهل يحق له أن يفتك ما يقابله من الرهن؟

ذهب الشافعية إلى أنه يفتك ما يقابله من الرهن.

وذهب الحنفية إلى أنه يعدّ الرهن كله محبوساً بدين كل منهما، فإذا قضى الراهن دين أحدهما. بقي كله رهناً في يد الآخر، لأن العين كلها رهن في يد كل منهما بلا تفريق وذلك مثل حبس المبيع إذا أدى أحد المشتريين حصته من الثمن.



الأمر الثالث: في تعدد العين المرهونة:

مثال تعدد العين المرهونة كأن يقول الراهن للمرتهن: - رهنتك هاتين الدارين، كل واحدة منهما بألف دينار. ويسلمهما في مقابلة ألفي دينار عليه -.

اتفق الفقهاء على جواز هذا العقد.



يــــتــــبــــع إن شاء الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://pontera.yoo7.com
 

الفقه الإسلامي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مــنــتــديــات مــغــربــيــة ::  :: -